د. عمر بن عبد الله المقبل
من لا يَرْحم لا يُرْحم
هذه قاعدة من القواعد النبوية المحكمة، التي دلّ عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يَرْحم لا يُرْحم".
إنها قاعدة جليلة، ترسم للبشرية خطوط الحياة السعيدة؛ لينعم كل فرد بما وهبه الله في هذه الدنيا من عُمُر، بل ويجد المسلم اللذتين: في الدنيا والآخرة.
"فرحمة العبد للخلق من أكبر الأسباب التي تُنال بها رحمة الله، التي من آثارها خيرات الدنيا، وخيرات الآخرة، وفقْدُها من أكبر القواطع والموانع لرحمة الله، والعبد في غاية الضرورة والافتقار إلى رحمة الله، لا يستغني عنها طرفة عين، وكل ما هو فيه من النعم واندفاع النقم؛ من رحمة الله.
فمتى أراد أن يستبقيها ويستزيد منها؛ فليعمل جميع الأسباب التي تنال بها رحمته، وتجتمع كلها في قوله تعالى: "إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ"[الأعراف:56], وهم المحسنون في عبادة الله، المحسنون إلى عباد الله، والإحسان إلى الخلق أثر من آثار رحمة العبد بهم.
والرحمة التي يتصف بها العبد نوعان:
النوع الأول: رحمة غريزية، قد جبل اللهُ بعضَ العباد عليها، وجعل في قلوبهم الرأفةَ والرحمةَ والحنانَ على الخَلْق؛ ففعلوا بمقتضى هذه الرحمة جميعَ ما يقدرون عليه من نفعهم بحسب استطاعتهم، فهم محمودون مثابون على ما قاموا به، معذورون على ما عجزوا عنه، وربما كتب الله لهم بنياتهم الصادقة ما عجزت عنه قواهم.
والنوع الثاني: رحمة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة، تجعل قلبَه على هذا الوصف، فيعلم العبدُ أن هذا الوصف مِن أجلِّ مكارم الأخلاق وأكملها؛ فيجاهد نفسَه على الاتصاف به، ويعلم ما رتَّب الله عليه من الثواب، وما في فواته من حرمان الثواب؛ فيرغب في فضل ربه، ويسعى بالسبب الذي ينال به ذلك، ويعلم أن الجزاء من جنس العمل، ويعلم أن الأخوة الدينية والمحبة الإيمانية قد عقدها الله وربطها بين المؤمنين، وأمَرَهم أن يكونوا إخواناً متحابين، وأن ينبذوا كل ما ينافي ذلك: من البغضاء، والعداوات، والتدابر.
فلا يزال العبد يتعرّف الأسبابَ التي يدرك بها هذا الوصف الجليل، ويجتهد في التحقق به؛ حتى يمتلئ قلبه من الرحمة، والحنان على الخلق، ويا حبذا هذا الخُلق الفاضل، والوصف الجليل الكامل.
وهذه الرحمة التي في القلوب: تظهر آثارُها على الجوارح واللسان، في السعي في إيصال البر والخير والمنافع إلى الناس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم (1).
وعلامة الرحمة الموجودة في قلب العبد: أن يكون محباً لوصول الخير لكافة الخلق عموماً، وللمؤمنين خصوصاً، كارهاً حصول الشر والضرر عليهم، فبقدر هذه المحبة والكراهة تكون رحمته.
ومن أصيب حبيبُه بموتٍ أو غيره من المصائب؛ فإن كان حزنه عليه لرحمة فهو محمود، ولا ينافي الصبر والرضا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما بكى لموت ولد ابنته قال له سعد:"ما هذا يا رسول الله؟" فأتبع ذلك بعَبرة أخرى، وقال: "هذه رحمة يجعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" (2)، وقال عند موت ابنه إبراهيم: "القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنَّا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (3).
وكذلك رحمة الأطفال الصغار والرقة عليهم، وإدخال السرور عليهم من الرحمة، وأما عدم المبالاة بهم، وعدم الرقة عليهم؛ فمِن الجفاء والغلظة والقسوة، كما قال بعض جُفاة الأعراب حين رأى النبيَّ صلّى الله عليه وسلم وأصحابَه يقبِّلون أولادَهم الصغار، فقال ذلك الأعرابي: إنّ لي عشرة من الولد ما قبَّلت واحداً منهم! فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: "أو أملك لك شيئاً أن نزع الله من قلبك الرحمة؟" (4).
وتأمل معي - أيها القارئ الكريم - كيف كان هذا الخلق العظيم سبباً في رحمة الله تعالى لامرأة لم تعرف إلا بأسوأ ما يمكن أن تُوصف به المرأة، إنها البغي من بني إسرائيل، حين رحمت ذلك الكلب الذي كان يأكل الثرى من العطش؛ فسقته فغفر الله لها، بسبب تلك الرحمة!
وفي مقابل هذا: تأمل كيف عذّب الله امرأةً بالنار، حين ربطت الهرة، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض (5)، حتى ماتت.
