محمد إقبال بلو: القدس العربي
تكاد تسقط منه، بينما يتشبث بها بكل ما أوتي من قوة وعزيمة وإصرار على الحياة، يضمها بيديه، ويسندها تارة إلى ركبته، حتى يصل بها إلى مكانها المناسب، لقد أضنت قطعة القرميد «البلوك» الأستاذ أحمد أثناء حملها إلا أنه وضعها مكانها وثبتها بالإسمنت، كما ثبت المئات قبلها وسيثبت المئات بعدها، ولا بد من الإشارة إلى أن لقب الأستاذ يطلق على كل معلم في سورية، من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعية، وأحياناً يطلق على أي مثقف، كما للأغنياء حظوة به حتى ولو كانوا أميين.في حي «نارليجا» المكتظ بالعائلات السورية والذي يقع على الأطراف الشمالية الشرقية من أنطاكيا، يقيم الأستاذ أحمد والذي حسب ما أخبرنا أنه تعلم مهنة بناء القرميد هنا في تركيا، ووجد أنها مهنة جيدة يؤمن بها لقمة عيشه وأسرته الصغيرة، كما أنها مهنة رائجة لاسيما في ظل التوسع العمراني الذي تشهده هذه المدينة الصغيرة، بعد أن استضافت عشرات آلاف السوريين اللاجئين. وبحسب الرجل فإنه لا يجد صعوبة كبيرة في العثور على عمل، إذ أنه لا يحاول العمل في المشاريع الكبيرة التي تحتاج إلى سرعة في العمل لا تتوفر إلا لدى الشبان، بل يعمل في ورشات صغيرة كبناء سور، أو تقطيع منزل تم بناؤه حديثاً، كما أنه يقبل بأجر قليل فهو لا يطمح إلا لتأمين ثمن إيجار بيته الصغير، وبعض الطعام الذي يبقيه حياً هو وزوجته وبنته العزباء.
يقول: لست هارباً من الموت في سورية، إنما أتيت إلى هنا هروباً من الفقر، ففي بلدتي الصغيرة بريف حلب لا توجد أية أعمال، كما أنني أصبحت في عمر لا يسمح لي بالعمل خاصة أن الشبان لا يجدون عملاً أصلاً، لا تغركم كلمة أستاذ فأنا رجل «على باب الله» علمت طلاباً في المرحلة الابتدائية أصبحوا اليوم أطباء ومهندسين ومنهم من أصبح مثلي اليوم، عامل بناء يكدح من الصباح إلى المساء ليأكل. ويضيف: «بعد عملي في مهنة التعليم أكثر من خمسة وعشرين عاماً قرر نظام بشار الأسد أن يحرمني من راتبي، فأنا إرهابي بنظرهم، وكيف تدفع الدولة راتباً لإرهابي يمس أمنها، أذكر يومها أنهم طلبوا من المعلمين أن يذهبوا إلى المدينة للمشاركة فيما سماه النظام انتخابات، إلا أنني لم أذهب فكيف انتخب رئيسا لبلدي وهو الرجل نفسه الذي قتل أقربائي، وجيراني، ودمّر منازل البلدة ببراميله المتفجرة».
سألنا الأستاذ أحمد عن المواد الإغاثية التي تصله في الداخل بل وأخبرناه رأينا أن بقاءه في بلدته والعيش على المساعدات أفضل من هذا العمل الشاق بالنسبة لمن هم في سنه، فضحك بصوت مرتفع كاد يسقط آخر «بلوكة» وضعها على الحائط، وأتبع الضحكة بدمعة وقال: «إغاثة.. يا رجل تتحدث وكأنك أتيت من بلاد أخرى، الإغاثة لا تغيث إلا من يعملون بها، وأقرباءهم أما نحن المعترين لا نحصل على شيء، بل يعتبرنا بعض أولئك اللصوص شبيحة للنظام، لأننا ولفترة طويلة أصررنا على متابعة تعليم الأطفال في مدارس النظام، إلى أن تم فصلنا جميعاً من وظائفنا وقطع مرتباتنا الشهرية».
يسخر الأستاذ الكهل من واقع مرير وقصة ألم عميقة، حوّلته من مربي أجيال إلى عامل عضلي لا يجني إلا القليل من المال بعد الكثير من التعب، ما هو إلا صدمة قاسية لمن بلغ سنه الخمسين، يهم بتثبيت قرميدته قرب شقيقاتها ويضع قليلاً من الاسمنت بينهما، ثم يستدير ببطء ويقول: «القائد الخالد حافظ الأسد.. ههههه، قال إن المعلمين بناة حقيقيون، يا أخي هذا الرجل صادق، نعم نعم صادق، أنا معلم ألا ترى ما أفعل الآن، أنا أبني هذا الجدار، فأنا بناء حقيقي كما قال قائدنا الرمز، ابني هيك القادة اللي بيفهموا بيعرفوا المستقبل وشو بدو يصير بعد ما يموتوا كماااان».