د. خلود البارون/القبس
كثيرا ما يلوم الأهل أنفسهم عندما يكون أحد أبنائهم مفرط النشاط إلى درجة أنه يجعل الأسرة كلها تعيش جوا من الضغوط والتوتر، ويعتقدون أن سوء التربية سبب ذلك. لكن الأبحاث أثبتت أن فرط النشاط مرض يصيب جزءا من الدماغ، ويمكن علاجه مبكرا قبل أن تتفاقم أعراضه.يعتبر فرط النشاط ونقص الانتباه (المسمى ADHD) من الاضطرابات الأكثر شيوعا عند الأطفال والمراهقين، فهو يصيب ما بين 6 - %10 من طلبة المدرسة، لتظهر عليهم أعراض مثل النشاط والحركة المفرطة بشكل غير طبيعي مقارنة بأقرانهم. وقد شدد عدة خبراء على ان مصدر هذه الأعراض السلوكية والذهنية هو نتاج لوجود نقص في مواد الموصلات العصبية، وعليه من الخطأ ان يعتقد بأن يعد سلوك الطفل غير المسيطر عليه هو نتاج لسوء تربية او لمشكلة سلوكية. كان د. ستيل أول من بدأ بالعمل على توضيح هذا المرض في 1902، ليشير الى وجود حالات تتصف بمتلازمة الأعراض والسلوكيات، واعتبر أن سبب فرط النشاط هو خلل عضوي. لتتبعه أبحاث د. روز المطولة التي وصلت في عام 1976 إلى استنتاج واثبات أن سبب المرض فعلا كما اعتقد ستيل هو حدوث ضرر بسيط أو خلل بسيط في آلية بعض وظائف الدماغ.

أعراض مبكرة

هناك أعراض تظهر منذ الولادة، منها:

ــــ وجد ان المواليد المصابين يكونون سريعي الغضب وصعبا إرضاؤهم وقليلي الابتسام والضحك، وعادة ما تظهر هذه الأعراض في أول ثلاثة اشهر من العمر.

ــــ تكون لديهم حساسية مفرطة للمثيرات، فيقلقون بسبب الصوت، الضوء، الحرارة أو التغيرات البيئية الأخرى. وقد يحدث العكس أحيانا فيكون الرضيع هادئا ومنهكا وينام معظم الوقت. لكنه في الأغلب يكون نشيطا في المهد وقليل النوم ويبكي بكثرة.

ــــ يلحظ سرعة تطور قدراتهم مقارنة بالأطفال الطبيعيين، فعادة ما توجد فترة أشهر بين بدء السير والركض، بيد ان هؤلاء الأطفال عادة ما يركضون متى ما بدأوا بالسير.

ــــ غالبا ما ترافقهم اضطرابات في اللغة، كالتأخر في اللغة سواء مع أو من دون مشاكل في السمع. وغالبا ما يرافق ذلك مشاكل اللزمات والتأتأة أيضا.

تعقيدات شائعة

بالاضافة الى تميز الطفل المصاب بالحركة الزائدة وبالنشاط والطاقة المستمرة وملاحظة عدم قدرته على التركيز على امر ما لمدة طويلة، فغالبا ما يرافق هذه الحالة مشاكل تطورية أو نفسية مثل:

ــــ التأتأة واضطرابات لغوية.

ــــ ضعف التناسق الحركي.

ــــ اضطرابات نفسية (القلق، الاكتئاب، نوبات الغضب).

ــــ التأخر في التحدث أو تكوين اللغة.

ــــ اضطرابات النوم.

ــــ صعوبة في التعلم، والمتابعة.

التشخيص

لا يوجد فحص دم أو أشعة أو تخطيط يعتمد عليه في تشخيص هذه الحالة، بل يعتمد تأكيدها على التاريخ الإكلينيكي للأعراض. حيث يتم أخذ التاريخ الطبي والاجتماعي والتطوري للطفل والوالدين، بالإضافة إلى ظروف الولادة ومشاكل الحمل مثل الإصابة بداء السكر وارتفاع ضغط الدم وتناول السموم وغيرها.

ومن المهم الاستماع لوصف الوالدين لسلوك الطفل، مثل الشعور أنه لا يتعب وبه طاقة زائدة عن الطبيعي، اضطراب نومه ونقص تركيزه او سرحانه الكثير. ومن ثم يخضع الطفل لفحص حتى يقيم ذكاءه ودرجة تطوره.

