إبراهيم كشت
رغم اختلاف المهتمين والدارسين حول ما يدخل في مفهوم العنف وما يخرج عنه، وما قد يعد عنفا وما لا يعد كذلك. أحسب أنه يمكننا القول إن العنف بمدلوله الواسع يشير إلى : كل أذى مقصود وغير محق، يوقعه إنسان على إنسان آخر، سواء وقع هذا الأذى على حياة الآخر، أو على سلامة جسده، أو حريته، أو كرامته، أو أملاكه، وسواء تم ذلك من خلال الفعل أو القول أو الكتابة أو الامتناع عن القيام بواجب، وبغض النظر عما إذا اتخذ شكلا فرديا أو جماعيا بالنسبة لمن يقوم به أو يقع عليه .
وضمن المفهوم المتقدم، ربما أمكننا أن نقول إن ثمة عنفا سياسيا وآخر اجتماعيا، حيث يدخل في نطاق العنف السياسي الأفعال التي تقع في الحروب، والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والإرهاب، وما إلى ذلك .
أما العنف الاجتماعي فيتضمن العنف الأسري، والعنف ضد الأطفال، والعنف الذي يقع على المرأة، والعنف في أثناء المشاجرات، إضافة إلى العنف الذي يقع من خلال الجرائم العادية بأشكالها المختلفة، كما في جرائم القتل والإيذاء والخطف والاغتصاب والذم والقدح والاعتداء على الممتلكات وغير ذلك .
ورغم تعدد العوامل المؤدية إلى العنف، إلا أن منطلقه الأساسي هو غريزة العدوان المتفاوتة في قوتها بين إنسان وآخر، وهي غريزة يتأثر أسلوب التعبير عنها بظروف متعددة منها الثقافة السائدة، فمثلما أن العدوان غريزة، فإن الشعور الاجتماعي والضمير والإحساس بالذنب كذلك مشاعر فطرية لدى الفرد، وبالتالي فإن العنف لا يصدر عن أحد غالبا إلا وقد رافقته أفكار ومشاعر يستند إليها لتبرير اعتدائه .
وللثقافة السلبية بالتأكيد دور في تشكيل تلك المبررات ودعمها، مثلما أن للثقافة الايجابية دورا في تعزيز عمل الضمير، وتهذيب وسائل التعبير عن العدوان، وبالتالي التقليل من العنف بأشكاله .
فالعنف يترافق عادة مع أفكار ومشاعر يتبناها من يقوم به في نظرته إلى الضحية، وأهمها تجريد تلك الضحية من قيمتها الإنسانية وتصويرها على أنها رمز للشر، أو إيهام الجاني لنفسه بأنه المجني عليه، وأن من يقع العنف عليه هو مصدر الأذى والتهديد .
ومن الثقافات التي تساعد على انتشار العنف، الاعتقاد بأن أفضل حل للمشكلات يكون من خلال الضرب والبطش والتخويف، ويمكنك أن تلمس وجود هذه الثقافة وتمكنها من خلال عبارات متكررة على ألسنة الناس بلفظها العامي، كالقول مثلا : (عالم بتخاف ما بتستحي)، (شعب ما بنفع معاه إلا هيك)، (أمه بدها دعس بالـ ..)، (ناس ما بتيجي إلا بهالاسلوب)، وسوى ذلك من الجمل التي تعبر عن أفكار ومشاعر وقيم تدور حول أن العنف هو الحل الأفضل دائما، وربما الحل الأوحد، وأن الآخر لا يتجاوب أو لا يستقيم إلا بهذه الوسيلة، إذ أن وسائل الحوار والتفاهم والتصالح والقانون غير مجدية ...! ومن الثقافات التي تعزز العنف كذلك، اعتبار الضرب والدخول في المشاجرات والصراخ وما إلى ذلك نمطا من الرجولة والشجاعة، ومبعثا للفخر، وكثيرا ما نلمس التفاخر بهذه السلوكات ظاهرا أو متواريا من خلال الأحاديث المتبادلة بين الناس . وربما كان تكرار ضرب الأطباء والممرضين مثلا، رغم كل الوسائل التي حاولت الحد منه، يشير إلى أنه سلوك بات مبعث فخر ودليل رجولة بين ما يمارسونه، وكذلك الحال بالنسبة لضرب المعلمين على أيدي الطلبة أو أهليهم .
وفي مجال العنف الأسري، فإن العنف الواقع على المرأة مثلا تعززه الثقافة القائمة على (التبخيس) والتقليل من شأن المرأة، والاعتقاد (الموهوم) بتفوق الذكر .
أما العنف الواقع على الأطفال فتدعمه الثقافة القائمة على الاقتناع بأن الضرب والشدة والشتم والتقريع أفضل وسائل التنشئة الصالحة، مع اختزال كل معاني التربية ومجالاتها وأبعادها بالعقوبات دون غيرها، ودعم ذلك بأقوال وأمثال وقصص، يرافقها الإصرار على فساد وسائل التربية الحديثة، والتحسر على أساليب الماضي التي كانت تقوم على القسوة والشدة والضرب، والادعاء بأن تلك الأساليب قد أنشأت جيلا عظيما ..! (كأنه جيل حقق التقدم والاختراع والإبداع ..!) .
لا زعم في كل ما تقدم أن الثقافة وحدها هي العامل الحاسم في نشأة العنف أو تعزيزه أو تفاقمه، أو في الحد منه، لكنها عامل مهم يجدر الانتباه إليه، ومراجعة دوره، فوسيلة التعبير عن العدوان الكامن جزء من ثقافة أي مجتمع .
موقع أمان