لها أون لاين
قد لا تستطيع أمة أن تصنع مجداً لرجل واحد، ولكن رجلاً واحداً يستطيع أن يصنع مجداً لأمة كاملة. فالأمم تصنعها الرجال، ولا تصنع الأمم الرجال. فهذا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم قد صنع مجداً لأمة عظيمة، ترامت أطرافها بين مشارق الأرض ومغاربها. وكذلك الأنبياء والرسل الذين حققوا مجداً لأمم قديمة.
وفي السياق نفسه نجد رجالاً صنعوا التاريخ. فهذا قائد عسكري حقق النصر لقومه وأمته، وذاك عالم برع في علم وكتب ودرس فيه، فأصبح نبراساً للآخرين، وذاك مخترع أفاد البشرية باختراعاته وعلمه. 
وهذا إن دل فإنه يدل على أن الإنسان، الذي استخلفه الله سبحانه وتعالى في الأرض، وأمره بعمارتها، هو الذي بيده صناعة التاريخ، والمجد، والنجاح، والإنجاز، بتوفيق الله تعالى له.
البعض يتلمس المجد في الأمجاد السالفة، أو يحيل المستقبل إلى التاريخ، فيكون أسيراً لحلم حققه رجال الأمس، وينسى أن العمل بيده، وأن المستقبل تصنعه أعمال اليوم.

التاريخ الإسلامي حافل بالنجاحات والانتصارات والازدهار والتطور، وحتى في العلوم والاختراعات، وقد ذهب برجالاته، وبقي تاريخه وأفكاره وتشريعاته.

واليوم، بعد سنوات طويلة من إسقاط  الخلافة الإسلامية، وقيام طوائف ودول ودويلات، نقف على أعتاب مرحلة جديدة بكل المقاييس، مرحلة تسقط فيها أمم وأفكار وفلسفات، وتتغير فيها قوانين و نظريات. وتنهار فيها اقتصاديات، فهذه أمريكا تعيش مرحلة من العجز الاقتصادي لم تسبقها إليها أي دولة، وتلك نظرية قد تكسر مبدأ سرعة الضوء بسرعة جديدة تفوق هذه السرعة الفلكية التي كانت مقياساً لكثير من العلوم والنظريات.
وهذه تقنية حديثة غيّرت وجه العالم وأسست لمقاييس جديدة من التواصل والاتصال، وتلك إمبراطورية إعلامية على وشك الانهيار، وحكومات تهاوت بسرعة فائقة بعد أن جثمت عقوداً على صدور شعوبها، وتخيل الناس أنهم باقون إلى قيام الساعة، وغيرها من تصاريف القدر وتغير الأحوال السريع.

هذه المرحلة المهمة في التاريخ التي نقف عندها اليوم، تقدم لنا فرصة لم يحصل عليها آباؤنا ولا أجدادنا، إنها فرصة ذهبية كي نبدع، ونعمل، ونفكر ونخترع، ونتجاوز الكلام والنقاش إلى العمل، ونتجاوز الأحلام إلى الجد والاجتهاد، ونتجاوز التاريخ إلى المستقبل. مستنيرين بما في التاريخ من دعم لنا في ديننا و عقيدتنا نحو مستقبل يؤمن بالأقوى، والأكثر إبداعاً وانضباطاً، والأقل عشوائية وخمولاً.

فإذا استطعنا أن نسخّر إمكاناتنا، وأموالنا، ووقتنا في ركوب موجة التغيير، واستنبطنا من علومنا وشريعتنا مقومات لتأسيس نظريات مثالية في الحياة، وثبّتنا نظامنا المالي الإسلامي ليكون مقياساً عالمياً للمعاملات المالية، وأخلاقنا الإسلامية السامية لتكون جزءًا من الحياة العامة، فإننا سنكون قادة الغد، وجزءًا من المستقبل.. وإلا فإننا سنجد أقواماً آخرين تبوءوا زعامة العالم، بأخلاقهم وأفكارهم وفلسفاتهم. فنبقى على هامش الحاضر، ومجرد حلم لمستقبل قد يطول انتظاره.

JoomShaper