بيروت 2-3-2010 (ا ف ب) - بدأت تتسع اخيرا في عدد من المطاعم اللبنانية، ظاهرة ابتكار اطباق جديدة مشتقة من أطباق تقليدية، وهي ظاهرة تجتذب زبائن لبنانيين وسياحا، وخصوصا أنها تترافق مع تحديث لأساليب الخدمة وتقديم الأطباق، لكن بعض خبراء المطبخ اللبناني يفضلون احياء الأكلات التراثية المنسية، بدلا من اللجوء الى دمج بعض الاطباق بمواد تغير طعمها.
وقد جمع مطعم "سمسم"، الذي تأسس في العام 2008، العودة الى الأكلات القديمة، مع ابتكار الوصفات الجديدة، اذ تنقسم لائحة طعامه الى شقين: الشق التقليدي الذي يحيي أكلات منسية قديمة غير متداولة في المطاعم، كمجدرة الفاصولياء او الكبة الجزينية وسواهما، والشق الحديث الذي يضيف مواد الى وصفات اساسية، فيغير ألوانها ونكهاتها الاصلية، كالحمص الاخضر، المصنوع من الحمص بالطحينة التقليدي ممزوجا بالاعشاب، كالكزبرة والحبق والحمص الزهري الممزوج بالزعتر والسماق، اضافة الى انواع كثيرة من الرقاقات المصنوعة بالعثملية.
وتقول رئيسة مجلس ادارة مطاعم " سمسم"، الاخصائية في علم الغذاء والتغذية كريستين صفير، لوكالة فرانس برس "انطلقنا من اكلات اساسية في المطبخ اللبناني وحاولنا ان نطورها، والناس يحبون ما نقدم، ويعطوننا افكارا، فعندما اكون في المطعم امضي وقتي ادون وصفات، او افكار زبائن متحمسين لما نقدمه".

وتروي صفير "في قرية دوما (شمال لبنان) تعلمنا مثلا ان المعكرون، الذي يستخدم عادة كحلوى، يمكن أن يؤكل مسلوقا بالتوم، فطورنا الفكرة وبات لدينا الآن معكرون بالطماطم ومعكرون بالحبق".

وتضيف "اقترحت احدى السيدات علينا ان نحضر التبولة بالعدس بدلا من اضافة البرغل، واحدهم اقترح علينا ان نستعيض عن برغل التبولة بحبات الذرة كما يفعل اللبنانيون في المكسيك لعدم توافر البرغل".

وتقول صفير "تجرأنا على ان نغير في الاكل اللبناني التقليدي، فقبلنا لم يقدم احد على المس بالحمص او التبولة التقليديين. ولكن...لم لا نفعل؟ الجديد لا يلغي القديم. ثمة وقت لتذوق الاطباق التقليدية، ووقت اخر لتجربة امور جديدة".

وكان مطعم "كافيه بلان"، منذ انطلاقه في العام 2003، أحد أول المطاعم التي أدخلت التغيير الى الأطباق التقليدية للمطبخ اللبناني، فهو مثلا تبل طبق رأس العصفور بصلصة الصويا بدلا من الزيت والحامض.

ويقول صاحب المطعم جان بول رامي لوكالة فرانس برس أن تجربة "كافيه بلان" ساهمت "في بلورة المطبخ اللبناني الحديث، وفي تغيير النمط التقليدي الذي كان سائدا في المطاعم، سواء من ناحية الخدمة التي أصبحت في قالب حديث، أو من ناحية اسلوب تقديم الطعام أو حتى من حيث تطوير الطعام".

ويضيف "طورنا حتى شكل النارجيلة وطابعها، وصرنا نبيعها لمن يرغب".

ويكتفي مطعم "زهر الليمون" الذي يملكه رامي أيضا بتقديم الاكل اللبناني الصحي القائم على المشوي، فلا بطاطا مقلية فيه ولا كبة او رقاقات مقلية، ولكن تركيز على التتبيلات والنكهات المختلفة ومتنوعة للمشاوي، من لحم وكفتة ودجاج.

