د. محمد جويلي
تطرح مسألة القدوة نفسها بإلحاح وخصوصا عندما ترتبط بالمسألة الأخلاقية. والعلاقة بين القدوة والأخلاق قديمة قدم الاجتماع البشري. فالقدوة هي شكل من الروابط الاجتماعية يتفق حولها البشر ويختلفون وتساهم في بلورة سلوكهم وبناء تصوراتهم حول وجودهم.القدوة إذا موضوع خلافي وفضاء للصراع. فمن له القدوة له السلطة المادية منها والرمزية.القدوة تحتاج إلى أخلاق تعطيها شرعية وتفرضها على البشر. والأخلاق في حاجة ماسة إلى قدوة حتى يعيش الناس أخلاقهم تجربة اجتماعية يستطيع من خلالها الإنسان تحقيق تفاعله مع الآخرين. الأسئلة التي يمكن طرحها عديدة في هذا الشأن ومن أهمها: عن أية قدوة نتحدث؟ هل القدوة معطى ثابت أم أنها متغيرة بتغير أحوال البشر وعمرانهم. هل نحن أمام أشكال من القدوة جديدة؟ وكيف تؤثر القدوة على ضبط سلوك الأفراد؟
عند ابن منظور تعني القدوة أصل البناء الذي يتشعب منه تصريف البناء والقدوة عنده الأسوة. والقدوة لما يقتدى به «1» في القدوة إذا هناك علاقة تبعية بموجبها يجد المقتدي شرعية لسلوكه وتصوراته. في هذه الحالة هناك مركز وطرف وهي علاقة في اتجاه واحد. يصبح المقتدى به مرجعا ومصدرا لما يحمله من قوة معنوية ذات تأثير. ولكن الأشكال الجديدة للقدوة أصبحت تبنى في اتجاهين فالمقتدي يؤثر في المقتدى به أيضا ويساهم في إعادة تشكيله وهو ما سنراه لاحقا. 1- القدوة عند ابن خلدون: القدوة ضرورة للعمران البشري
يعدّ ابن خلدون من الذين تناولوا مسألة القدوة في مقدمته «2» فهو يربط القدوة بالفائدة التي تحصل منها في أحوال الدّين والدّنيا. يعتبر ابن خلدون أن في القدوة ابتعادا عن المزلات. الحاجة إلى القدوة الحسنة حاجة اجتماعية ودينية. ولا يصلح حال العمران البشري إلا بصلاح القدوة. أما فساد القدوة أو غيابها فهي مؤذنة بخراب العمران. ويربط ابن خلدون بين انهيار الدول وانهيار القدوة فيها عندما تزيغ عن التفكير في أحوال الناس ومعاشهم. القدوة عنده هؤلاء الملوك الذين يؤسسون الدول اعتمادا على العصبية وعلى الأخلاق الدينية. عندما تضعف العصبية والأخلاق الدينية تفقد القدوة مبرّر وجودها وتكف عن أن تكون مرجعا ومصرا للسلوك الجيد. في هذه الحالة يجد الناس أنفسهم في حاجة لقدوة جديدة تعطي معنى لسلوكهم ولوجودهم.
يهتم ابن خلدون بالقدوة كعلاقة سلطة رمزية بين الغالب والمغلوب «3» ويؤكد حتمية الإقتداء التي تجعل المغلوب دائم التأثر بالغالب في نحلته ومعاشه وسائر أحواله وعوائده. ويبدأ بالعلاقة الممكنة بين الأب وأبيه عندما يتخذ الابن أباه مرجعا في السلوك لما يوجد من انبهار من الأبناء بآبائهم. يرى ابن خلدون أن الأب يمكن أن يكون قدوة وهنا إشارة واضحة لدور الأب في تمكين أولاده من أسباب التصرف السليم إن أمكن له تسريب عوائد سليمة لأبنائه. الأب هنا مرجع يقتدي به الأبناء وهو ما يسمى في علم الاجتماع الحديث بالتنشئة الاجتماعية.المغلوب عند ابن خلدون يصنع صورة للغالب تكون مفعمة بالكمال. هذا الكمال عندما يسيطر على أذهان الناس رغبة وطموحا يجعلهم حريصي التشبث بمن هو أعلى منهم درجة وأقدرهم على التصرف.