ومن الخطأ ان يعتقد ان الحالة تصيب منخفضي الذكاء، حيث تظهر في جميع درجات الذكاء، لتؤثر على درجة تطور الطفل من جميع النواحي. فنقص الانتباه والتركيز يعيق القدرة على التعلم واكتساب المهارات. وقد يكون الطفل ذكيا جدا ولكن نتيجة لعدم تركيزه تقل ملاحظة ذكائه.

ليس للوالدين ذنب

من المهم عدم لوم الآباء والأمهات لأنفسهم عند اكتشاف حالة اصابة طفلهم، وعلى سلوكياته غير المسيطر عليها، فهي ليست نتاج لخلل في التربية. فغالبا ما يحيط بالوالدين الشعور بالحرج والفشل في التربية من جراء تصرفات الطفل اثناء تجمعات الأهل والأماكن العامة، لكنه شعور خاطئ فليس لأحد ذنب، فالحالة لها سبب عضوي، والدليل هو تصرف إخوانه بطريقة طبيعية.

الحالة لن تتحسن لوحدها

من الخطأ ان يعتقد الوالدان ان الحالة ستتحسن مع تقدم الطفل في العمر، فما يحدث ان الطفل ينضج ويتعلم كيفية السيطرة على حركاته وانفعالاته لإحساسه بالخجل والحياء الاجتماعي، بيد ان بعض السلوكيات تستمر معه مثل المغامرة والسرعة والتهور والعفوية، فيكون الأكثر تهورا وحبا في السرعة اثناء قيادة السيارة والأكثر خرقا لقوانين المرور في السرعة. فيما يستمر لدية نقص الانتباه والتركيز بما يؤثر على دراسته وعمله.

هل لا بد من تناول العقاقير؟

من المهم التنبيه بأن ليس الكل محتاج لتناول العقاقير، فهنالك من تكون حالتهم غير مؤثرة على حياتهم الاجتماعية أو الدراسية، أو يمكن للعلاج السلوكي من خلال التمرين والدعم الايجابي ان يتمكن من تهذيب سلوكهم والوصول بهم لدرجة مقبولة من التصرف.

أما لو سببت الحالة تدني أدائه الاجتماعي والدراسي فلا بد من العلاج العقاقيري. فهناك من تؤثر الحالة على نفسيتهم كثيرا، نتيجة لكونهم لا يتمكنون من تكوين الصداقات أو الحصول على الدرجات التي يستحقونها ومعاناتهم من كونهم غير الآخرين وسوء معاملة الأب له.

وقد تسبب الحالة فقدان الطفل لثقته بنفسه وكرهه للذات والاكتئاب والعنف ونوبات الغضب، وان يكون سهل الاستثارة والتوتر والقلق ومتقلب المشاعر، وهو ما يسبب اضطرابات نفسية يمكن علاجها من قبل أخصائي الطب النفسي.

العلاج العقاقيري

يضمن بدء العلاج المناسب منذ فترة الطفولة (سن الروضة والابتدائي) تفادي حدوث المضاعفات النفسية والدراسية.

وتتوافر حاليا مجموعة كبيرة من العقاقير، ومنها محفزات للجهاز العصبي المركزي منها مثايلفينيدوت Methylphenidote ومشتقات الامفيتمين Amphetamine وغيرها. وهي أدوية عليها رقابة دوائية صارمة، بالرغم من فائدتها وإمكانية استخدامها بدءا من عمر 3 سنوات واصغر. ولكن يخشى من سوء استعمالها، ولذا لا تصرف إلا لبعض الحالات فقط.

لكن توجد عقاقير آمنة وبديلة، تعمل على تحفيز ما دون الجهاز العصبي المركزي، ومن اشهرها الأتوموكسين. ويعرف بأن عقار الاتوموكسين يسهم في زيادة الموصلات العصبية وزيادة التنبيه، وله تأثير طويل الأمد.

وهذه الأدوية تسبب زيادة قدرة الطفل على التركيز والصبر والانتباه للدرس والسيطرة على السلوك. وللعلم، فالأبحاث تؤكد بان استعمال الأدوية يترتب عليه علاج ناجح لحوالى 73 - %77 من الحالات. وإن لم ينفع فيمكن استبداله بنوع آخر فتتوافر بدائل علاجية متعددة، بحيث اجزم بأنه يمكن علاج %90 من الحالات بنجاح.

