إباء أبو طه/يقظة فكر
لقد ترك الاستعمار العالم الإسلاميّ يغرق في مخلّفاته القوليّة والفعليّة، وهذا ما جعلت شعوبه تتقن فنَّ تجرّع كأس الانهزاميّة والتقاعس، وهذه مسألةٌ لا اختلاف عليها ولا تساؤلات، حول ما إذا كانت هذه المخلّفات ركيزةَ ما نحن عليه اليوم، أم أنّها قد فاضت من جوف أنفسٍ اعتادت على مواساة نفسها، بأنَّ الاستعمار هو سبب الحال والمآل.
هناك عبارةٌ تقول: “إنَّ من لا تاريخ له لا مستقبل له“، فإذا كانت عبارتنا هذه تسدُّ ثغورَ العجز في طاقات الأمّة الإسلاميّة بأنَّ تاريخها كان عظيمًا منذ عصور الإسلام، وبهذا فإنَّ مستقبلها سيكون هو الأعظم، تكونُ هنا الأمّةُ قد وقعت في فخاخ عبارةٍ نصبتها شباكٌ استعماريّة لتروّضَ النّفوسَ على الوقوف على موائد المتقاعسين، وتنسى كيف تعيد كتابة عبارتها مجددًا لتقول الحقيقة بأنَّ “من لا مستقبل له هو الذي لا تاريخ له“. إنَّ الحدود المصطنعةَ بين الدول العربيَّة والإسلاميَّة، والتي وضعتها أيدٍ سايكوسبيّة استعماريّة، ما هي إلا سياسة عنصريَّة منهجيَّة استراتيجيّة، وُضعت لتفسيخ الشعوب وتاريخها الأصيل، وللوصول بأنياب ليثها لتمزيق فكرةٍ تُوحّد الأُطرَ العربيَّة والإسلاميَّة في قالب مشروعي إصلاحي موحّد، فوجود هذه الحدود ما هي إلا سياسة كولونيالية ممنهجة تجعل من الشعوب الموحّدة غاية في أن تبقى المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة متأجّجة الصّراعات الفكريَّة والعقائديَّة والطائفيَّة من جهة، وصرف نظرها عن النّهوض بنفسها، والارتقاء من وضع استهلاك الانهزاميَّة إلى إنتاج شموليَّة رُؤىً وشموليّة انجازات، ترتقي تصاعديًّا للنهوض من وضع العجز إلى وضع صناعة الهمم والوصول للقمم.
إنَّ المُلاحِظ لوضع العالم الإسلامي في الوقت الرَّاهن، يجد بأنَّ المشروع الإسلامي الإصلاحي الارتقائي يثور تارةً ثم يغور، فإصلاحُ هذا المشروع لا يكونُ إلا بتعاضدِ القوى وأصحاب الفكر وأهل الإصلاح، ليتم إعادة بلورته ووضعه في قالب شموليَّة الرؤى وفرديَّة الإنجاز، والتّي تجعل كلَّ فرد رغم الحدود، أن يشارك كحلقةٍ في سلسلة بناءِ المشروع الإسلاميّ والذي يحتاج إلى جهودٍ متواترةٍ لإعادة بلورة الرؤى مع كل خطوة بناء.
“كن قائدًا على نفسك تكنْ قائدًا على الناس”، عبارةٌ قد استُخدمت في مجالس تناظرت فيها أفكار ذوي الألباب بادّعاءات هواة التقاعس فيما يتعلّقُ بانتظار قائدٍ ليُصلح مجتمعاتهم ويصلحهم، فلو تساءلنا على سبيل المثال: إلى متى سننتظر هذا القائد، وهل ستكون استراتيجيَّته الإصلاحيَّة تتناغم مع إيقاعات وتر مشروعنا؟!. لماذا لا نكون قوّادًا قائدين على أنفسنا، قوّادًا في مراكز أعمالنا، قوّادًا في أسرنا، قوّادًا في انتهال العلم والمعرفة وإشعاعها بين الناس؟!، فإن بقيت مطامعنا تكبُر بقرب أحلامنا من انتظار القائد، فإنَّ مستقبلنا سيدفنُنا بثراه، وسيأتي بقومٍ آخرين هم أهلٌ له وللعمل من أجله ومن أجل الارتقاء به.
فإن لم نساعد أنفُسنا لن تنفعنا مساعدةُ أحد، فلنشمِّر عن سواعدنا، ولنُعيد النَّظر في توسيع مداركنا، ولنخرج من القوقعة الاستعماريَّة التي رمتنا بين الأروقة الانهزاميَّة، لأنَّ حينها سنجد الاستعمار أمام تلك التحديّات، حلقةً صغيرةً مفرغةً أمام المشروع الإسلامي الضَّخم الذي قد بات له أناسٌ يعملون وأهلُ همةً يخطّطون، فإذا ما كانت إحاطتُنا للمشروع الإسلامي إحاطةً عميقةً سليمةً، تُرسَّخُ بها صنوف العلم الفكريّ والعمق العقائدي، وصيانة الصّورة النمطيَّة عن أنفسنا، فإنَّه سيكتب لهذا المشروع أهلُ قوّاد يقودون كل مشروع جديد، ويدوسون على كلّ ماضٍ غدا بنفوس الشعوب الإسلاميَّة عتيد.
الحلقاتُ المركّبة
- التفاصيل