تصبح القدوة عند ابن خلدون علاقة تبادل غير متكافئة بين قوي وضعيف أي بين من تعتبر طريقته في العيش أكثر قيمة من الآخرين وبين من يعتبر نفسه في حالة تراجع أو عجز عن التصرف بمفرده.
تكون القدوة في هذا المعنى صورة عن ضعف دولة أو حضارة وصورة عن قوّة دولة وحضارة أيضا. الإقتداء بالغالب هو مؤشر تقيس به الدول والحضارات درجة قوّتها ودرجة تأثيرها في محيطها القريب والبعيد «4» انهيار الدولة عند ابن خلدون هو دخولها في علاقة تبعية مع الآخر وهو عجزها عن أن تكون في مرحلة من تاريخها هي القدوة للآخرين. الصراع بين الدول هو أيضا صراع حول امتلاك أسباب القدوة. تدار الصراعات بين الدول عسكريا وتدار أيضا بفرض نماذج للقدوة وهنا يتخذ الصراع شكلا ثقافيا وحضاريا وهو في اعتقادنا أحد أهم عناصر الصراع الآن بين الثقافات والمجتمعات.
2 – العائلة، القدوة والتنشئة الاجتماعية
تعدّ القدوة بمعناها السلبي والإيجابي أحد ركائز التنشئة الاجتماعية. والتنشئة الاجتماعية هي تلك المحدّدات السلوكية والذهنية التي تجعل منا عناصر نتفاعل مع محيطنا البشري والمادي. تقوم المجتمعات على مسطرة من السلوك تتم وراثتها عبر الأجيال ويقع تلقينها وتعويد الأفراد عليها ودفعهم للالتزام بها عبر مؤسسات اجتماعية مختلفة.تدخل العائلة كأحد أهم مصادر التنشئة الاجتماعية وأحد أهم مصادر القدوة. يكون الأب قدوة مثلما هو الشأن للأم. هؤلاء عبر تلقين أبنائهم طرق التفكير والسلوك يكونان مرجعا وقدوة لأبنائهم. السلطة المعنوية والمادية والعاطفية التي يملكها الأبوان تجعل الطفل في مرحلة أولى من نموّه الذهني والعاطفي شديد التعلق بهما. وتنشأ بين الوالدين والأبناء مسالك يتم من خلالها تسريب طرق تفكير وسلوك يكون بمقتضاها الأبناء في حالة تقبل تترجم إلى تقليد الأبناء لأوليائهم في أغلب مظاهر التصرف اليومي. تكون شبكة علاقات الأبناء في هذه المرحلة ضيقة فلا يجد الأبوان منافسا لهما في مسألة القدوة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هل تزال العائلة مصدرا وحيدا للتنشئة الاجتماعية لأطفالها؟ وبالتالي هل تزال العائلة هي القدوة الوحيدة لأبنائها في المراحل الأولى للتنشئة الاجتماعية؟
تجعلنا هذه الأسئلة متجهين إلى البحث عن دور العائلة الآن وعن التحولات التي طرأت عليها في الوقت الراهن.
نتجه بشكل واضح الآن من العائلة الموسعة إلى العائلة النواة ونتجه أيضا من عائلة منفتحة على محيطها العام إلى عائلة منشغلة أكثر فأكثر بمشاكلها ومتطلباتها المختلفة. نحن أمام عائلة مهمومة بذاتها منغلقة أكثر حول نفسها. تحدّياتها متعدّدة ورهاناتها مختلفة وزمنيتها مصاغة بشكل جديد.
