الشيخ عبدالعزيز البشري رحمه الله
رمضان هذا شهر ظريف محبوب خفيف الروح، يتلقاه المسلمون بالبشر والترحيب في جميع بلاد العالم، ويحتفل له المصريون ـ بوجه خاص ـ أيما احتفال، يحتفي بمقدمه الغني كما يحتفي به الفقير، ويهش له الشيخ الكبير، كما يفرح به الصغير، فهو مهرجان موصول الليالي حتي يتوج بالعيد.
فيه يوسع الناس في النفقة على عيالهم وحشمهم، طيبة بذلك نفوسهم، وقد يفضل أكثرهم من بعض الخير للسائل والمحروم، نهاره صيام ونسك وطاعة، وليله قرآن يتلى وآداب تجلى، وأحاديث تحلو للسماء، إلى ساعة الأسحار.
كان المرء لا يخوض في شارع أو درب أو زقاق في القاهرة وسائر حواضر البلاد، إلا سمع القرآن الكريم يتجاوب به القارئون من كل ناحية، والبيوت مضاءة مفتحة، فلما طغى سيل هذه الحضارة، واتخذ العلية لسهرهم الأندية (الكلوبات) بدل الدور، وآثر من دونهم قضاء الليل في القهوات، أظلم أكثر الدور، وجعل صوت القراء يخف رويداً رويداً، حتى انمحت هذه العادة الكريمة أو كادت، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
والآن وقد فرغت من هذا الكلام الذي يعرفه جميع القراء، والذي لا أحسب أن أي واحد منهم في أي حاجة إلى تقريره، أتحدث حديثاً موجزاً عن رمضان وكيف تصنع كثرة الصائمين منا، نحن المصريين، في رمضان.
لعل من أظهر الحكم في فرض الصوم على الناس هذا الشهر من العام أموراً: منها أخذ النفس بالشدة ورياضتها على الصبر على المكروه، وهل أكره من ألم بالظمأ والجوع!.. وذلك بأن مطاوعة الشهوات، ومواتاة النفس بكل ما تستشرف له من المتع، واسترسال الإنسان في أسباب النعمة والترف، من شأنه أن يضعف منته، ويفل من عزمه، ويرخي من طبعه، ويخذل من خلفه، حتى يتميع بطول الزمان فلا يصبح كفؤاً لمعاناة الشدائد، والخوض إلى العظائم، والكفاح حيث يجب الكفاح في سبيل الحياة، بل إنه ليصبح إنساناً غير كفء للعيش في هذه الحياة!

ومنها أخذ النفس بالحمية شهراً من الزمان، وفي هذا علاج للأبدان أي علاج، واستراحة للمعد مما تعافي عامها الأطول من هضم غليظ للطعام، وقد يدركها العجز عن إحسان الهضم، فيستحيل فضل الطعام، مما يدور في الأعراق، ويفسد الدم، ويجلجل القلب، ويمرض الكبد، ويثقل حركة الكلي، ويكدر المخ، ويدخل الإعياء على سائر الأعضاء، وصدقت هذه الحكمة المشهورة: "المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء"، ولا شك أن أخذ النفس بالحمية صدراً من العام فيه راحة لها وجمام، ولا تلبث أن تعود إلى نشاطها وجدها سائر العام.

ومنها أن النسك وكبح الشهوة، وحبس النفس عن تناول الملاذ، بل عما هو أقوى من الملاذ، أعني الطعام والشراب، وذلك كله في طاعة الله تعالى والخضوع لسلطانه الأعظم. من شأن هذا أن يخشع النفس ويقلبها في فنون الكمالات ويصرفها، على الأقل، من أسباب اللهو والعبث والفساد، وبهذا وذاك تتم رياضة البدن والروح جميعاً، ولا شك في أن هذه الأمور من أظهر الحكم في فرض الصيام على عباد الله.

فلننظر بعد هذا كيف يصنع الصيام بكثير من الصائمين، أو كيف يصنعون هم بهذا الصيام، أما المفطرون فلا حظ لهم البتة من هذا الكلام، فأما ما يتعلق برياضة الأبدان، وعلاج المعد بالحمية فإليكم البيان: يظل الصائم طاوياً ست عشرة ساعة، على الأقل، إذا وقع في الصيف، وهذا قدر كاف لركود المعدة وتبين الأحشاء، وما أحوجها في هذه الحالة إلى أخذها بالرفق ولطف العلاج عند استئناف الغذاء، ولعل من الخير الكثير أن يبدأ المرء بحساء "شوربة" دافئ ينبه المعدة، ويمرئ الأحشاء، ثم يصبب من ألوان الطعام أيسرها هضماً وأخفها مؤونة، شأن الناقهين من الأمراض.
أما كثرتنا، نحن المصريين، فتبدأ إفطارها عادة على شراب حلو بارد، وربما أعقبته بالتين والبلح والزبيب وغيرها من ألوان الحلوى، ثم تأخذ في طعامها، فإذا بها تحوي كل ما عسر هضمه وغلظ دسمه، وناهيك بالفول المدمس قد يعلوه البيض مقلياً، ثم صحاف اللحم ثم الخضر، قد غرقت في السمن غرقاً.

