أكد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة في تكملة تفسيره للجزء الأول من الآية 24 من السورة نفسها (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) أن النفوس عندما تكون فارغة من عقيدة توجهها يتجلى ضياع الفكر فيستحسن المرء ما ليس بالحسن.
وأشار سماحته الى ان أصحاب الحضارات في العالم المعاصر وقعوا في منحدرات بسبب ضياع العقيدة.
وأوضح أن للمسلمين ان يسبوا نساء الآخرين وهذا من المعاملة بالمثل..وإلى ما جاء في التفسير:
فهناك طريقة للنكاح بأكثر من رجل تسمى الضمادة وهناك ما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عندما أخبرت بأن المرأة كانت أحيانا تعاشر ما دون العشرة من الرجال فإذا حملت دعتهم وقالت قد علمتم ما كان منكم وتلحق الولد بمن تشاء منهم ولا يستطيع احد ان يأبى ذلك وكان كذلك الاستبضاع كما جاء في رواية عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا ان الرجل كان أحيانا يقول لامرأته - هذا مما يعاكس الفطرة فمن شأن الرجل ان يكون غيورا ومن شأن الرجل ان يأبى ان يشارك في شريكة حياته ولكن هكذا كانت حياة الجاهلية هكذا ضياع الحياة بضياع العقيدة عندما تكون النفوس فارغة من عقيدة توجهها وتبصرها يكون ضياع الفكر حتى يستحسن المرء ما ليس بالحسن - فكان الرجل يأمر امرأته ان تستبضع يقول لها استبضعي من فلان فيعتزلها الرجل وتذهب الى ذلك الرجل الذي يأمرها ان تستبضع منه فيما بين الحيضتين يدعها حتى تحيض ثم يأمرها بالاستبضاع ولا يقربها فإذا استبضعت من ذلك الرجل لا يقربها حتى تحمل فإذا تبين الحمل أتاها وذلك لأجل الحرص على نجابة الولد لأنهم كانوا ينظرون الى بعض الرجال انهم فحول متميزون فلذلك يريدون ان تستبضع نساؤهم منهم لتحمل منهم ليكون الولد نجيبا هكذا كانوا وهذا مما يدل كما قلت على الانحدار الذي وقع فيه الناس بسبب ضياع العقيدة. وهكذا أصحاب الحضارات في العالم المعاصر فهناك منحدرات هي مثل هذا المنحدر او أدنى منه يقعون فيه، أولئك ضاعت الحياة عندهم بسبب ضياع العقيدة فقد يتبادل الرجال النساء بحيث يأخذ كل واحد منهم امرأة الآخر.
والإسلام جاء بقطع دابر هذا الفساد ولذلك نصت الآية الكريمة على حرمة نكاح المحصنات.
(والمحصنات من النساء) المحصنات من جنس النساء أي متزوجات هن حرام بعد زواجهن اللهم الا ان تقع فرقة بطلاق أو وفاة الزوج وبعد العدة الشرعية يباح للمرأة ان تتزوج رجلا آخر ويباح للرجل الذي يريدها ان يتزوجها ان لم تكن محرما له ومعنى هذا ان ذات الزوج سواء كان زواجها بمسلم أو كان زواجها بغير مسلم لا يجوز للمسلم ان يتزوج بها فإن للزواج حرمات ولو كان الزوج غير مسلم كأن تكون كتابية تحت كتابي فلا يجوز للمسلم ان يقدم على الزواج بها لأن للزواج قدسية وكذلك لو كانت ايضا حربية او لو كانت مشركة وثنية وكانت تحت رجل من امثالها لا يجوز للمسلم ان يتلاعب بهذه العصمة التي بينهما بل هي محرمة عليه ولو كانت فارغة من الزواج بسبب انها مشركة وليست من أهل الكتاب، فقوله (والمحصنات من النساء) مما يشمل الزيجات بمختلف انواعها وانما استثني من ذلك ما ملكت ايمانكم.
