د. عمار طالبي/يقظة فكر
حلَّت الذكرى السابعة والثلاثون لوفاة المفكر الجزائري مالك بن نبي، والعالم الإسلاميّ ما يزال يتخبَّط في مشاكله، وقد نادى ابن نبي بتغيير أحوال الأمة وحل مشكلتها الكبرى، أم المشكلات جميعًا، ألا وهي مشكلة الحضارة.
ومن وصاياه الأخيرة التي ودَّعَ بها هذا الجيل أنَّه: “ما لم نغير أنفسنا فإنَّ غيرنا سيغيّرنا” وأنَّ التَّغيير يبدأ بتغيير عالم أفكارنا ومناهجنا، لأنَّنا لا نعاني من فقرٍ في الإمكانات الماديَّة، بقدرِ ما نعاني من فقرٍ مُدقعٍ في الفكر، وفي العمل أيضًا، فمشكلاتنا ليست مجرَّد الإمكانات الماليَّة، وإنما الاستثمار الحقيقي هو استثمار الطاقة الاجتماعيَّة، طاقة الإنسان الذي هو قيمة القيم، وأساس الحركة في التاريخ، ولأنَّ الأفكار إما أن تُغيِّرَ أحوال الناس، وإمّا أن تُغيّر الأشياء، فأي عمل اجتماعي تاريخي فإنَّ عناصره التي تكون نسيجه، هي عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء، وعالم الأشخاص لا يستطيع أن يُغيّر عالم الأشياء بالصِّناعة، والتقنية، إلا إن أبدع عالم المناهج والأفكار العالميَّة، التي تمكّنه من توظيف الأشياء وصناعتها لسد حاجاته. وقد وجه انتباهنا إلى أمرين مهمين، وهما الإرادة الحضاريَّة والإمكان الحضاري، وأنَّه من المنطق العملي، أنَّ الإرادة الحضاريَّة لها الأولويَّة، وأنَّها هي التي تصنع الإمكان الحضاري، وأنَّ الإنسان والتراب والوقت إمكانات لا تتحوّل إلى قيم حضاريَّة، إلا بالإرادة الحضاريَّة، وهذه الإرادة لبّها وجوهرها هو هذه الجذوة الروحيَّة الدينيَّة، التي تحرك كوامن الإنسان وتضبط غرائزه، وتدفعه في طريق الحضارة، ومناهج صنعها وإبداعها.
أما هذا الإنسان الخامل المكبل بأمراض التاريخ، فأصبح على هامشه، فإنه لا يستطيع أن يعود إلى فتح طريق جديد في التاريخ، وصنع الثقافة، إلا إذا زلزل زلزالا شديدا، يفك قيوده، ويرسل طاقته الفكرية والاجتماعية، لأن غبار التاريخ وصدأ السلوك المتخلف، قد ران على نفسه، فاستكان إلى الجمود والخمود. ورانت عليه الأفكار الميتة، والأفكار القاتلة، وخاف أفكاره الأصلية المطبوعة والموضوعة، كما هو حال إنسان ما بعد الموحدين، وما بعد ابن خلدون، تلك الأوضاع الخامدة، هي التي يسميها مالك بن نبي بالقابلية للاستعمار، وأنت ترى اليوم كيف أن بعض العراقيين، استقبلوا الاستعمار بعدما دعوه ليغير أحوالهم إلى أسوأ الأحوال وأوضرها وأشدها تخلفا وانشقاقا ودمارا، ونرى نظما كثيرة تستند إلى هذا السبيل حماية لها من أمراضها وهوائها، كالجسم الواهن الذي لا حصانة له، فإنه قابل لأن تفتك به الجراثيم بمجرد وصولها إليه.
كان الاستعمار قديما يهاجمنا ويحاربنا ويحتل أرضنا بقوة السلاح، أما اليوم فأصبح يدعى ليقبل إلينا، ويحمي ديارنا، ويتصرف في شؤوننا، كالحارس الأمين، والملجأ الحصين.
يعاني مالك في حياته أشد المعاناة، وخبر الاستعمار وأذياله، وكافح من أجل الكشف عن غوائله، وصارعه رغم ما أصابه من محن، وما سلط عليه من تضييق ومتابعة، ومراقبة، وسجن، وما ارتكب في حق أسرته بسبب نشاطه ودفاعه عن مقومات أمته وهو يشاهد حركة الإصلاح التي يقودها رائد النهضة الجزائرية الشيخ عبد الحميد بن باديس ويرى فيها المنهج الصحيح لإصلاح الأمة كما كان يتابع ويشارك في الحركات الوطنية، وينتقد سلوكها لترشيده وإقامته على أساس سليم.
وكادت الظروف القاسية التي عاشها أن تؤدي به إلى الموت، وكان يتمنى الموت لثقل عبء رسالته، وشدة قساوة معاناته.
كانت الكنيسة حرمت قراءة كتابه “الظاهرة القرآنية” وكان ماسينيون يرى فيه خطرا على الاستعمار وأتباعه، فشدد عليه الخناق، وأخذت زبانيته تلاحقه في كل مكان، وتسد أمامه الأبواب، وهو لم يرضخ لهذه الضغوط، وحافظ على حرية قلمه واستقلال فكره.
منذ السنوات الأولى من الاستقلال، وهو يوجه وينبه ويصد عن الأمة سبل الإيديولوجية الماركسية التي كانت سائدة في أوساط معينة، وهي تحاربه وتعمل ضده، وضد ما يدعو إليه في مجال الفكر والسياسة والاقتصاد، يشير إلى المسؤولين بما يراه سدادا، ولا يخشى جبروت السلطان، وسلطوا عليه من يتعبه، وكان إنهاء مهمته في إدارة التعليم العالي أمرا مهينا له، ومحزنا ومؤلما، ضويق في مسكنه، لترحيله منه، وانتزعت منه سيارة كان يستعملها بطريقة غير رشيدة، فكان يركب الحافلة للوصول إلى مقاصده، ونزل مرتبه إلى أدنى درجة، ومنع من السفر إلى الحج، وأعيد من المطار لولا تدخل بعض الذين كانوا يدركون قيمته ويحترمون أعماله الفكرية، مثل آيت مسعودان رحمه الله، الذي أصر على أن يسافر، وأخر الطائرة المقلة له حتى يفرج عنه، ونجح في ذلك والحمد لله، ومالك بن نبي ناقد للسياسة والسياسيين، والذين يرون أنهم أهل دين، ولم يخش في ذلك لومة لائم، وكتابه الذي سماه “العفن” أكبر دليل على ذلك، ولكن نقده ليس ناشئا عن هوى، وإنما عن إدراك ما لم يدركه هؤلاء ولم يحسنوا التصرف فيه، سواء في المجال الوطني السياسي، أو في المجال الثقافي الدعوي.
إن أفكار مالك بن نبي ما تزال حية نابضة، ليت قومه يدركون مراميه ومقاصده، وعمق أفكاره في علم الاجتماع والسياسة الاقتصادية، وفي فلسفة التاريخ وأصول الحضارة والثقافة.
فعلى الشباب أن يقرأ له، وأن يتأمل أفكاره ومنهجه، فهو معين لا ينضب، وعالم من الأفكار متفرد، حر ناقد لم يعن بعلم الفكر والصراع الفكري أحد عنايته به،ولا غاص غوصه على خصائصه وشبكات علاقاته، ومنطقه رحم الله مالك بين المفكرين، وأعلى مقامه بين المجاهدين.
الذكرى السابعة والثلاثون لوفاة مالك بن نبي
- التفاصيل