بقلم - عبدالله موسى الكندي
سنحت لي الفرصة مؤخرا لزيارة واحد من أجمل بلدان العالم.. إنه سويسرا.. ذلك البلد الساحر الخلاب حيث الطبيعة الرائعة..والبحيرات الزرقاء..وقمم الجبال المغطاة بالثلوج.. لا يمكن للشخص إلا أن ينبهر من روعة الطبيعة واللسان لا ينقطع عن التسبيح كلما مرت العين على شلال متدفق أو واد مكتس بالخضرة ولا يمكن للصدر إلا أن ينشرح إذا ما مرت نسمة هواء عليلة من هضابها المزدانة بحلل أشجار الخريف.. في الحقيقة كلمة "جميل" قليلة على هذا البلد.. وإذا كان هذا نعيم في الدنيا فكيف بنعيم الجنة؟ إذا رأت العين مناظر بهذا الإبداع الإلهي فكيف بدار فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. ومعروف عن سويسرا أنها بلد غني جدا إذ يصل فيه معدل دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 67,384 دولارا أمريكيا كما أن مدنها الشهيرة زيوريخ وجنيف احتلتا متتاليتين المركزين الثاني والثالث في ترتيب أعلى مستوى للحياة في مدن العالم للعام 2009م. بالإضافة إلى ذلك فإنها من أكثر الدول استثمارا للتقنية ويعتبر نظام المواصلات لديها الأكثر كثافة في العالم، لذلك فالزائر لن يتعب كثيرا في التنقل نظرا لوفرة أنظمة مواصلات مختلفة كالقطارات والحافلات واليخوت.

والشعب السويسري حقيقة أنيق جدا. زرت قبلها عدة بلدان ولم أر الاهتمام المبالغ في الأناقة والزينة وكنت أظن أن كثافة صالونات التجميل في الأحياء السكنية وغير السكنية هو أمر مقتصر ببلدان الخليج لكن الزائر لسويسرا سيفاجأ من أعداد صالونات التجميل لديهم.

وقد يتصور الإنسان أن بيئة كهذه بالضرورة تؤدي إلى إنسان سوي يعيش حياة طبيعية.. لكن هل هو كذلك؟

في رحلتي هذه سؤال واحد فجر التساؤلات.. سؤال واحد أدى بي إلى البحث عن الإنسان في هذا البلد.. سؤال بريء جدا وقد يبدو في بادئ الأمر ساذجا ولا دخل له من قريب أو بعيد فيم سنتناوله في المقال. فأثناء تجوالي في أسواق البلد كنت أبحث عن محلات لبيع ملابس الأطفال.. وقد تعبت كثيرا وأنا أبحث.. مر بجانبي رجل رأيته أكبر مني في العمر وخطر ببالي "أكيد أن هذا الرجل الراشد سيعرف محلا لبيع ملابس الأطفال". وبعد سؤالي بدأ ينظر للأعلى ثم يمنة ويسرة بعدها أطرق برأسه (وكأني سألته ما هو الجذر التربيعي للعدد 23956) ثم رد قائلا "محل لبيع ملابس الأطفال! آسف لا أعرف!"

وتنبهت بعدها أنه لا يوجد عربات أطفال في الشارع.. لا يوجد أب وأم يمشيان في الأسواق ومعهما أطفال أو طفل! إلا في حالات جدا نادرة.. أكرر "جدا نادرة".. ومن المواقف التي مرت بي أني كنت جالسا في أحد المقاهي ثم مر رجل مسن يدفع عربة مزركشة باللون الوردي.. ومن بعيد بدا واضحا أن من بداخل العربة أيضا يرتدي اللون الوردي، فقلت في نفسي "وأخيرا طفل.. محظوظ هذا الحفيد الذي يأخذه جده لنزهة في هذا الجو الجميل". وما أن اقترب الرجل المسن حتى تأكدت أن من بالعربة كانت كلبة!! إذن، أين الأطفال في هذا البلد؟

