عبدالله فراج الشريف
إن في الحياة ترياقًا مجرّبًا، ما استخدمه أحد إلاّ وأضفى على حياته حيوية تجعله ينهض بها ويعمل لسعادته، ذاك هو التفاؤل، الذي عبر عنه الرواة عن سيد الخلق المصطفى سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان يعجبه الفأل الحسن التي فسرها بأبي هو وأمي بأنها الكلمة الحسنة، يسمعها أحدنا فتدفعه إلى السير في الحياة، لا يمنعه شيء من الإحسان فيها في كل ما يأتيه من قول أو عمل، وجعل الفأل الحسن من إحسان الظن بالله، فقد روى لنا -عليه الصلاة والسلام- عن ربه أنه يقول: (أنا عند ظن عبدي بي)، وكره التشاؤم، ونهى عنه فقال: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر)، وقد جاء عنه أنه سئل عن الطيرة فقال: (أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلاّ أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله).
فالطبع البشري قد يغلب عليه التشاؤم من كلمة يسمعها، أو وقوع حدث عند خروجه لقضاء حاجة له فيجد في نفسه كراهية لذلك، ولكن دواء ذلك أن يذهب تشاؤمه بالتوكل على الله، فهو الدواء الناجع لصرف النفس عن مثل هذا، ولن يستطيع شيء أن يضره ما لم يكن سبق به قدر إليه، وهو إن حاول ألا يصيبه هذا كان رادًا القدر بالقدر، ولن يقع له إلا ما قدره الله له، لهذا كان التفاؤل ولا يزال المفتاح الذي تستقيم به الحياة، فيقبل عليها الإنسان موفور النشاط، سعيدًا بكل خطوة يتخذها لتحسين حياته وتطويرها، فالمتفائل دومًا منشرح الصدر، مقبل على الحياة، يبحث عن ما يسعده ويتجنب ما يشقيه، لأنه آمن بأن الحياة إنما يصنعها بفكره ويده، وهو إن أحسن التصرف فيها ناله أكبر قدر من السعادة فيها، وأنت تجد المتفائلين دومًا هم المتقدمون في الحياة، الذين جنوا أجمل ثمارها، وتجد حتمًا المتشائمين الذين لم يحققوا فيها شيئًا لأنفسهم، ولأننا في عصر أصبح الناس فيه يبحثون عن السهل الذي لا يكلفهم عملًا انتشرت ألوان من الشعوذة تزيد حياة الناس شقاء، فبعض الصحف تنشر أبوابًا تحت عنوان حظك هذا اليوم تُصاغ فيه عبارات متفائلة مرة، وأخرى متشائمة، وتربطها بتواريخ ميلاد كل قارئ، ليجد كل ما يظن أنه حظه، وهو وهم لا حقيقة له، وكم من قارئ لهذا الحظ أوحي له بشر يقع فامتلأت نفسه حزنًا، وانصرف عن العمل الجاد في الحياة، خاصة إن كان ممّن لقي في حياته ألوانًا من الشقاء، وأكثر النساء مولعات بالأبراج، ومعهن بعض الرجال يقرأون الحظوظ تحت الأبراج، في الجرائد والمجلات فتغدر بهم، وتصبغ حياتهم في كثير من الأحيان بالأحزان، وهذه القنوات الفضائية التلفازية تنشر من هذا ألوانًا، ويتصل بها رجال ونساء، شباب وكهول يسألون عن الأبراج والحظوظ، وقد كان الذي يحترف الشعوذة في الماضي كاهنًا أو مشتغلًا بالنجوم، أو عرّافًا وعرافة اشتهر بضرب الودع وكشف المستور كما يزعمون، وآثار هذا له بواقٍ في بعض مجتمعاتنا المسلمة وللأسف، وكلها شر خطره على الناس عظيم، مثل خطر المتطببين وليس لهم علم بالطب، والذين تجدهم في مدننا وقرانا يعرضون على الناس الشفاء من كل الأمراض، بعشبة تغلى أو دهن يدعك به البدن، أو ماء يضاف إليه شيء ولو كان ريق المعالج، أو رقية يدعي أنها تشفي على الشرط، وهكذا ينتشر في بعض مجتمعاتنا الكثير من هذا الزيف، وتدمر نفسيات الكثيرين من وراء جريهم خلف الأوهام، التي هي في تزايد مستمر في هذا الزمان، وحتمًا أخي القارئ لا يصنع الحياة السعيدة إلاّ عمل دؤوب ترتجي به الخير، وتدفع به عن نفسك الشر، فأغرق نفسك في العمل من أجل حياة أفضل، وأحسن الظن بربك تنل من رحمته ما يعينك على الوصول إلى ما ترغب من خير لك ولأهلك، ومن ثم لوطنك وناسك من حولك، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه فيما يرويه عن ربه: (أنا عند حسن ظن عبدي بي، وأنا معه، إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليّ ذراعًا، تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)، فلنعمل فكل منا ميسر لما خُلق له، وبالعمل تتحقق الآمال، فهل نعي هذا؟ هو ما أرجوه، والله ولي التوفيق.
التفاؤل منهج للحياة مستقيم
- التفاصيل