لا تجد مثل هذه العائلة الوقت الكافي ولا المجهود الضروري لتعطي أبناءها القدوة اللازمة. الانشغالات اليومية كبيرة ومتعدّدة تضطر بمقتضاها العائلة إلى التساهل مع المصادر الأخرى للقدوة ومنها أساسا وسائل الإعلام التي تقدم منتوجا يمكن أن يقود الأبناء إلى تبني سلوكات جديدة. عندما تدفع العائلة بأفرادها وخصوصا من الأطفال إلى فرجة تلفزية متواصلة فإنها بذلك تتنازل عن دورها في التنشئة الاجتماعية وتبقيه لوسائل الإعلام والاتصال التي لها مفهومها الخاص للقدوة بل هي صانعة مهمة للقدوة بمضامين جديدة ومختلفة.
عندما تصبح التلفزة والوسائط الأخرى للاتصال مصادر مهمة للمعرفة وللمعلومات فأن ذلك دليل على تراجع دور الأب كقدوة لأبنائه. لا يعني ذلك غياب الأب كقدوة ولكن فاعلين جدد بدأوا يشاركونه المهمة.
تعتمد وسائل الاتصال المختلفة على صناعة القدوة ممثلة في نجوم الفن والرياضة وغيرها. مستعينة بالصورة أخذت القدوة مضمونا جديدا فهي قدوة تحمل في داخلها نرجسية الصورة وإبهارها ثم أنها قدوة لا تبقى كثيرا في أذهان من يتبعها لأن وسائل الاتصال هذه تستفيد من تنويع القدوة وتجديدها.
تصبح القدوة سلعة مرتبطة بقوانين العرض والطلب في عمقها مرتكزة على اقتصاد السوق وعلى قيم الاستهلاك. يمكننا في هذا الشأن أن نذكر العديد من النجوم التي تشكل لأطفالنا ولشبابنا قدوة سلوك وتصرف. وبأكثر دقة لا يمكننا عدم ذكر قناة أم تي في وهي قناة أمريكية تعرض أساليب حياة المشاهير والأثرياء في العالم وتقدمها للشباب كنموذج مبهر للحياة وكقدوة للسلوك.
تلفزيون الواقع، هذا الشكل الجديد من الإعلام ومن عرض الحياة الخاصة للعموم وجعلها مصدرا للقدوة أصبح ينتج هو الآخر تنشئة اجتماعية أفقدت العائلة دورها الطلائعي في ذلك.
تعرض برامج تلفزيون الواقع أشكالا جديدة من علاقة الأفراد بقيمهم وتمنح للحياة الخاصة وللحميمي عند الأفراد مكانة بارزة. يؤثث هذه البرامج أشخاص في الغالب عاديون يعرضون تجاربهم المختلفة حسب نوعية البرنامج. يلتقط الشباب خاصة هذه البرامج وتصبح التجارب الحياتية المعروضة والمكشوفة مصدرا للسلوك وللمحاكاة ويمكن أن تكون قدوة للعديد منهم. لم يعد القدوة هنا مصدرا مشهود له ويتمتع بالرصيد الطويل الذي يجعل منه قدوة. أصبحت القدوة متأتية من أناس عاديين علاقتنا بهم وقتية تأتينا عبر التلفزيون ويمكن أن ننسى الأشخاص أصحاب التجربة ولكن لا ينسى هؤلاء الشباب مثلا مضمون هذه التجربة.
عند العودة إلى العائلة نسجل تراجع دورها في أن تكون قدوة بمفردها فإننا بذلك نشير إلى فكرة تعدّد مصادر القدوة وتنوعها وهيمنة اقتصاد السوق والنمط الاستهلاكي على صنع قدواتها وعرضها داخل الفضاء العائلي عبر مختلف وسائل الاتصال ومنها التلفزيون.
