د.فوزي زايد السعود
لا ريب أن شهر رمضان مدرسة تربوية للأمة أفراداً وجماعات، وهو بمثابة محطة إيمانية يتزوّد منها المسلم، ويمارس من خلالها تربية النفس وتهذيبها وتقويمها وإلزامها جادّة الصواب ولذلك لا عجب أن ترتقي الأخلاق والسلوكيات وأساليب التعامل في شهر رمضان، فنجد المسلم في أعلى تجلياته الإيمانية وأخلاقه القرآنية، وتظهر على السطح قيمٌ ومُثُلٌ عُلْيا من التعبّد، والكلام الطيب، وصلة الرحم، والتعاون، وإخراج زكاة الفطر طهرة للصائم من أخطائه ومعالجة جزء من مشكلة الفقر في المجتمع، ونلحظ أيضاً في السنوات الأخيرة ظاهرة الافطارات الجماعية، وتقديم المساعدات الخيرية غذائية ومالية….وفي الحقيقة يظهر جليّاً هذا التلاحم والتعاطف والتكافل والنظرة الإنسانية الراقية خلال هذا الشهر، وأودّ أن أركّز على ظاهرتيْن،الأولى عملية والثانية سلوكية بحيث نعزز من وجودهما لأثرهما الواضح الإيجابي على المجتمع
أولاً : الإفطارات الجماعية : سواء أقيمت في البيوت أو المساجد أو الساحات العامة أو في مخيمات خاصة، فهي ظاهرة رمضانية جماعية تعاونية مؤثرة، نأمل أن يكون القصد منها إرضاءً لله عز وجلّ وإخلاصاً له وخدمةً لأبناء مجتمعنا والشعور بآلامهم وأحوالهم، وهي بلا شكّ قيمة عملية نابعة من صميم ديننا، (من فطر صائما كان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً) (ابن ماجه،1428) ، وهنا بعض الملاحظات نقدمها كي تحقق هذه الفعاليات أُكُلَها المرجوّ، ومن ذلك : أن يُخطّط لها بشكل جيد مع الاتفاق على الأهداف منها، ثم إعداد برامج وأنشطة هادفة وجذابة ومشوّقة للحضور قبل الإفطار، وأثناء الإفطار، وبعد الإفطار، فليس الهدف الإطعام فقط، وإن كان هذا صُلب الموضوع، بل المطلوب تعميق معاني وقيم إسلامية مركزة من خلال العرض والكلمة الرشيقة واستخدام تقنيات حديثة إن أمكن، و يثري هذه الفعاليات حضور رجال المال والأعمال و أهل اليسر والثراء في المجتمع حتى نزيل بعض الفوارق الاجتماعية والحواجز المصطنعة بين فئات المجتمع ونقرّب بين النفوس و المراتب .
ثانياّ : صيانة اللسان : قال عليه الصلاة والسلام " إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ـ الكلام الفاحش ـ، ولا يصخب ـ الصراخ والصياح ـ فإن سابّه أحدٌ أو قاتله فليقل إني ٌ صائم إني صائم " (صحيح الترغيب ،978) ، ما أعظم الإسلام ! وآداب الإسلام ، وأثر الإسلام والصيام في أتباعه، أن تردّ الإساءة وأنت قادرُ عليها ومع ذلك تمتنع احتسابا عند الله عز وجل، نعم إنه أدب من آداب الكلام، وهو صيانة اللسان، وملازمة ذلك الأدب طيلة شهر رمضان، ومن وطّن نفسه على هذا السلوك الإيجابي في هذا الشهر، كان ذلك دافعاً لاعتياده وممارسته في سائر الأزمنة والأحوال .
ثم إن الحديث النبوي الشريف يَحْمِلُ المسلم الصائم على آداب المخاطبة وهو تجنب الجهل والصخب، ثم مراعاة مشاعر الآخرين وإنزالهم منازلهم وحفظ كرامتهم ، نعم أخي الصائم إن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والصائم من كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، هيّناً ليّناً مع إخوانه المؤمنين " أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين " (المائدة،54)، فلتكن أخي الصائم كذلك وأنت الرابح في دنياك وآخرتك (من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه ) (الألباني،حجاب المرأة،49) .
سلوكيات تُعزّز في رمضان..
- التفاصيل