أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان للإيمان طعما وحلاوة لا يحسها ولا يتذوقها الا من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، قال صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا». وحلاوة الإيمان لا بد لها من أصول وشروط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله، عز وجل، ورسوله احب إليه مما سواهما، وأن يكره العبد ان يرجع عن الاسلام، كما يكره ان يقذف في النار، وان يحب العبد العبد لا يحبه إلا لله، عز وجل».
ومن المشاهد التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج مشهد ماشطة ابنة فرعون، تلك المرأة المؤمنة التي ذاقت حلاوة الإيمان فهانت في عينيها الدنيا بما فيها وبمن فيها، وتحملت التعذيب والقتل بنفس راضية مؤمنة. بعض العارفين: مساكين اهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا اطيب ما فيها. قيل: وما اطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: ان في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخر. وقال ايضا: ليس للقلوب سرور ولا لذة تامة الا في محبة الله والتقرب اليه بما يحبه، ولا يمكن محبة الا بالاعراض عن كل محبوب سواه. وقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: والله ما ليلة تهدى إلي فيها عروس، انا لها محب، ابشر فيها بغلام، بأحب من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد، في سرية في المهاجرين انتظر فيها الصبح لأغير على اعداء الله. ولما حلت به السكرات، قال: لقد طلبت القتل مظانه، فلم يقدر لي ان اموت الا على فراشي، ولا والله الذي لا إله إلا هو ما عملوا شيئا ارجى عندي بعد التوحيد في ليلة بتها وانا متترس، والسماء تهلني ننتظر الصبح حتى نغير على اعداء الله. لقد شهدت كذا وكذا مشهدا وما في جسدي شبر الا وفيه ضربة سيف او طعنة رمح، او رمية سهم، وها انا ذا اموت على فراشي كما يموت العير، لا نامت اعين الجبناء، عدتي وعتادي في سبيل الله، ثم لقي الله رضي الله عنه وارضاه. ولما ادخل ابن تيمية رحمه الله سجن القلعة واغلق عليه الباب قال: «فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبل العذاب» ما يصنع اعدائي بي؟ انا جنتي وبستاني في صدري، انى رحت فهي معي لا تفارقني، حبسي خلوة، وقتلي شهادة، واخراجي من بلدي سياحة. ان في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، انها جنة الايمان. المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من اسره هواه، والله لو بذلت ملء القلعة ذهبا ما عدل ذلك عندي شكر نعمة الحبس، وما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، يقول تلميذه ابن القيم رحمه الله: وعلم الله ما رأيت احدا اطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والتنعم، وما كان فيه من الحبس والتهديد والارهاق ومع ذلك فهو من اطيب الناس عيشا واشرحهم صدرا، واقواهم قلبا، واسرهم نفسا، تلوح نظرة النعيم على وجهه، وكنا اذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الارض اتيناه، فما هو الا ان نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحا وقوة وطمأنينة، فسبحان من اشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم ابوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.

JoomShaper