تمرّ التنشئة الاجتماعية بإعادة تشكيل والمقصود هنا أن المؤسسات المتعارف عليها والتي تتولى عملية التنشئة هذه فقدت بعضا من إشعاعها وهذا مرتبط بمعطى سوسيولوجي هو تجذر الفردانية في المجتمعات الحديثة وإن بدرجات مختلفة«8»
الفردانية معطى جديد وهو يعني اتجاه الأفراد أكثر فأكثر نحو تحمل مسؤوليات حياتهم ووجودهم بأكثر استقلالية عن المؤسسات الاجتماعية ومنها مؤسسة العائلة. ومن مؤشرات هذه الاستقلالية أن الأفراد لا يجدون ضرورة في أن تكون التنشئة الاجتماعية هي التي توفر لهم القدوة اللازمة. هناك اتجاه لدى الأفراد لاختيار قدوتهم دون المرور بالقدوة التي تقترحها المؤسسات الاجتماعية.
هناك صعوبات تعيشها التنشئة الاجتماعية التقليدية أمام صعود الفردانيات وهي فردانيات تؤمن بتعدّد المرجعيات ولها تعدّد أيضا في الهويات وكل هوية يمكن أن تنتج قدوتها الخاصة.
3- القدوة، المؤسسة التربوية وتعدّد مصادر المعرفة
المؤسسة التربوية هي الأخرى من مؤسسات التنشئة الاجتماعية وهي منتجة للقدوة من خلال ما يقدّمه الفاعلون فيها من مرجعية سلوك يمكن أن تجعل من المعلم أحد أهم معاني القدوة في مجتمعاتنا.
إن المؤسسة التربوية هي مؤسسة معرفة ومؤسسة سلوك أيضا وفي زمن ما تركت العائلة مهمة التنشئة الاجتماعية للمدرسة وحملتها شرعية بناء شخصية أبنائها وفق ما تطرحه المؤسسة التربوية من مبادئ قد تكون في بعض الأحيان متناقضة مع ما تبتغيه العائلة. في أزمنة استقلال البلدان العربية لعبت المدرسة دورا تحديثيا مهما ولا تزال تلعب هذا الدور وصنعت مرجعيتها ودفعت الناس إلى الإقتداء بها لأنها كانت ولا تزال مسلكا للارتقاء الاجتماعي. الثقة التي بناها الناس حول المؤسسة التربوية جعلتهم يثمنونها أيضا كقدوة تؤثر في السلوك الأخلاقي للأفراد والمجتمعات.
المعلم كمصدر للمعرفة احتل موقعا مجتمعيا جعله في كثير من الأحيان قدوة لغيره أعطى نموذجا للنجاح وللسلوك السليم. اتصور في هذا المجال معلما في القرى الريفية في السنوات الأولى لاستقلال بلداننا وهو يقود عملية التغيير في السلوك والقيم أي يقود عملية التحديث بصعوباتها ومطباتها، هذا الفاعل الحداثي بسلطته المعرفية تمكن من أن يكون قدوة يعطي الأمل للآخرين بإتباع طريقه في النجاح
أصبحت للعائلة كمؤسسة اجتماعية منتجة للقدوة منافسا جديا وهي المؤسسة التربوية ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هل تزال نفس هذه المؤسسة التربوية منتجة للقدوة؟
الإجابة عن هذا السؤال تتطلب إعادة النظر في المؤسسة التربوية كمؤسسة تنشئة اجتماعية. هل تزال المؤسسة التربوية مصدرا وحيدا للمعرفة وهل بالإمكان الحديث عن المعلم أو المدرّس كمصر وحيد للمعرفة؟
نعيش في مرحلة لم تعد فيها المؤسسة التربوية هي المسلك الوحيد نحو الارتقاء الاجتماعي. ثمة الآن مؤسسات أخرى منافسة مكنت الشباب خاصة من بناء حياتهم بعيدا عن مخرجات المدرسة. هناك توجه لدى الشباب إلى فقدان الثقة في المدرسة فالهجرة يمكن أن تعوض المدرسة لبناء مشاريع الحياة. الشباب يريد الآن الانخراط في الجمعيات الرياضية بحثا عن النجاح الاجتماعي. عندما تعجز المؤسسة التربوية عن توفير الشغل المناسب لخريجيها أي عندما تستفحل بطالة خريجي الجامعات فإن ذلك لن يكون إلا على حساب هذه المؤسسة فتفقد بالتالي صورتها المميزة كمصدر للقدوة.