(إلا ما ملكت ايمانكم) ومعنى ذلك ان يكون انشاء لملك اليمين بسبب وقوع هذه النساء سبايا في حرب مقدسة بين المسلمين وبين أعدائهم الكفرة فعندما تكون حرب مقدسة من اجل حماية الاسلام والذب عن حرماته وحماية بيضة الأمة الاسلامية فإن للمسلمين ان يسبوا نساء الآخرين وهذا من المعاملة بالمثل اذ لو لم يفعلوا ذلك وأيدي الآخرين مطلقة بحيث تسبى نساؤهم لكان في ذلك جرأة كبيرة من اعداء الاسلام على الأمة الاسلامية فلذلك ابيح للمسلمين ان يسبوا نساء الآخرين معاملة بالمثل والعربي قد كان ذا حمية يرى من الصعب عليه ان تسبى امرأته او تسبى امرأة تتصل بنسبه فقد كان ذلك من الأمر الصعب عليهم فلذلك كانت مشروعية هذا الحكم فيها تأديب لأولئك حتى لا يجرأوا هم على التطاول على المسلمين ولا ريب ان المرأة غير المسلمة عندما تقع سبية في ايدي المسلمين لا ريب ان هذه المرأة تنقطع علاقتها بزوجها اذ كيف تبقى العلاقة بينهما مع كون هذه المرأة انتقلت عنه ولا يستطيع ان يتوصل اليها ولا تستطيع هي ايضا ان تتوصل اليه من الصعب في هذه الحالة ان تبقى هذه المرأة هكذا وأباح الله سبحانه وتعالى بعد الاستبراء الشرعي ان توطأ هذه المرأة بملك اليمين ولو كانت في الأصل ذات زوج في حياتها الجاهلية أبيح وطؤها بملك اليمين وجاء في رواية ابي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه التي اخرجها احمد واصحاب السنن وابن ابي شيبة وعبدالرزاق والفريابي وعبد ابن حميد وابن جرير وغيرهم ان سبب نزول الآية الكريمة ان النبي صلى الله عليه وسلم بعد معركة هوازن وجه جيشا الى اوطاس وقعت سبايا في ايديهم فتحرجوا من وطئهن لأنهم يعرفون ازواجهن وهم من الكفرة فرجعوا الى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية الكريمة في اباحة غشيانهن ولكن مع ذلك قيدت هذه الإباحة بما قاله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة نفسها كما جاء في رواية الامام الربيع وفي رواية غيره من ائمة الحديث انه عليه افضل الصلاة والسلام قال (لا تطؤؤا الحوائل حتى يحضن ولا الحوامل حتى يرضعن) فالحوائل أي التي يأتيها الحيض حالا بعد حال لا توطأ حتى تحيض والحامل لا توطأ حتى تضع حملها وذلك من اجل المحافظة على الأنساب لئلا تختلط المياه فتضيع الأنساب بسبب اختلاطها.
وجمهور المفسرين حملوا الآية الكريمة على هذا المعنى هذا المروي عن ابي سعيد وعن ابن عباس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقال به جماعة كبيرة من التابعين واليه ذهب اكثر العلماء قالوا لأن العلاقة تصبح منقطعة وجمهور أهل العلم لم يفرقوا بين ان تسبى المرأة وحدها او ان يسبى معها زوجها قالوا لما صارت هي سبية وصارت ملكا للمسلمين فإن العلاقة بينهما تنقطع أي بينها وبين زوجها وهذا هو المشهور من مذهب مالك وذهب ابن عبدالحكم واشهب وبعض المالكية الآخرين ونسب ذلك الى مالك ان السبي ان كان شاملا لهما واستبقي الرجل بحيث لم يقتل فإن العلاقة الزوجية في هذه الحالة لا تكون منقطعة بينهما وهذا هو قول الثوري وابي حنيفة قالا به وقال به أصحابهم قالوا بأن العلاقة بهذه الحالة لا تكون منقطعة بين الزوجين لأنهما قد اجتمعا في السبي جميعا ولأن هذا الرجل ان استبقي فقد صار له عهد ومن عهده ان يحفظ ملكه ومما يعد ملكا له ما يملكه من عصمة هذه المرأة فلا تزول العصمة فيما بينه وبينها.
واستدل الجمهور لما ذهبوا اليه بأن الآية الكريمة نزلت كما في حديث ابي سعيد في غزوة اوطاس بغير استئصال ما بين حال من كان معها زوجها او من كانت وحدها بدون زوج مسبية ولكن الحنفية تعقبوا هذا بأن في غزوة اوطاس فر الرجال الى الجبال وسبيت النساء وبقيت هن السبايا في ايدي المسلمين ولم يتوصل الى سبي الرجال فلذلك يفرق ما بين هذا وذاك في الحكم.
والآية الكريمة تدل كما قلنا على ان المستثنى في هذا هو ان يكون ملك اليمين مُنشأ من جديد بما حصل من السبي أما لو حصل ملك اليمين بطريقة اخرى وكانت المرأة ذات زوج فإنه لا يملك مالكها ان يفرق بينها وبين زوجها، لو اشترى رجل امرأة وهي ذات زوج فإنه أقدم على ابتياعها من غير ان يدخل في البيع العصمة الزوجية التي بينها وبين زوجها، هذا هو قول الجمهور وروي عن طائفة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فقد روي عن عمر وعلي وعبدالرحمن بن عوف بل ذكر الفخر الرازي ان الإجماع العملي انعقد عليه من فقهاء الأمة بحيث يرون هكذا بأنه لا يفرق بين المرأة وزوجها بحصول ملك لرقبتها من قبل احد لم يكن مالكا لها من قبل سواء أهديت اليه او ابتاعها او ورثها او استحقها بأي وجه من وجوه الإرث فإن تلك العصمة ما بينها وبين زوجها تكون باقية بينهما.
