حمزة بن ذاكر الزبيدي (*)
يتحّدث الدكتور عبد الوهّاب المسيري عن بداياته الدراسيّة ذاكرًا فيقول: لم تكن بدايتي الدراسيّة موفّقة حيث رسبت في الصف الرابع الابتدائي والصف الأوّل الثانوي، ثمّ نجحت في الدور الثاني وعاودتُ الرسوب في الصف الثاني ثانوي فأعدت السنة. إلّا أن النقطة الحرجة والانقلاب الأكبر في حياتي كان بالصّف الثالث ثانوي حينما توجّه لي أستاذ التاريخ وبدون مقدّمات قائلًا: “أنت عبقريّ !”.
ويضيف الدكتور: أشعلت كلماته في نفسي تحديًّا عظيمًا، فكنت أتصرّف مثبتًا له توقعاته التي يرجوها منّي، كانت تلك الكلمة الشرارة التّي أضاءت لي الطريق والخريطة التّي أوضحت لي المسار.
ولعلنا من خلال ذي المقتطفة الوجيزة لسيرة أكابر المفكرين العرب في عصرنا نستخلص دروسًا وعبر. نفردها متتالية:
الدرس الأوّل:
المدهش في الأمر تلك الصراحة المتناهية لأحد كبار المفكرين في هذا العصر، فلم يصنع الرجل لنفسه تاريخًا مزيّفًا وفردوسًا عاجيًّا من العبقريّة الفذّة منذ سنوات طفولته، بل جاء مباشرًا صريحًا ونقل الصورة كاملة واضحة، لتتلقى الأجيال الدرس كاملاً بتفاصيله الدقيقة وبشحنته العاطفية التي تسري في الأرواح ليدب من ورائها الأمل بوجهه المشرق!.
فأن تقوم الشخصيّة الناجحة والمتميزة ذات العبقرية الفذة لتحكي للأجيال إخفاقاتها المتكرّرة وأخطائها المتعدّدة  حتّى توقن الأجيال أن ثمّة أملٌ وثمة ضوء يشع من بعيد وأن الإخفاق في مرحلة ما إنّما هو المخاض الأعسر لولادة النجاح والتفوق!.

وهو في نفس الوقتِ عاملٌ نفسيٌّ قوي وجاذب للاستمرار مع الشخص في أطروحته والارتياح لأفكاره، حينما نرى أن هذا الشخص لا يصنع لنفسه هالةً أو قدسيّةً تكبّل أفكارنا في أن ترفض أو تناقش أو تتمرد على شيء مما يقال. وإنما هي الانسيابية والصدق والشفافيّة.

الدرس الثاني:

الحكم على الأشخاص لا يجوز له أن يكون جائراً متطرفاً ليتبعه بعد ذلك التجاهل فالتقصير فالنسيان فالتعطيل ثم الحرمان، حرمانُ الشخص من نفسه.. وحرمان مجتمعه وأمته منه.

وبالتالي فلا ينبغي أن يكون إصدار الأحكام على الأشخاص شاملاً فيصبغ القصورُ في جانبٍ كل جوانب الشخصية!. ولا ينبغي كذلك أن يكون الحكم نهائياً.. بل يجب أن يكون قابلاً للاستئناف.. بل للنقض في أحايين كثيرة.

ثم هل من يقوم بعملية التقويم شخصيّةٌ جديرةٌ ومؤهلة تملك من مؤهلات التخصص والخبرة والاتزان النفسي والعقلي ما يكون مسوغاً لها لتقوم بهذا الدور؟

الحكم على الأشخاص ينبغي ألا يحتكر في شخصٍ واحد أو يصدُر من وجهةٍ واحدة، فذاك مدعاة للخطل والزغل والأهواء ونزغات الشيطان والحالات المزاجيّة والمواقف الشخصية!.

فلا يجدر أن يتّصف حكمنا وتقييمنا للأشخاص بصفةِ النهائيّة والقطعية.. بحيث يكون غلاً في عنق صاحبه لا ينفك عنه بحال.. بل على العكس من ذلك، هو قابل للتغيير والتجديد متواكباً مع التغيرالحاصل لهؤلاءِ الأشخاص من زيادة علمٍ ومعرفةٍ وذهابٍ لفورة الصبا والمراهقة وتغيُّرٍ في الأحوال.

الدرس الثالث:

نعلم مقدّمًا أنّ نقطة التحول والانقلاب في درس الرياضياتِ هي النّقطةُ التي يتغيّر فيها سلوك الدّالة.

أغلب النّاجحين والمبدعين مرت في حياتهم نقطةُ التحوّل والانقلاب تلك، النقطةُ التي كانت أشبه ما يكون بثورةٍ سلميّةٍ في حياتهم.. ثورةٌ في قلوبهم وعقولهم وسلوكهم ومشاعرهم وطريقة تفكيرهم، نقطةٌ تحوّل اهتماماتهم واتجاهاتهم.. انقلابٌ هائِلٌ حتّى في منظومةِ القيم التي تحكم تصرفاتهم واختياراتهم.. حتّى أنّ هذه النقطة حيّرت بال التربويين وقلبت نظرياتهم رأساً على عقب.