كان المعلم في السابق مصدرا وحيدا للمعرفة أما الآن ومع تعدّد الوسائط التكنولوجية أصبح من السهل اكتشاف محدودية المعرفة التي يمتلكها المعلم. وهذه المحدودية ليست في عمق المعلومات أو في صحتها بل في أن الوسائط الأخرى أكثر سرعة وتدفقا في توفير المعلومات. لم يعد المرور بالمعلم شرطا ضروريا للحصول على المعلومة وفهمها. التعلم الذاتي كأحد أشكال المعرفة جعل من المعلم يفقد صورة القدوة. فتعدّد مصادر المعرفة أضعف إلى حد ّكبير السلطة التي احتكرها المعلم إلى بروز الوسائط التكنولوجية وانتشارها بين الناس.
أشكال التعلم هي الأخرى أضعفت قدوة المعلم. فقد تحولت العملية التربوية من حيث الشكل والمضمون وأول هذه التحولات هي أن التلميذ أصبح مركز العملية التربوية. فهو الذي تبنى حوله المعرفة والنشاط التربويين. ففي السابق كان المعلم هو مركز هذه العملية التربوية والتلميذ متقبل لها يساهم بسلبية في عملية التعلم. إن البيداغوجيا الجديدة جعلت من التلميذ أحد العناصر التي تساهم في بناء المعرفة وذلك من خلال تطور الأشكال التنشيطية داخل الفصل وبروز الطرق الحوارية المختلفة.
يعتمد التلاميذ الآن في أغلبهم على الانترنيت لإنجاز دروسهم وملفاتهم ثم يعرضونها في الفصل. ما يعني أن المعلم أمام تحدّ كبير لأنه يجد نفسه أمام تلميذ مدجّج بالمعلومات التي يمكن أن يختارها بعناية ويقدمها بطريقة مغايرة لما يقوم به المعلم.
إذا أرادت المدرسة أن تعيد إنتاج القدوة كما كان في السابق فهذا صعب وعسير. فالمؤسسة التربوية غير معزولة عن التحولات المجتمعية وعليها أن تساير هذه التحولات في أشكال العائلة وفي ظهور الفردانية وفي تعدّد مصادر المعرفة وفي تعدّد مسالك الارتقاء الاجتماعي. هذه التحولات السوسيولوجية جعلت من المؤسسة التربوية غير قادرة بالكفاية اللازمة على نشر القيم كما كانت في السابق.
لا يعني هذا أن المؤسسة التربوية فقدت قدرتها على صناعة القدوة ولكن الذي تغير هو مضمون هذه القدوة. ما هو المضمون الجديد للقدوة داخل المؤسسة التربوية إذا؟
كانت القدوة في المؤسسة التربوية مرتكزة على المعرفة التي يحولها صاحبها إلى سلوك ومن ثمة إلى صورة إيجابية يقتدي بها التلميذ أو الطالب. أما الآن فإن دور المعرفة تراجع ليترك مكانه للتجربة فيمكن أن يكون قدوة من كان أكثر تجربة غامر الحياة وخبرها وله من الكفايات اللازمة ليواجه صعوبات الحياة. القدوة إذا تجربة حياة أكثر منها معرفة حياة. ما يعني شباب اليوم ليست المعرفة بقدر ما تعنيهم كيفية التصرف في الوضعيات الحياتية الصعبة. كيف يمكن إنجاح تجربة ما؟ هؤلاء الذين لهم تجارب ناجحة هم القدوة الآن. من كانت مغامرته في الحياة أكثر إثارة وجلبا هو من يكون مصدرا للإقتداء.