ثم ألوان الحلوى، ولا تنس الكنافة، وما أدراك ما الكنافة، وصدقوني، إذا زعمت لكم أنه لو التفت علم الهندسة إلى هذه الكنافة فأدخلها في مادة البناء، واتخذها بدلاً من "الخرسانة" ما تصدع "كوبري" ولا ساخ في الأرض بناء محكمة مختلطة وإن تقادمت عليه القرون الطوال!

وإن كثيراً من الصائمين ليقضون صدراً من النهار في الشغل بالطعام، والتفكير فيما عسى أن يطهي لهم من ألوان الطعام، فهذا يحسن أن يعالج بالسمن وهذا بالزيت، وهذا "يسبك" في فرن السوق وهذا في فرن البيت، وهذا كامخ متبل، وهذا الطرشي مخلل، ولعله بكم هذا الشغل بالطعام، إنما يسلي الصيام.

وهناك شباب من الشباب يصومون، ويحبون، بالطبع أن "يسلوا" صيامهم، فيطلبون هذه المتاجر الكبرى، متاجر الثياب والزينة، فيمتعون النفس، وينعمون الروح بتسريح النظر في كل داخلة وخارجة، وصادرة وواردة، قد يتظاهر أحدهم بجناحه إلى بعض السلع حيث السيدة أو الآنسة تتفقد، وربما نبس لسانه بالهمسة، ورجفت عينه بالغمزة وزحم طريقها في التماس اللمسة، وقد يوري بالدعوة إلى النزهة العاجلة إن لم يجد إلى التصريح سبيلا!

فإن كان الشاب ممن لا يحسن فيهم رأي عمال هذه المتاجر، ولا يقدرون فيهم الجلد إذا هم غشوها، راح يطلب مواقف الترام، فأرضي واجب "البصيصة" بألوان من الكلام، والمس أثنا الزحام، والدعوة الجريئة إلى المنكر والآثام. كل هذا ليسلي حضرته الصيام!
أما إذا كُتب لك أو كُتب عليك أن تجوز بالاحياء البلدية، وتسلك أزقتها ودروبها، فهناك ما شئت من تخاليق رمضان، حيث يظن إخواننا أولاد البلد أنه لن يصدقهم أحد في دعوى صيامهم، إلا إذا تشاجروا وتضاربوا وتطاعنوا، وكسروا أولادهم. وطلقوا نساءهم. وخذ منهم في كل كلمة ما شاء الشيطان من سب الدين والإيمان! وهكذا عند بعضهم أدب الإسلام في قضاء يوم الصيام!

أفرأيت تحمسًا للدين أشد من هذا التحمس؟ وأي تحمس أبلغ من أن الرجل يحرص على الطاعة كل الحرص، فإذا رأي أن يستعين على أداء حقها بالفسق فسق، وإذا رأي أن يستعين عليه بالكفر، والعياذ بالله، كفر!

وبعد، فما ظنكم بهذا الضرب من الصيام؟ أفترونه حقًا مما يقوي العزم، ويشد الطبع، ويطبع المرء على الاحتمال، والصبر على المكروه حتى يستوي منه رجل حقيق بالحياة، لأنه كفء للكفاح فيها، وعدم الانخذال عن خوض شدائدها، والحياة، كما قيل، جهاد؟ ألا هذه من حكم الصيام فانظر كيف أحلناها؟ وصدق من قال: "كل شيء يتناوله العليل يستحيل إلى علة"!

هدانا الله ورشدنا ووفقنا للعمل بحقيقة ديننا ننعم ونسعد في دنيانا وآخرتنا، وإلا كنا من الهالكين.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت هذه المقال بمجلة "المصور" في  ٧ رمضان ١٣٥٣هـ، الموافق ١٤/١٢/١٩٣٤م، وكاتبها هو الشيخ عبد العزيز البشري (1886 - 1943)، ولد وتوفي بالقاهرة، وأطلق عليه شيخ الساخرين؛ حيث كان يميل إلى الدعابة والفكاهة. درس البشري في الأزهر، وعمل بعد تخرجه في مناصب كثيرة، آخرها في مجمع اللغة العربية بالقاهرة مراقبًا إداريًا.

JoomShaper