هذا التحول الجذريّ والتغيير العميق والمرور المتمّهل بهذه النقطة يأتي على قدرٍ من الله العليم الخبير الذي يقول للشيءِ كُن فيكُون!.

هذا ما يجعل عابدَ صنمٍ من تمر يصنعه بنفسه إذا جاع أكله إلى عبقريٍّ وشخصيّةٍ فذّة ملهمة أطاحت بأعظم إمبراطوريتين عرفهما التاريخ فارس والروم، هذا ما يجعلُ قاطعَ الطريق يتحول ليكون إماماًً للحرمين. والضاربَ بالمزامير ليكون أحد القرّاء المشاهير. تحوّلٌ من أن يكون حاملاً لواءَ هبل واللات والعزى إلى سيف الله المسلول!

وغيرها العديدُ من النماذجِ والصور غير المنتهية من نقاطِ التحوّل والانقلاب في حياةِ البشريّة على مرّ العصور والأزمان، وهي ليست على نمط واحد بل تختلفُ وتأخذ صوراً وأشكالاً متعددة لكنها تتفق مُجمعةً في جوهرها أن ثمة ثورةً على السّائدِ من الأفكار والتصورات والمشاعر والاهتمامات والقيم.

الدرس الرّابع:

المسيري رحمةُ الله عليه وغيره من العباقرةِ الأفذاذ توفر لديهم الاستعداد للعبقرية والقابليّة لها وكذا الموهبة والتفوق والإبداع .. إلّا أن وجودَ الاستعدادِ لا يوّفِ المطلوب وهذه القابلية لا يكفي لأنها لوحدها سوف تضمرُ وتتلاشى! بل إنّها تحتاج لعاملٍ آخر ألا وهو مُوقد الشعلة.. من يطلق الشرارة في تلك النفس.. ويستمّر في النفخ على تلك الشرارة لتكون مشعلا للبشرية جمعاء.

نحنُ بحاجةٍ ماسّة لذلك الموقد الذي يهتف بالقلوب والأرواح قبل الآذان والأشباح.. الذي يتفانى ويستمتع برؤية السُرور والفرح بالانجاز على صفحات وجوهٍ طالما أرهقها غُبار التحطيم والتثبيط والسخرية والاستهزاء!.

موقدٌ يكون صادقاً في ثنائه على المحاولات النّاجحة ولو كانت صغيرة.. فهي تمثِّل صِغار الحطب الذي يوقد تلك الشعلة! تلك المحاولات الصَغيرة هي مُجاهدَات مضنية لتلك النفسِ التي تحاول أن تنفكّ من أسر القيود المُحطِمة..

إنّ الاستقبال الايجابيّ لتلك المحاولات يثمر محاولاتٍ جديدةٍ أكبر من سابقاتها. وتدعيمٌ لذلك السلوك وضمان بإذن الله لاستمراريّته والأهم حمايةٌ لتلك الشرارة من أن تنطفئ!.

يا لحسرة أولئك الذين يتفنّنون في إطفاء تلك الشرارات الايجابية.. إنهم لو يعلمون يخسرون قبل أولئك الضحايا. إنهم يخسرون إنسانيتهم، يخسرون الأجر والإنجاز.. يخسرون أفراح الروح ولذة العطاء.. يخسرون امتداد العمر في هذه الحياة.. يخسرون مجتمعهم وأمتهم حين يئدون مواهبه ويحرمونه من كنوزه في زمن التنافس والصراع والتدافع!.

ودرسٌ أخير..

إنّنا بتحفيزنا وتشجيعنا لمن حولنا نستثير فيهم كل معاني الجمال والرغبة في التقدم والنهوض، إنّنا نقول لهم ما زلنا نثق فيكم وفي قدراتكم وإمكاناتكم، ما زلنا نراكم في أعيننا كباراً، ما زالت مكانتكم عندنا عليّةً سامية، نحن نراكم بقلوبٍ مليئةٍ بالحبّ والإعجاب، تماماً حينما نصفّق للطفل وهو يتعثّر في خطواتِه الأولى متشبّثًا بأقرب جدارٍ أو سند ليثبت لمن حوله أنه ما زال على الطريق وأنّه عمّا قريب سيركض في ميدان الحياة!.

هو درسٌ لنا أن نزيد من قاموسنا التحفيزي والتشجيعي لأبنائنا وبناتنا ولطلابنا ولمن حولنا وأن نرفع من رصيد ثروتنا اللغوية الايجابيّة المحفزة لعلنا نكون سبباً في أن نقدم لأمتنا عباقرة من أمثال المسيري!

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) محاضر بجامعة الملك عبد العزيز – جدة.

JoomShaper