المؤسسة التربوية اليوم مدعوّة إلى إعادة النظر في أدوارها وفي التحولات المجتمعية الطارئة. ما هو مطلوب من المدرسة اليوم هو تقديم التجارب الناجحة، هو إعطاء المتعلمين وتمكينهم من إدارة جيدة لحياتهم ومشاريعهم إنهم ليسوا في حاجة فقط إلى معرفة وليسوا في حاجة فقط إلى خطاب أخلاقي إنهم في حاجة إلى ما يجعلهم يثقون في مشاريعهم التي سطروها. إنهم يطلبون من المدرسة أن تكف عن أن تكون مؤسسة عقاب لمن لم يستطع التأقلم مع أساليبها في التعليم. يطلبون منها أيضا أن تكف عن إعادة إنتاج اللاتكافؤ الاجتماعي
تقع مسألة القدوة في مفترق طرق تتجاذبها رغبات قديمة لجعل المؤسسة التربوية منتجة للقيم الأخلاقية وللمعرفة ورغبات جديدة لجعل نفس المؤسسة منتجة لقيم تعطي للفرد ما يستحق من عناية متفهمة لوضعه وانشغالاته ومتاعبه التي لن تكون بالضرورة متاعب مادية بل هي بالأساس متاعب معنوية عمادها البحث عن المعنى والبحث عن الاعتراف وتقدير الذات وتثمينها.
إذا كانت القدوة هي تعلق بالآخر ومحاولة جعله سبيلا يقع إتباعه فإن الفردانية الجديدة التي بدأت تطل علينا قدمت نموذجا مغايرا لمعنى أن تكون إنسانا الآن وفردا مسؤولا يقيّمه الناس بما فعل لا بامتثاليته للآخرين. الكل يبحث الآن عن الأصالة في التجربة الشخصية وعن تنوعها وطرافتها. ثمة اهتمام بالذات وتمركز حولها يجعل من الفرد متحملا بقدر كبير لوحده هذه الذات التي تطلب منه الكثير وتطالبه بتحقيق ما تسعى إليه. تضعف القدوة بما هي علاقة تبعية أمام إصرار الأفراد على التمكن من استقلاليتهم والدفاع عنها ومحاولة تطبيقها وتحمل مسؤولية ما تنتجه من معاناة لهم.
مصادر المعرفة مسألة على غاية من الأهمية. نعيش اليوم طفرة في المعلومات واتساعا في انتشارها وقربها أكثر من الناس. لقد كانت المعرفة تتجه عمودياّ فأصبحت الآن أكثر أفقياّ. هذه الأفقية تقلل من أهمية القدوة كمصدر للمعرفة إذ يشترك الجميع عبر وسائل الاتصال في التحكم في هذه المعلومات والمعارف والتدخل في صياغتها وبثها عبر القنوات الاتصالية.
القدوة المعرفية كانت لمراحل تاريخية طويلة ذات حضور مميّز في حياة الناس والمجتمعات. لو نلقي نظرة على التسميات التي كانت تطلق على العلماء في السابق لوقفنا عند تسميات وتصنيفات تجعل من هذا العالم أهم قدوة في مجتمعه.لم يعد الأمر كذلك الآن وهذا راجع إلى تراجع دور المعرفة في المجتمعات الحالية وتراجع نجومية العلماء أمام صعود نجوميات جديدة مرتبطة أساسا بثقافة المجتمع الاستهلاكي.
