منى العوبثاني/لها أون لاين
منذ زمن النبي محمد – صلى الله عليه و سلم – كان المسلمون يسافرون إلى الصين باعتبارها أحد أكثر الدول حضارة و تقدما في ذلك الوقت . و قد دخل الإسلام الصين خلال فترة خلافة عثمان بن عفان – رضي الله عنه- بعد انتصاره على البيزنطيين و الروم و الفرس حيث أرسل  وفدا إلى الصين بقيادة الصحابي سعد بن أبي وقاص في عام 29 للهجرة (650م) أي بعد ثمانية عشر سنة من وفاة النبي صلى الله عليه و سلم لدعوة الامبراطور الصيني إلى الإسلام.
وحتى قبل هذا الحدث  كان التجار العرب  في عهد النبي – صلى الله عليه و سلم – سببا في دخول الإسلام الصين على الرغم من أن جهودهم في نشر الإسلام لم تكن منظمة بل مجرد امتدادا لرحلاتهم في تجارة الحرير عبر البر و البحر. و على الرغم  من وجود سجلات قليلة متفرقة  لهذا الحدث العظيم في التاريخ العربي و واحدة قصيرة في التاريخ الصيني ( سجل قديم من سلالة "تانغ" يصف هذه الزيارة بالتاريخية)   فإن هذا الحدث يعتبر بالنسبة للمسلمين الصينيين ولادة للإسلام في الصين حيث أمر الإمبراطور يونغ وي ببناء أول مسجد في الصين للتعبير عن إعجابه بالمسلمين و لا يزال هذا المسجد الجميل في مدينة كانتون  قائما إلى اليوم بعد مرور أربعة عشر قرنا.
و أنشئت أول مقاطعة للمسلمين في تلك المدينة الساحلية. و قد أرسل الأمويون و العباسيون ستة وفود إلى الصين  تلقت  كلها ترحيبا حارا من قبل الصينيين.
و في نهاية المطاف بدأ المسلمون الذين هاجروا إلى الصين في عمل تأثير اقتصادي كبير على البلاد حيث  سيطروا على تجارة الاستيراد والتصدير منذ فترة سلالة سونغ (960 - 1279 م ) حيث كان  دائما ما يحمل منصب المدير العام للنقل البحري شخص مسلم . وفي ظل عهد أسرة مينغ (1368 - 1644 م)  و الذي يعتبر العصر الذهبي للإسلام في الصين ، اندمج المسلمون بشكل كامل في مجتمع قبيلة " هان ".
ومن الأمثلة المثيرة للاهتمام حول اندماج الإسلام و الصين هو عملية تغير الأسماء حيث إن كثيرا من المسلمين الذين تزوجوا نساء من قبيلة هان غيروا  أسماءهم لأسماء زوجاتهم الصينيات بينما اتخذ آخرون الألقاب الصينية  مثل "مو" و " مي"  المشابهة لأسمائهم الإسلامية مثل محمد ومصطفى ومسعود فيما لم يجد آخرون  ألقابا صينية تشبه أسماءهم فقاموا بأخذ أكثر حرف صيني مقارب لأسمائهم و اعتمدوه اسما لهم مثل "ها " لحسن و " هو" لحسين و " ساي " لسعيد و هلم جرا.
و بالإضافة إلى الأسماء فإن الشعائر الإسلامية المتعلقة  باللباس و الأكل تأثرت أيضا بالثقافة الصينية مع الحفاظ على الاحتشام في اللباس و الابتعاد عن الأطعمة المحرومة. بدأ المسلمون يتحدثون بلهجة " هان" و يقرؤون  باللغة الصينية. وفي عهد "مينغ " كان لا يمكن تمييز المسلمين عن غيرهم من الصينيين إلا عن طريق شعائرهم الدينية المميزة. و بالإضافة إلى النجاحات الاقتصادية التي حققها المسلمون خلال هذه الفترة فقد كان معروفا عنهم العدل و احترام القانون و الالتزام الذاتي.
