حديث القلم
د. مسعود بن بشير المحمدي*
يعود إلى بيته غالب أيام الأسبوع قبيل العصر بعد يوم وظيفي احتشدت فيه الأعمال الوظيفية، يدخل بيته مبتدءا بالسلام والسؤال عن أحوال أبنائه الدراسية والمعيشية ثم يمضي سريعا إلى مكتبه ليفتح جهاز التلفاز ويطالع أخبار أمته العربية والإسلامية عبر كوكبة من القنوات وكلما أراد أحد بنيه أن يدخل مكتبه ليتحفه بأخباره المدرسية، أقفل الوالد تلفازه تخوفا على ابنه أن يرى مجازر واحترابا تطارد صوره مخيلة كل ذي لب ورشاد. دخل الطفل مسرعا وقال يا أبي عندي أسئلة لا أجد لها أجوبة، قال الوالد بحنو يا بني هات ما عندك، فقال الطفل يا أبتي لماذا يقتتلون لماذا هذا الاحتراب، انزعج الوالد وقال بتلطف يا بني هذه أمور لا تعنيك دعها ولا تلتفت لها إنها من أمور الكبار، قال الابن لكن أريد جواب.
لم يعلم الوالد أن ابنه كان يسترق النظر في كل مرة دخل فيها مكتب والده وليس هو فحسب بل زملاؤه يتناجون في المدرسة بتحاليل لما يشاهدونه في بيوتهم عبر قنوات فضائية مختلفة في طرحها ومعالجتها لقضايا الأمة، قال الوالد هات أسئلتك فانهال الطفل في ذكر إشكالات وفي طيات ما سرده أجوبة اعترت الوالد دهشة من إلمام علم الابن بما يجري من فتن في الأمة وبسوء فهم الابن في تحليل الأحداث فانبرى الوالد في إنشاء محاضرة اختلط فيها علم العقيدة والسياسة والتاريخ والاقتصاد وعلم الاجتماع فأمطر الطفل بما لا قبل له به من زخم زاد القضية في ذهن الطفل تعقيدا.
أحبتي القراء إننا نتداول كثيرا عبارة «صار العالم قرية واحدة» ولا أرغب التعريج على مدلولات هذه الجملة لكن يجب أن نتذكر أبناءنا الذين كنا نحصنهم من كل دعوى إلى منكر غير أنه نزلت بأمتنا فتن كقطع الليل المظلم احتراب واقتتال فلا يفتح أحدنا تلفازه ليطالع الأخبار إلا ومناظر الدماء المسفوكة والأشلاء تباغت عينيه ويملأ سمعه صيحات استغاثة وأنات مصابين هذا وأبناؤنا يعيشون في كثير من الأحيان صدى ما شاهدوه معنا وسمعوه مما نقلته شاشات التلفزة إنهم أطفال يحبون أن يحيوا في أمن نفسي لا تكدره أحزان ستبقى في مخيلة كل واحد منهم تلوح له في منامه وتتراءى له كلما أحب أن يحلق في سماء أحلام الطفولة وستكون تلك الفتن التي شاهدوها محفورة في عقولهم ربما تأثر في تكوين ملامح سلوكياتهم.
فحقيق بنا أن نصرف أبناءنا ما استطعنا عن مشاهدة نشرات الأخبار ويتحتم علينا بث التفاؤل في نفوسهم وغرس الثقة أن ما شاهدوه غمة تمر بها الأمة وسيجعل الله لأمة حبيبه وخليله محمد صلى الله عليه وسلم مخرجا وفرجا مما نزل بها من ضراء كما ينبغي أن نبصر أبناءنا بما أنعم الله به علينا من نعمة الأمن والرخاء والاجتماع والتراحم في وطن يشع بالأمن والسلم والسلام على العالم كله.
* المشرف العام على الدعوة والإرشاد في المدينة المنورة
أبناؤنا ونشرات الأخبار
- التفاصيل