4- القدوة في الفضاء المؤسسي
أنتجت المجتمعات الصناعية وما بعد الصناعية تنظيمات وثقافة للتنظيمات تأتي القدوة في مركزها. وصاحب القدوة داخل المؤسسة هو من يعطي للعاملين فيها الرغبة في العمل ويقودهم من أجل تحقيق أهداف مسطرة مسبقا. حصل صاحب القدوة في التنظيمات على تسميات عديدة أهمها تسمية المرافق المهني "COATCH". يمثل هذا القائد داخل التنظيم البوصلة التي يتحرك عبرها العاملون في المؤسسة. وإذا قمنا بإطلالة على تاريخ التنظيمات وأشكال إدارتها لوقفنا عند العديد منها كالنظرية التايلورية التي أقامت فوارق بين من ينتج ومن يفكر في الإنتاج والمقولة المشهورة التي قالها "تايلور" لأحد العمال تفيد هذا الاتجاه "لا نطلب منك أن تفكر هناك أناس آخرون ندفع لهم من أجل ذلك".وهي التي أرست التنظيم العلمي للعمل.
أنتجت النظرية التايلورية إذا نموذجا من القدوة داخل التنظيم وهم أو لائك الذين يفكرون ويصممون البرامج التي يجب اتباعها في العمل. المؤسسة إذا ليست فقط فضاء للإنتاج بل هي كذلك فضاء لإنتاج القيم والأخلاق في العمل. أرست النظرية التايلورية قيم التخصص والانضباط وأعطت للسلطة طابعها العمودي وخصوصا عندما فرقت بين المنتجين والمفكرين هؤلاء التي جعلت منهم النظرية القدوة التي يجب اتباعها في فضاء المؤسسة.
هناك أخلاق مهنية جديدة دافعت عنها النظرية التايلورية أهمها تلك المرتبطة بالتوزيع العادل للمهام والمسؤوليات والتعاون من أجل إنتاج أفضل.
مع بداية القرن العشرين مثلت النظرية التايلورية أهم مرجع في ما يتعلق بتنظيم العمل الذي أعطى للقائد دوره البارز من أجل أن يقود المؤسسة ويمثل للآخرين القدوة التي يجب إتباعها.
تطورت النظرية التايلورية وأخذت عنها النظرية الفردوية المشعل حتى تهتم بالمسألة التنظيمية وبمسألة القدوة داخل المؤسسات الصناعية وغيرها. ولكن مع ظهور نظريات جديدة وخصوصا تلك التي سميت بالمابعد تايلورية فإن مسألة القدوة أصبحت لها مضامين أخرى مغايرة.
لا تتطور المؤسسة خارج تطور المجتمع هي جزء منه تؤثر فيه وتتأثر به. وإذ تحدّثنا عن أشكال التنظيم ومكانة القدوة فيها فإن النظريات الجديدة أعطت مفهوما آخر للقدوة يمثله جيل جديد من المتصرفين الذين لا يتجهون إلى ممارسة السلطة المطلقة داخل المؤسسة بقدر اتجاههم إلى تقاسمها من أجل تفعيل العمل وتحقيق النجاح. القدوة مشتركة بين القادة الذين يديرون المؤسسة. والقدوة التي كانت منحصرة في الذين يفكرون داخل المؤسسة أو قادتها أصبحت الآن تظم كل من يحقق نجاحات مبهرة بقطع النظر عن مكانته ودرجة مسؤولياته. نشهد ذلك في ما يسمى بالتايلورية الجديدة التي بموجبها أصبح العون داخل المؤسسة أكثر حرصا على تحقيق ذاته وانخرط في ما يسمى حلقات الجودة والانتظام داخل الفريق الواحد.
كل هذه التحولات التي تشهدها المؤسسات العالمة وبعض المؤسسات العربية غيرت بشكل واضح معنى القدوة الذي فقد بريقه السابق وأصبح كل من في المؤسسة يتصرف على أساس أنه تقريبا قدوة نفسه ولا داعي ان يجعل أمامه نموذجا يحتذى به. إن التنظيمات الجديدة مكنت العاملين فيها من اكتساب ثقة في النفس وفي القدرات ما يجعلهم أكثر اعتمادا على النفس. ثمة داخل المؤسسات نزعة لتدعيم مسائل إدراك الذات وإدراك الآخرين من أجل التواصل الجيد داخل الفضاء المؤسسي.وكلما هناك اتجاه وتشجيع نحو إدراك الذات وتنميتها كلما كان ذلك على حساب فكرة القدوة على الأقل بمعناها التقليدي.