على مر السنين قام المسلمون ببناء المساجد ومدارس يزورها طالبوا العلم من مناطق بعيدة مثل روسيا والهند. ويذكر أن في الفترة عام 1790  كان هناك حوالي 30,000 طالبا في الدراسات الإسلامية و أصبحت مدينة  بخارى - مسقط رأس الإمام البخاري  -  و التي أصبحت تسمى فيما بعد " منارة الإسلام" جزءا من بلاد الصين.
ظهور سلاسة " تشينغ" ( في الفترة بين عام 1611 إلى 1911م) غير مجريات الأحداث حيث كانت هذه السلاسة أقلية في الصين و لكن قامت بتطبيق قاعدة – فرق تسد- لجعل المسلمين و قبائل الهان و التبتيين و المنغوليين في صراع دائم  و كانوا يحرصون على التحريض  بشكل خاص على المشاعر المعادية للمسلمين في جميع أنحاء الصين ، واستخدام جنود "هان" لقمع المناطق الإسلامية في البلاد. وعندما سقطت الأسرة الحاكمة المانشو في عام 1911 ، تأسست جمهورية الصين بواسطة سون يات سين ، الذي أعلن على الفور أن هذا البلد ينتمي بنفس القدر إلى قبائل"هان"  و"هوي المسلمة" و "المانشو" و "المغول"  و "التبت" وأدت سياساته إلى تحسين العلاقات بين هذه المجموعات.
منذ قيام جمهورية الصين الشعبية في عام 1949 ، حدثت اضطرابات هائلة في جميع أنحاء الصين وبلغت ذروتها خلال الثورة الثقافية حيث عانى المسلمون جنبا إلى جنب مع جميع السكان الصينيين. و لكن بعد المؤتمر الثالث للجنة المركزية الحادية عشر قامت  الحكومة بتغيير سياستها تجاه الإسلام والمسلمين و منحهم حريتهم. و منذ إعلان الحرية الدينية في عام 1978 اهتم المسلمون الصينيون بالتعبير عن معتقداتهم بحرية تحت القيادة الصينية الحالية .
و في الواقع ، يبدو أن الإسلام يمر بفترة انتعاش في الصين حيث يذكر أن عدد المصلين قد زاد عما كان عليه قبل الثورة الثقافية كما بدأت تظهر صحوة دينية لدى الشباب المسلم .


ووفقا لمنشور نشر عام 1998 فإن هناك 32749 مسجدا في جمهورية الصين الشعبية  و 23000 في مقاطعة شينجيانغ حيث أن هناك ازديادا في المظاهر التي تعبر عن الإسلام في الصين و تقوم العديد من الجمعيات الإسلامية بتنسيق الأنشطة بين الطوائف العرقية من المسلمين. ويمكن الاطلاع على الأدب الإسلامي بسهولة في الصين كما يتوافر حاليا نحو ثمانية ترجمات مختلفة للقرآن الكريم باللغة الصينية و لغة "  الإيغور" وغيرها من اللغات التركية.
في المناطق ذات الغالبية المسلمة  يحظر تربية الخنازير من قبل غير المسلمين مراعاة للمعتقدات الإسلامية. كما يسمح للمسلمين ببناء مقابرهم الخاصة . و يمكن للعمال المسلمين  أخذ إجازة خلال فترة الاحتفالات الدينية الكبرى و  تم منح مسلمي الصين تصريحا بإمكانية أداء الحج. كما أن المسلمين في الصين لهم دور نشط في السياسة الداخلية للبلاد.
الإسلام لا يزال حيا بالنسبة للمسلمين في الصين الذين تمكنوا من ممارسة شعائرهم الدينية ، أحيانا تحت ضغوط كبيرة، منذ القرن السابع الميلادي.

JoomShaper