نقاط مهمة في العلاج

يحسن الدواء المظاهر الرئيسية للحالة مثل السيطرة على الانفعالات وبعض السلوكيات، لكن لا بد من تمرين ودعم السلوكيات الايجابية للطفل حتى يتدرب على المهارات الحياتية السليمة. ومن أهمها الإنصات والتفكير قبل الإقدام على عمل أو قول أمر ما، والتفكير بالعواقب والصبر.

ــــ لا بد من تفصيل خطة العلاج المناسبة لكل حالة، فنوعية وخطة العلاج مختلفة لكل حالة، وذلك نتيجة لوجود 3 أنواع من الحالات، بالإضافة إلى ان لكل واحدة منها درجات أيضا.

ــــ حتى لو كان الطفل يرفض تناول الأدوية في البداية، فإنه مع تناول العقاقير سيشعر بان سلوكه يتحسن، وبان الآخرين يتقبلونه ويحبونه أكثر، بما يجعله يكون صداقات ويشعر بالاستقرار، وهو ما يحببه بالدواء وبالتالي لن يرفضه. فالطفل ذكي سيعرف بأن هذا الدواء مفيد له.


ــــ قد يعاني بعضهم من صعوبة التعلم نتيجة لنقص الانتباه وقلة التركيز. وهنا لا بد من إرشاد الآباء والمدرسين إلى أفضل طريقة لتدريس هذه الفئة. فهم يحتاجون للبيئة المثيرة، وللتعلم من خلال اللعب والنظر والإحساس بالأشياء.

ــــ ينصح باستخدام الوقت المستقطع في تأنيب الطفل، بدلا عن أي عقاب آخر. فإن قام بعمل خطأ من بعد تنبيهه، يتم وضعه لوحده في مكان أو غرفه كعقاب حتى يمكنه التفكير فيما فعله (فيتعلم الصبر والتفكير والاعتذار). كما يقلل فرصة انفعال الآباء ووصولهم لمرحلة الضرب.

هل يستمر في تناولها؟

تحتاج بعض الحالات إلى تناول العقاقير طول العمر، وذلك ليس أمرا غريبا، فبعض الأمراض مثل السكر واعتلالات الغدد تتطلب تناول العقاقير طوال العمر للسيطرة على المرض وتفادي مضاعفاته. وعادة ما يسمح للبعض بإيقاف الأدوية في فترة الإجازات، فيما ينصح بتناول الأدوية مثل الستراتيرا طوال الوقت. وكشأن تناول أي نوع من العقاقير لفترة طويلة، لا بد من المتابعة مع الطبيب والخضوع لتحاليل الدم للاطمئنان على وظيفة الكلى والكبد بخاصة

تأثير الحالة على الأسر

لا بد من إيضاح أن هذه الحالة تولد قلقا وتوترا كبيرين على الوالدين وإرهاقا نفسيا وعاطفيا وماليا أيضا، وهو ما يكثر من المشاكل الزوجية. فتكثر النزاعات والخلافات الأسرية نتيجة لعدم انصياع الطفل للأوامر، وندرة استمرار الطاعة وكثرة طلبه المساعدة. بالإضافة إلى حدوث اضطراب بين الزوجين، وعلاقة الآباء مع الأبناء وقلة كفاءة التربية وزيادة مستوى الهم والحزن، فقد تصاب الأمهات بالاكتئاب.

وهو ما يسبب تفاقم حالة الطفل الذي يشعر بالمشكلة والأسى، ويظهر ذلك في سلوكه المعارض والعنيف، لتتسم العلاقة بالامتعاض والاستياء والتنافر والخصومة والعناد فيما بين الوالدين والطفل، مما يزيد شعور الآباء بمشاعر سلبية لعلاقتهم بأبنائهم.

نظام ترفية الطفل وراحة الأسرة

لا يغفل هنا توضيح بأن لوجود حالة في الأسرة تأثيرا كبيرا على استقرار نفسية الوالدين والإخوة أيضا، بما يسبب حاجتهم الماسة لفترة راحة من دون وجود الطفل المصاب بين حين وآخر.

وعليه، فمن النصائح المفيدة إشراك الطفل في النوادي الرياضية حتى يستمتع ويفرغ طاقته، ولدور الرياضة في تعليمه مهارات اجتماعية والتحكم والصبر وتكوين الصداقة وتحسين ثقته في النفس.

