د. مأمون فريز جرار
بدأ الأستاذ فتح الله كولن كتابه : النور الخالد ، محمد مفخرة الإنسانية بتمهيد جعل عنوانه النبي المرسل رحمة للعالمين ، تناول فيه مرحلة البعثة النبوية وما سبقها من إرهاصات ت وعلامات ومبشرات .
الفقرة الأولى من التمهيد عنوانها : الفجر المرتقب ، وترقب الفجر يعني سيادة الظلام ، وذلك ما كانت عليه حال البشرية قبيل البعثة النبوية ، وكان قدوم هذا الفجر متوقعا ، فهو النبي الخاتم ، الذي بشر به من سبقه من الأنبياء، ويرى الأستاذ فتح الله كولن أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من أكبر نعم الله تعالى على البشرية حين بعث رسولا من الناس يتلو عليهم آيات الله تعالى ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ومن اللمسات اللطيفة في هذه الفقرة حديث الأستاذ فتح الله عن الأعياد التي يحتفل بها المسلمون وهي عيد الفطر وعيد الأضحى ويشير إلى أن هناك عيدا آخر هو عيد للإنسانية بل لعالم الوجود ذلك هو يوم ميلاد النبي عليه وآله الصلاة والسلام .
ويتحدث في فقرة أخرى تحت عنوان : عهد مظلم يرصد فيه ملامح الجاهلية التي كانت تسود الأرض ومن مظاهرها ما سماه البصيرة العمياء التي عميت عن الله تعالى وتوحيده واتخذت مع الله آلهة أخرى ، ومن مظاهر تلك الجاهلية وأد الفتيات وإهانة المرأة ، ولم يكن تدني منزلة المرأة خاصا بالعرب بل شاركهم في ذلك الروم والفرس .
ويشير إلى ما ساد في الناس من قيم متناقضة متغيرة بدلت الفضائل رذائل وانتشر مع الشرك الزنا والانحلال الخلقي وشرب الخمر والقمار والاحتكار والنهب والسلب مما جعل البشرية بحاجة إلى من ينقذها مما تردت فيه من ضلال.
ويحدثنا الأستاذ فتح الله عن الإعداد الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم في مراحل طفولته وشبابه ، ومن أبرز صفاته التي عرف بها : الصدق ، فما كان له أن يصدق في علاقته مع الناس ويخرج عن الصدق في شأن رسالته ، وقد كان من آثار الرعاية الإلهية للرسول صلى الله عليه وسلم فقدانه للراعي البشري عبر مراحل حياته ، فهو فقد أباه ثم أمه ثم جده عبد المطلب ، وتقرأ في مراحل حياته ما لخصته سورة الضحى ( ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى ) ويختم الأستاذ فتح الله هذه الفقرة بهذا المقطع الوجداني “ وأنا كلما قرأت هذه السورة خطر على بالي أن أعرض يتمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره شفيعا لنا مع أنني فقدت والدي منذ سنوات فأقول له : يا رسول الله ها انا ذا يتيم واقف على عتبة بابك فلا تطردني عن بابك ولا تحرمني من شفاعتك “.
ويخصص الأستاذ فتح الله فقرة تتحدث عن علامات النبوة التي ظهرت لمن حوله بدءا من رحلته إلى الشام مع عمه أبي طالب وما كان من شأنه مع الراهب بحيرى ،ورحلته الثانية في تجارة للسيدة خديجة رضي الله عنها ، ولقائه مع راهب آخر اسمه نسطورا .
والرسول محمد صلى الله عليه وسلم سبقت ظهور نوره بشارات مهدت له وجعلته منتظرا ومن ذلك أنه دعوة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو بشارة السيد المسيح عليه السلام ، ويورد الأستاذ فتح الله ما ورد من بشارات في التوراة تحدثت عن مكان ظهوره وكونه من نسل إسماعيل عليه السلام ، وذكرت صفاته ، وتحدث كذلك عن بشارات الإنجيل به عليه الصلاة والسلام.
لقد كانت البعثة النبوية فجرا طال انتظاره ، ويورد نماذج من المنتظرين له ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل ، وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام شاهد بني إسرائيل ، وأضيف إليهم وافد الفرس سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه .
ويقف الأستاذ فتح الله ليسأل سؤالا مهما هو : ما دامت هناك بشارات وعلامات تدل على البعثة النبوية وكان هناك منتظرون له فلماذا عانده وكفر به من كان يتوقع أن يكونوا من المؤمنين به؟ ويلخص تلك الأسباب بالغيرة والحسد من أهل الكتاب ، وشعور المنافسة من بعض أهل مكة ، ويختم الأستاذ فتح الله هذا التمهيد ببيان علاقة البشرية اليوم بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وجهلها به وبمقامه ومنزلته ودوره في إنقاذها مما هي فيه من التردي .
إن للرسول صلى الله عليه وسلم منزلة عالية في قلب فتح الله كولن يعبر عنها بوسائل شتى ويسعى إلى نقل هذه المنزلة إلى قلوب قراء كتابه ليكون عليه الصلاة والسلام كما يجب أن يكون الأسوة في كل أمر حاضرا في القلوب والحياة قدوة في كل شأن ، ولكي يتحقق ذلك لا بد أن نتوجه إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن مستثيرون لاستعداداتنا القلبية ولطائفنا الروحية كلها لنستطيع الترقي إلى إدراك مقامه ومنزلته وإدراك ملامح شخصيته.