الشبكة العربية العالمية / حنان الطيبي
قد يختلف المفهوم الحقيقي للصداقة من شخص لآخر أو من مجتمع إلى آخر، حسب مقوماته التربوية والاجتماعية والفكرية، إلا أنها تصب في قالب واحد يفيد أن علاقة الصداقة هي علاقة جدلية تدور مقوماتها حول مبادئ الاحترام والتقدير والاستمرارية، وعليه...
فمنهم من يصنف هذه العلاقة تحت لافتة الخاص والحميمي، ومنهم من يرى أن الصديق هو بمثابة صندوق الائتمان حيث يودع فيه ليس أمانات المال فقط بل وأمانات الأسرار أيضا، ومنهم من لا يعتقد البتة بوجود هذا النوع من العلاقات ممن لدغهم جحرالصداقة في زمن طغت فيه أولوية المصلحة الخاصة وحب الذات واختلطت فيه المشاعر المزيفة بالصادقة، وتراجعت فيه القيم الإنسانية والمبادئ الحسنة وطغى فيه النفاق واستكبر وأكل كل ما هو جميل من حب ووفاء وإخلاص كما تأكل النار الهشيم، فجعل كل يضع على وجهه قناعا من التودد والتملق تطبعه ماركة مسجلة (ابتسامة صفراء) إلى حين قضاء حاجة في نفس يعقوب، ومن تم يخلع القناع ليكشف (يعقوب) عن أنيابه المفترسة ويدوس على الأخضر واليابس لإرضاء نزعته النرجسية.
وبالاستماع إلى نبض الشارع وآرائه حول هذه العلاقة التي أصبحت تصنف تحت السهل الممتنع، يخيل إليك أننا نعيش في أدغال يحكمها قانون الغاب، وأن علاقة الصداقة قد أضحت عملة أثرية قديمة جدا لا تصلح إلا للفرجة عليها أو تصنيفها بين ديكور المنزل، وفي نفس الوقت، وبالحديث عنها، قد تتراءى لك أنها بمثابة العملة الصعبة التي قلت وندرت واستحال التعامل بها.
سلمى ذات العشرين سنة، تحكي عن مفهوم الصداقة قائلة: ( لقد ربطت عدة علاقات صداقة مع بنات جنسي، وللأسف لم تنجح علاقتي معهن، في الوقت الذي نجحت فيه نسبيا بيني وبين الذكور، فالرجل لا يغار من المرأة، بل ربما يغار عليها، فكم من فتاة كانت صديقتي وتظهر لي الحب والنصح وهو عكس ما في نواياها الخسيسة، فعلاقة الصداقة الحقيقية بتنا نفتقدها في عصرنا هذا، عصر الماديات وتفضيل حب المصلحة الخاصة على العامة).
أما نادية فتاة في عقدها الثالث، فتفصح عما في خاطرها مؤكدة أن من يعتقدون في الصداقة هم من السذج والأغبياء، وهي التي تحكي عن قصتها مع صديقتها الحميمة التي تقاسمت معها مدة عشر سنوات من الحلو والمر، تقول نادية في سردها للحكاية: (كنت أعتبر صديقتي عزيزة ليست صديقة فقط، بل هي إبنة الجيران وزميلتي ورفيقتي بالدراسة، وهي بمثابة أختي التي لم تلدها لي أمي، فقد قضينا طفولتينا سويا، ولعبنا في الحي كثيرا، ولما بلغنا أشدينا تقاسمنا أسرار المراهقة والحب و الحكي عن مغامرات العالم الخارجي...وكان أن تزوجت وهو ما تعذر على صديقتي، وبعد ست سنوات من زواجي حدث أن تأثرت علاقتي بزوجي بشئ من الفتور، ثم بعض المشاكل الزوجية الروتينية والتي تحولت في ما بعد إلى مناقشات ومشادات وعراكات، وكنت أفتح قلبي لصديقة العمر أحكي لها مشاكلي مع زوجي بأدق التفاصيل، بل كثيرا ما كنت أحكي لها حتى عن طريقة معاشرته ومضاجعته لي في الفراش في الوقت الذي أحكي لزوجي أيضا عن قدها الممشوق ومفاتنها الجذابة التي بالرغم من ذلك لم تخول لها فرصة الحصول على زوج...وحدث أنه في يوم حار من أيام شهر غشت وقع بيني وبين زوجي عراكا أفضى إلى ضربي وكسر يدي اليمنى وإحداث بعض الرضوض، ثم الطلاق آخر المطاف...وبعد أقل من سنة زفت صديقتي إلى طليقي عروسا ضاربة عرض الحائط صداقتنا..).
وحتى بالنسبة لرشيد العامل بإحدى المؤسسات العمومية، فيستشهد حول رأيه في علاقة الصداقة بقول أحد الشعراء القائلين: (ما أكثر الإخوان حين تعدهم..ولكنهم في النائبات قليل)، وهو من لازمه المرض لأكثر من سنة وكان في ضائقة مالية، وطلب من أصدقائه مساعدته وقرضه بعض المال ولا حياة لمن تنادي، وهو ما جعل رشيد يحسم بأن الصديق وقت الضيق، وأنه لا صديق إلا (الصحة والسلامة والمال)، على حد قوله، فعدا ذلك لا يمكن الاعتماد على أي شخص مهما كان تودده وتقربه.
الصداقة، هذه الكلمة السحرية التي تحمل بين طياتها كل معاني الحب والثقة والتضحية والدعم بجميع أنواعه، هل نراها غائبة عنا اليوم أم أننا نحن من أتلفها ودمرها بسوء فهمنا لمفهومها، او أننا ما زلنا لم نرق بعد إلى مستوى الأصدقاء...هي أسئلة كثيرة يلقيها العديد ممن اختمرت في حصيلتهم تجارب أكثرها كان فاشلا بسبب تسليم مفاتيح أسرارهم لأصدقاء أعداء ما إن تسنح لهم الفرصة حتى يقدمون ما لديهم من طعنات في قلب قد تجعله ينزف لكن لن تقتله بقدر ما تزيده صلابة وقوة وتصقل خبرته الحياتية ليصبح محنكا في إسقاط الأقنعة عن الوجوه الشاحبة والمنافقة.
الشبكة العربية العالمية
الصداقة؛ تلك العملة الصعبة والنادرة...!!
- التفاصيل