إن الأمم لا تقوم فقط على الماديات والتقنية والإنجازات العلمية ولكن أيضا على العنصر البشري. ويفترض أن يكون هناك كيان مجتمعي مستديم يضمن بقاء الأمة. وإذا تأملنا المشهد من بعد فإننا سنرى أن الأزمة أزمة فكر وفساد معتقد وغياب الإيمان والوازع القيمي ما جعل الغرب لا يكترثون ببناء كيان أسري طبيعي في مجتمعاتهم. لقد طغت الأنانية وحب الذات و"تحقيق الذات" و "تعزيز الثقة بالذات".. الذات.. الذات.. الذات.. ربما أنستهم الذات التفكير في أن ينشئوا أسرا ويعيشون حياة طبيعية بذريعة أن "لا أريد ما يعكر علي صفو حياتي وتحقيق طموحاتي زواج وأطفال وصياح" خصوصا وأن بدائل الزواج متوفرة والعلاقات المحرمة بمختلف أشكالها الشاذة تكاد تكون هي الأصل!

والشيء الآخر مرتبط أيضا بالذات.. إنه هذه المرة "تدليل الذات" والاستمتاع بالحياة الدنيا والمبالغة في ذلك والإسراف فيه كما لو أن الدنيا هي الجنة.. إن الإنسان الذي يبالغ في الاهتمام في مظهره قد يكون أنيقا بالفعل لكن ربما المبالغة في الأناقة ستمنع المرأة من الحمل والرجل من أن يتلطخ حذاؤه بالطين ليلعب مع ابنه..

تشير الإحصاءات العالمية أنه لكي تستبدل أمة بأخرى، يجب أن تكون نسب المواليد 2.1% سنويًا، وذلك أن أسرة مكونة من رجل وامرأة يجب أن تستبدل باثنين آخرين حتى يتم الحفاظ على النسل، أما الـ 0.1% المتبقية فمن أجل الحوادث والوفيات المبكرة للأطفال وغيرها من الحوادث. وإذا نظرنا إلى الإحصاءات فإننا سنجد أن نسبة نمو المواليد في سويسرا هي 0.22% أي في حدود 9 أطفال لكل ألف! وهذه طبعا نسبة لا تكفي لاستبدال السكان الحاليين بآخرين..

كما أن أعداد المنازل التي تحوي "فردا واحدا" هي في ازدياد مستمر وتقدر حاليا بنسبة تفوق 35% بالاضافة إلى ذلك فإن حالات الزواج في تناقص وحالات الطلاق في ازدياد كما يشير المكتب الفيدرالي للشؤون الخارجية السويسري. إن هذه الأرقام تبرز لنا ترهل المجتمع السويسري واحتمالية أن تتحول الأمة السويسرية إلى طائفة من الشيوخ والمسنين.

بالفعل حققت دول أوروبا سوابق علمية وفكرية لكن عقولهم اليوم أمام تحد بديهي لم يتمكنوا من علاجه إنهم اليوم أمام أزمة مصير..

لذا علينا أن ننتبه لنمط الحياة الذي نختار.. فلا بديل عن العلاقة الشرعية التي تصونها المؤسسة الزوجية.. لا يمكن أن تعوض العلاقات المحرمة "الصداقات المسماة بالبريئة" العلاقة في كنف الزوجية.. ووجب علينا أن نعي التغير في المجتمع.. لننتبه على أنفسنا من الاستسلام والانقياد الأعمى لأسلوب حياة يهتم أولا بتحقيق الذات وثانيا بتدليل الذات.. فتقدير الذات لا يعني أن نضرب بالقيم عرض الحائط بل العكس، فالمحافظة على القيم هو جزء من تقدير الذات.. كما أن تغليب كفة الذات وبدون الضوابط القيمية قد يعني إعدام المجتمع..

مجموعة نحو الأفق www.4ufuq.com

JoomShaper