بسام المسلماني/لها أون لاين
الدين فطرة إنسانية أصيلة، وليس مرحلة في حياة الأمم أو في حياة البشر، بل هو كيان عضوي في تركيب الإنسان، متصل بعقله وروحه وحياته لا سبيل إلى انفصاله أو انتزاعه... "لذلك فإن القائلين بأن الدين ليس مصدرا من مصادر التوجيه ينكرون الفطرة، ويتجاهلون شطرا كبيرا من طبائع الأشياء والنفوس."(1)
وإذا كانت هذه هي مكانة الدين في نفوس البشر بشكل عام، فإن مكانته في المنطقة العربية والإسلامية أكبر بكثير؛ نظرا للدور المحوري الذي قام ويقوم به الدين على مستوى الجغرافيا والتاريخ والثقافة والاجتماع والسياسية والاقتصاد، فهذه المنطقة الجغرافية هي مهد الديانات السماوية، ومنها انطلقت للعالم، وقد شهد تاريخها العديد من الصراعات والحروب عبر العصور والأزمنة المتعاقبة دفاعا عن العقيدة، وتأسست دول وممالك وحضارات على ضوء العقيدة، حتى أصبح الدين يشكل وجدان وثقافة وروح هذه الشعوب، لذلك فإذا كان بإمكاننا استبعاد دور الدين من أي مجتمع من المجتمعات الأخرى في مناطق العالم المختلفة
– على سبيل الفرض وليس الحقيقة- فلا يمكننا بأي حال إغفال دور الدين في حياة شعوب المنطقة، وهذه القاعدة تشمل الديانات السماوية الثلاث (اليهودية، والنصرانية والإسلام) لذلك تظل العقيدة محورا رئيسا يشكل صورة المسرح السياسي والاجتماعي والجغرافي والاقتصادي لشعوب هذه المنطقة من العالم.
والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، فيمكننا أن نعدد الكثير من الدول التي نشأت على أسس عقائدية كباكستان وإسرائيل، ويمكننا أن نعدد عشرات الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة، وكان المحرك لها هي عوامل مذهبية وعقدية.
وإذا كانت هذه القاعدة تنطبق على شعوب المنطقة من أبناء الديانات السماوية الثلاث، فإن تطابقها على المسلمين آكد وأقوى؛ نظرا لأن شرائع الديانات الأخرى لا تحتوي على نظرة كلية للكون والحياة والإنسان مثلما هو موجود في الإسلام، هذا بالإضافة إلى التحريف الذي ابتليت به اليهودية والنصرانية؛ مما أدى إلى ابتعادهما عن النهج الرباني في التعامل مع الطبيعة البشرية، بينما الإسلام قد تكفل الله بحفظه؛ لذلك فهو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومن ثم فإن حرص أتباعه على الالتزام بتعاليمه واتباع أوامره هو أكثر من أي عقيدة أخرى.
"فما من دين استطاع أن يوحي إلى المتدينين به شعورا بالعزة أو الكرامة كالشعور الذي يخامر المسلم من غير تكلف ولا اصطناع، ذلك لأن الإسلام ليس دينا تعبديا وفقط، ولكنه أسلوب حياة تصطبغ به معيشة المسلم ظاهرا وباطنا.. وما من دين استطاع أن يقدم للمؤمنين به سكينة النفس وطمأنينة القلب ويحجب عنه الانحراف والاضطراب والتمزق ، مثلما الإسلام"(2).
نسوق هذه القاعدة التي غابت عن الكثيرين من أبناء جلدتنا؛ لنفسر لهم لماذا فشلت العديد من النظم والتيارات والمشاريع الغير دينية في أن تحقق أي تقدم أو نهضة في مجتمعاتنا، على الرغم من ادعائها أنها تملك كل مقومات النهوض، وعدم مراعاة هذه الحقيقة في أي مشروع لنهضة الأمة سيكون مصيره إلى الفشل ويلحق بالمشاريع والتجارب التي عانت منها الأمة منذ بدأت حركة التغريب في مجتمعاتنا من بدايات القرن التاسع عشر.
نذكر بهذه الحقيقة المهمة والأمة العربية والإسلامية تمر بمرحلة فاصلة من تاريخها، وهي تتطلع إلى مستقبل مشرق بعد أن تحررت من نظم ديكتاتورية جثمت على صدورها لعقود، حتى تكون المنطلقات صحيحة وحتى تتجنب أخطاء الماضي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)انظر كتاب "أحاديث إلى الشباب" للأستاذ أنور الجندي.
(2) المرجع السابق.
العقيدة الإسلامية .. قاعدة الانطلاق للمستقبل
- التفاصيل