ويقول مسؤول في مطعم "بابل" اللبناني الذي اطلقته شركة "افكار" قبل خمسة اشهر، إن المطعم "يقدم الاكل اللبناني بمفهوم جديد من ناحية ديكور المكان، وتقديم الاكل ومزج المواد المختلفة". ويضيف: "يحتاج السوق الى تجديد من ناحية الاكل و ادخال النكهات الجديدة، والناس تواقون الى هذا التجديد".

ومن الاطباق الخاصة التي يتميز بها المطعم، "الموربة"، وهي طبق يضم 4 اقراص من الكبة، اثنتان منها محشوة باللحم والكرز، والاخريان محشوتان بالفليفلة والجوز ودبس الرمان. اما "المعجوقة" فهي كبة أيضا لكنها محشوة بالجبنة والفليفلة والفستق الحلبي والفطر، في حين أن "العنبية" طبق ورق عنب محشو بالفليفلة والرز والكاجو والفستق الحلبي، تقدم مع صلصة ترتكز على عنب الحصرم.

ويقدم المطعم اللحوم النيئة على طريقة السوشي اليابانية.

ويوضح المسؤول في "بابل" ان "المواد المستخدمة في اعداد الاطباق موجودة في الشرق وفي دول منطقة البحر الابيض المتوسط كلبنان وسوريا والاردن". ويضيف:" خلطنا هذه المواد بطريقة جديدة غير ممزوجة من قبل".

ويضيف ان هذه الاطباق "من الممكن ان تدخل ضمن عادات المطبخ اللبناني"، ملاحظا أن "ثمة اقبالا على الاطباق المبتكرة التي يتعاطى معها الزبائن بايجابية، ويسألون عن مكوناتها، والبعض يأتي لتذوقها لانه سمع عنها".

ويوضح :" لا حدود لشيء خصوصا في الاكل، ونرى المطبخ اللبناني من منظور مختلف".

غير ان "الشيف" رمزي شويري، مدير مدرسة "الكفاءات" الفندقية واحد اشهر خبراء المطبخ في لبنان والعالم العربي، ليس من مؤيدي "الابتكارات" التي يشهدها بعض المطاعم اللبنانية راهنا، اذ يدرجها في اطار "الدمج" فحسب.

ويوضح أن "هذه الظاهرة اثارت رهجة في استراليا التي لا تملك مطبخا خاصا بها، فاخذت من المطبخ الفيليبيني والماليزي والتايلاندي، لتعد اطباقا تتميز بها، لكني شخصيا لا أحبذ هذا التوجه في لبنان، لأني أفضل أن يكون الطعام اللبناني اصيلا، ومن الناحية المطبخية اعتبر ان الدمج امر غير مستحب لاننا نضيع هوية الوصفة".

ويتابع "في المطبخ اللبناني أكثر من الف وصفة لكن المعروف منها وصفات معدودة، وادعو الراغبين في التجديد الى أن يتعرفوا على الوصفات والأكلات اللبنانية القديمة المنسية، وأنا متأكد من أن الضيوف والزبائن سيحبونها. لسنا مضطرين الى ان نخترع وصفات غريبة عجيبة، فمطبخنا التراثي غني ويحتوي على كميات كافية من الوصفات تجعله جذابا".

ويقول شويري انه يشجع تلاميذه في "الكفاءات" على "الابتكار ولكن ضمن حدود، اذا تخطوها يدخلون في عالم الدمج الذي يخرب الكثير من الوصفات".

ويوضح "نطور التقنية المستخدمة في اعداد الأطباق، ونستعين بمعدات جديدة، ونشدد على طريقة التقديم، وسكب الطعام في الصحن كلوحة فنية".

ويضيف "من الممكن مثلا أن نسكب الصيادية بطريقة مختلفة عن السكب العادي، او ان نطبخها بتقنية حديثة نحافظ فيها على خواص السمكة بطريقة اصح ومختلفة عن الطريقة التقليدية، لكن ان نطبخ الصيادية بطريقة مختلفة ونضيف عليها مواد ونغير لها اسمها، فهذا تخريب للتراث المطبخي اللبناني".

JoomShaper