تتجه المؤسسة الآن إلى تدعيم أعوانها بكل أدوات التميز في العمل ويبرز ذلك جليا في الاهتمام الذي تبديه المؤسسة بأعوانها وحرصها على تكوينهم وتفعيل قدراتهم. ويرجع ذلك إلى رغبة المؤسسة في تدعيم القدرات الذاتية للعاملين فيها وخصوصا من أجل تدعيم جانب الاستقلالية لديهم. القدوة بالمعنى التقليدي للكلمة تبدو في نظر عقلية المؤسسات الجديدة شكلا من أشكال التبعية.المنافسة الشرسة التي يشهدها الاقتصاد العالمي والرغبة الجامحة التي لدى المؤسسات لتحقيق نجاحات باهرة جعلها أكثر حرصا على تدعيم قدراتها وتقوية شخصية كل من يعمل فيها ودفعهم إلى الابتكار والمشاركة والتخلص من التبعية القاتلة.
لقد تأثرت المؤسسة بتطور المجتمعات نحو فردانية أكبر من ذي قبل. وتعني الفردانية هنا مسؤولية أكبر للأفراد على مصيرهم واستعدادهم لتحمل مشاريع حياتهم بما يطور لديهم صفات الاستقلالية وقيمها وأخلاقها بما تعنيه من اعتماد على الذات والتعاون مع الآخرين. الأفراد في حاجة إلى أن يكون الآخر لهم شريكا ومساعدا لا مجرّد قدوة يدينون له بالولاء والتبعية.13

الخاتمة:
تبدو لنا مسألة القدوة معقّدة وشائكة وهي لا تقتصر فقط على المعطى الأخلاقي على أهميته. القدوة في نظرنا ومن خلال مقاربة سوسيولوجية هي علاقة ارتباط متبادل بين المقتدي والمقتدى به. والقدوة أيضا غير معزولة عن السياق العام الذي تنشأ داخله. كل مرحلة تاريخية تنتج قدوتها الخاصة من حيث المرجعيات التي يقتدى بها ومن حيث مضمونها أيضا. الملاحظة المركزية التي تهمنا في هذا الشأن أن القدوة تحولت من مضمون أخلاقي مجتمعي عام إلى مضامين مغايرة داخل فضاءات جديدة. هناك تشظ لمسألة القدوة إذ انتقلت من العائلة لتدخل المدرسة ثم وجدت منفذا في المؤسسة وفي وسائل الإعلام وفي كل الفضاءات التي تعتمد في آدائها على المشهدية والاستعراضية.
الفضاء الديني هو أهم منتج للقدوة من حيث تأكيده على المسألة السلوكية وحرصه على أن يكون المجتمع سليما. لقد مثل الأنبياء ومن يصاحبهم في كل الديانات أهمّ قدوة ومرجع للسلوك ولكن الفضاء الديني لم يعد وحده منتجا لذلك.
اقتصاد السوق معطى بالغ الأهمية في صناعة القدوة وهو الذي يعتمد على النجومية والدعاية لفرض نمط معيشي استهلاكي لا يستهلك من خلاله الأفراد البضاعة فقط وإنما يستهلكون معها القدوة. تصبح القدوة إذا مادّة للاستهلاك في مطلع القرن الحادي والعشرون.

المراجع:
1- ابن منظور، لسان العرب، ج: 15، ص: 171، دار صادر، بيروت، 1990
2- ابن خلدون، المقدمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1979
3- إبن خلدون، نفس المرجع
4- إبن خلدون، نفس المرجع

JoomShaper