وروي عن طائفة من الصحابة منهم جابر بن عبدالله وابن مسعود وابن عباس وانس بن مالك كذلك روي عن طائفة من غيرهم، روي عن سعيد بن المسيب والحسن البصري بأن المرأة من ملك رقبتها من قبل مالك لها غير المالك الأول بانتقال ملكها الى مالك جديد تنحلّ عصمة الزوجية بينها وبين زوجها استدلالا بما يدل عليه عموم الاستثناء في قوله (إلا ما ملكت أيمانكم) فقالوا بأن ملك اليمين يشمل ما اذا سُبيت فمُلكت او اشتُريت او وهبت او ورثت بأي وجه من هذه الوجوه فلذلك قالوا بأن كل ذلك يعد طلاقا لها من زوجها السابق وقد جاء في رواية ابن جرير عن ابن عباس (طلاق الأمَة ست) ولكنه ذكر خمسة انواع لم يذكر ستا مع قولهم (طلاق الأمة ست) ذكر بيعها وسبيها وإرثها وهبتها وعتقها، قال بكل ذلك عتقها طلاقها وبيعها طلاقها وارثها من قبل وارث يرثها من موروثه هي طالق لها وكذلك سبْيها طلاقها واضاف بعضهم الى ذلك بيع زوجها وبهذا تكمل الأنواع الستة التي اشار اليها ابن عباس رضي الله عنهما.
هؤلاء يقولون بأن المرأة ان انتقلت ملكيتها او أعتقت بكل واحد من هذه الاسباب تكون العصمة الزوجية بينها وبين زوجها ان كانت ذات زوج قد انحلّت وتنتقل بعد ذلك العصمة الى المالك الجديد فبعد ان يستبرئها له ان يطأها هكذا قالوا، ولكن رد على هذا بأن لو كان الامر كذلك لما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة بين ان تبقى مع زوجها في عصمته وقد أعتقت وبين ان تخرج من عصمته فإن التخيير لا معنى له في هذه الحالة لو كانت العصمة تنحل بنفس البيع أو بنفس العتق، لا تبقى العصمة بينهما، فلا معنى للتخيير وحديث تخيير بريرة بين بقائها مع زوجها مغيث او خروجها عن عصمته حديث مشهور وهو دليل على خلاف ما ذهب اليه هؤلاء وقالوا بأن هذا الحديث يقيّد الإطلاق الذي في قوله سبحانه وتعالى (إلا ما ملكت ايمانكم) فليس هذا من حمل اللفظ على خصوص السبب وانما هذا من باب الاستدلال بالقرائن على هذه الخصوصية فإذن (ما ملكت ايمانكم) انما هو ملك مُنْشأ من جديد وليس انتقالا من يمين سابقة الى يمين لاحقة من ملك يمين سابقة الى ملك يمين لاحقة،لا، وانما هو إنشاء لملك جديد طارئ لم يكن من قبل وذلك بسبيها .
(إلا ما ملكت ايمانكم) هذا كما قلنا هو قول الجمهور، ويقول ابو السعود في تفسيره بأن الاستثناء هنا يحتمل معنيين وباختلاف القولين يحمل كل قول منهما على معنى من هذين المعنيين لأنه يمكن ان يراد به شمول النفي او ان يراد به نفي الشمول، من الممكن ان يراد به شمول النفي (إلا ما ملكت ايمانكم) أي ما ملكت أيمانكم ليس حكمهن كذلك الحكم المتقدم بحيث يكون النفي شاملا لكل وجه من وجوه ملك اليمين عن الدخول في الحكم السابق وهو حكم التحريم او نفي الشمول بأن يكون المعنى ولكن ما ملكت أيمانكم لا يشملهن جميعا هذا الحكم فهناك صورة تستثنى من بين بقية الصور لها حكم آخر لا تندرج فيما تقدم من الحكم المذكور وهو حكم التحريم.
ومن العلماء من قال بأن (المحصنات) في الآية الكريمة العفائف (والمحصنات من النساء) أي العفائف من النساء الا ما ملكت ايمانكم بحيث ملكت ايمانكم عصمة نكاحهن بإلاباحة لكم شرعا وذلك بأن تزوجتموهن بطريقة شرعية من أوليائهن بمهر وبإذن ولي وبشهادة شاهدين، قالوا هذا هو معنى الاستثناء، وهذا القول روي عن عمر رضي الله تعالى عنه وقال به عبيدة السلماني وابو العالية وغيرهما من علماء التابعين ومنهم من قال بأن المراد بالمحصنات بمعنى الحرائر وبمعنى العفائف ايضا أي لا يحل لكم وطؤهن إلا بما ملكت ايمانكم بنفس ما ذكر، بنفس الطريقة المتقدمة وهي طريقة الزواج الشرعي.
واستدرك القطب رضي الله تعالى عنه على هذا الاتجاه بأن هذا يحصر تحريم الزنا في العفائف وفي الحرائر مع ان غير العفيفة وغير الحرة لا يباح الزنا بها ولو حمل لفظ المحصنات على هذا المحمل لأدى الى حصر منع الزنا في هذا الصنف من النساء ولا معنى لذلك



JoomShaper