وفي هذا المعنى يقول العلامة السعدي - رحمه الله -: ومن ذلك ما هو مشاهد مجرب: أن من أحسن إلى بهائمه بالإطعام والسقي والملاحظة النافعة؛ أن الله يبارك له فيها، ومن أساء إليها: عوقب في الدنيا قبل الآخرة، وقال تعالى:"مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا"[المائدة:32], وذلك لما في قلب الأول من القسوة والغلظة والشر، وما في قلب الآخر من الرحمة والرقة والرأفة؛ إذ هو بصدد إحياء كل من له قدرة على إحيائه من الناس، كما أن ما في قلب الأول من القسوة، مستعد لقتل النفوس كلها"ا.هـ (6).
قال مُطَرِّفٍ بن عبداللهَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَرْحَمُ بِرَحْمَةِ الْعُصْفُورِ" (7).
هذا في حيوان! فكيف بمن يحنو ويرأف ويرفق بوالديه، وأرحامه، وزوجته...؟!
أيها الإخوة الأكارم:
لقد كانت هذه الرحمة حاضرةً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في كل حين من أحيانه، حتى إذا كان في مقام الصلاة الذي يستولي عليه مقام المناجاة لربه تعالى، يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: "إنّي لأقوم في الصّلاة أريد أن أطوّل فيها، فأسمع بكاء الصّبيّ فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمّه" (8).
وتأتي إليه حفيدته - ابنة ابنته - تزوره، فتتعلق به، فيأبى أن يكسر خاطرها، فيخرج على أصحابه وأُمامة بنت أبي العاص على عاتقه فصلّى، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها (9).
إنها الرحمة النبوية! فصلوات الله وسلامه على من قال فيه ربه:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"[الأنبياء: 107].
تأمل أمثال هذه المواقف النبوية، وقارنها بما رُوي في بعض كتب التاريخ أن محمد بن عبد الملك الزيات كان شديد الظلم، كثير المصادرة للناس قل ما يرحم أحداً، وكان يقول: الرحمة خَوَر في الطبيعة!
وكان قد عمل في آخر أيام الواثق تنّورَ حديدٍ مشبّك بقطعتين، وله مسامير إلى داخل ليقعد فيه المصادرين؛ فاتفق قضاءُ الله تعالى وقدَرُه أن كان هو أول من أُقعد فيه! فلما دخلت المسامير في لحمه قال: آه! فقال له الخادم الموكّل بعذابه: أما سمعت أن من حفر لأخيه المؤمن بئراً أوقعه الله فيها؟! أما علمت أن من لا يَرحم لا يُرحم؟! فقال: وأيّ شيء نفع البرامكة وقد فعلوا من الخيرات ما فعلوا وكانت عاقبتهم مثل هذا؟ فقال له ذلك الخادم: يكفهم ذكرك لهم بفعل الجميل وأنت على مثل هذه الحال! وهل يبقى بعد الإنسان إلا ذِكرٌ جميل أو قبيح، وهل بعد الموت سوى منزلين: إما الجنّة أو النار!" (10).
"فعوِّد نفسك الرحمةَ أيها المؤمن؛ فإنك في حاجة شديدة إلى رحمة الله، وعالج نفسك في تهذيبها وتمرينها على الرحمة وإذهاب القسوة، واحرص على مقارنة الرحماء لتكسب منهم هذه الصفة، وتسلم من ضدها. قال صلى الله عليه وسلم: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" (11).
الراحمون لمن في الأرض يرحمهم
من في السماء كذا عن سيد الرسل
فارحم بقلبك خلق الله وارعهم
به تنال الرضا والعفو عن زلل" (12)
اللهم املأ قلوبنا رحمة لأنفسنا ولعبادك، واجعلنا من عبادك الرحماء، واهدنا يا ربنا لأحسن الأخلاق والأعمال، وجنبنا سيئها؛ لا يملك ذلك إلا أنت.
____________
(1) مجموع الفتاوى (15/ 292): فهذه الرحمة حسنة مأمور بها أمر إيجاب أو استحباب، بخلاف الرأفة في دين الله؛ فإنها منهي عنها - (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) -، والشيطان يريد من الإنسان الإسراف في أموره كلها! فإنه إن رآه مائلاً إلى الرحمة زين له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه الله، ولا يغار لما يغار الله منه، وإن رآه مائلاً إلى الشدة زين له الشدة في غير ذات الله؛ حتى يترك من الإحسان والبر واللين والصلة! والرحمة - هي - ما يأمر به الله ورسوله.
(2)البخاري: (6279)، مسلم: (923).
(3)البخاري: (1241) واللفظ له، مسلم: (2315).
(4)البخاري: (5652)، مسلم: (2317).
(5) حشراتها وهوامها.
(6) بهجة قلوب الأبرار: (ص: 188-190).
(7) الزهد لهناد بن السري (2/ 619).
(8) البخاري ح(707).
(9) البخاري ح(5996)واللفظ له، مسلم ح(543).
(10) الإنباء في تاريخ الخلفاء: (ص 116).
(11) أبو داود ح(4942)، الترمذي ح(1923)وقال: هذا حديث حسن.
(12) موارد الظمآن لدروس الزمان: (3/ 484).
من لا يَرْحم لا يُرْحم
- التفاصيل