أو ان يسمح له بالخروج مع شخص كبير في السن وموثوق به في العائلة (كالخالة أو العمة مثلا) حتى تقوم بالترفية عنه وتحفيزه وتشجيعه على المهارات الاجتماعية. وهو ما يمكن استعماله كطريقة لمكافأة التصرفات الجيدة للطفل، كما يتيح مجالا للأسرة حتى تقضي وقت راحة مع بعضها البعض من دون وجوده.

العلاج بالتغذية

حول ما تشير إليه بعض الأبحاث عن دور التغذية والحساسية الغذائية، فلم يتم إثبات نجاحها بشكل عام، حتى تقوم منظمات الصحة العالمية بتقبلها، وإصدار الإرشادات للأطباء.

ووفقها فان أكثر أنواع الأطعمة شيوعا التي ترتبط بالتحسس المسبب لزيادة النشاط، وانخفاض التركيز هي: فول الصويا والقمح ومنتجات الحليب والسكريات وغيرها.

وعندما يكون الوالدان رافضين للعلاج الدوائي للطفل، ويريدان تجربة العلاج بالنظام الغذائي والمكملات الغذائية، فيمكنهم ذلك، وبخاصة قبل وصول الطفل إلى سن المدرسة.

وقد لا يكون الأمر مجديا كعلاج، لكن تناول المكملات الغذائية مفيد لصحة الطفل عموما. ومن هذه المكملات: عقار النيوثيرا والدي أم جي، حيث يحتويان على نسبة عالية من الفيتامينات والأحماض الأساسية والدهنية.

لكن لا ينصح منع الطفل عن تناول نوع من الطعام، وبخاصة منتجات الحليب، فذلك قد يؤثر على نموه، لذا يجب تنظيم غذائه من قبل اختصاصي تغذية. لكن ان لم يشعر الوالدان بأي تحسن في سلوك الطفل بعد مرور أربعة اشهر، يفضل بدء علاجه بالأدوية حتى يتحسن، ويتأقلم مع الجو الدراسي.

الضرب له نتائج عكسية

من المهم التأكيد على ان القسوة والضرب لا يفيدان أبدا، بل لهما نتائج عكسية. فالطفل يشعر بأنه طبيعي ولا يفهم سبب ضربه أو ما ذنبه، فهو لا يسيطر أو لا يقصد القيام بتصرفاته. أما تأنيبه لكثرة الوقوع والإصابات، فهو نتاج لعدم سيطرته على حركاته واتزانه.

وأحيانا ينزعج الأب من الطفل فيضربه، وهنا يشعر الطفل بأنه يضرب على أفعال طبيعية ولم يخطئ، مما يولد لديه رد فعل عنيف وضرب الآخرين. وللتنبيه، فالعامل الوراثي يرفع من فرصة كون احد الوالدين مصابا. والمصابون بهذه الحالة سريعو الاستثارة والانزعاج ومفرطون في العنف، فحتى لا يحدث صدام بينهما يفضل ان يعالجوا بالعقاقير أيضا، وبما يعود على تحسين حياتهم كأسرة معا.

التأثير في الإخوة

قد تصبح العلاقة بين المصاب وإخوته مشدودة، فينمو الإخوة منهكين وساخطين من العيش مع أخ أو أخت يتسمون بالفوضوية، وكثرة الحركة والكلام والتسبب بالمشاكل، ولا يمكن السيطرة عليهم. ووجدت الدراسات أن الإخوة غالبا ما يشعرون بامتعاض من هذا العبء الكبير، وبأنهم ضحية للأعمال العدوانية من قبل المصابين من نتاج عنف جسدي أو لفظي أو التلاعب العاطفي. كما ان الآباء يتوقعون منهم ان يرعوا ويتحملوا الطفل المصاب بسبب حالته.

كما يأخذ الطفل المصاب كثيرا من وقت الوالدين ومن جهدهم وطاقتهم، مما لا يتيح لهم وقتا كافيا للعناية والعطاء والطاقة لأطفالهم الآخرين. وبما يجعل الإخوة يغارون منه ويشعرون أنهم في حاجة للفت انتباه آبائهم بتصرفات مشابهه لما يقوم به الطفل المصاب.



JoomShaper