مالك فيصل الدندشي
النهضة تتطلب شروطا يجب أن تتحقق في الأمة إذا أرادت أن تنهض من غفوتها التي رزحت تحت كلكلها ردحا من الزمن، وما زالت تعاني منها.
النهضة كما يقول المفكرون تحتاج إلى: إنسان + تراب + منهج = حضارة أو ثقافة، فعلى سبيل المثال: إنسان مسلم + تراب ( ثروات )+ منهج إسلامي = حضارة إسلامية. ثم استخدام المنهج العلمي التجريبي في البحث يسرِّعُ عملية البناء والصعود. وإن مادة كلمة " النهضة " تشي بالرفعة والعلو بعد قعود وجلوس.
الإسلام يمنح الذي يدين به طاقة تبحث عن السعادة في الدنيا والآخرة، ولكل بشروطها وأدواتها ثم تحث على العمل والإخلاص فيه؛ فمن كان في يده فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها وإن علم أن الساعة ستقوم. وما من كتاب حث على إعمال العقل والفكر أكثر من القرآن الكريم كما حفَّزَ المسلم على الاستفادة مما وهبه الله للإنسان من آلات تساعده على إنجاز ما طلب منه من أجل عمارة الكون (السمع، والبصر، والفؤاد (والعقل)، والاستفادة من خيراته لصالح البشر وهذه عبر عنها القرآن بـ (الخلافة) أو (الأمانة) أي أن الإنسان خليفة الله في أرضه يعمرها وفق المنهج الرباني؛ وبذا تتحقق العبادة الخالصة لله تعالى، وتنشأ حضارة ينعم بها سكان الأرض؛
ولقد حققت الأمة هذه المهمة في القرون التي اصطلح عليها بالقرون الوسطى؛ فكانت خيرا على البشرية؛ وتبوأ المسلمون فيها مركز الصدارة، وصارت بلادهم قبلة العالم، ومهوى الأفئدة، ومركز العلوم؛ ثم تخلفت هذه الأمة، وركنت إلى الدنيا، وابتعدت عن مصادر قوتها؛ واستفاد من تراثها، وما قدمته من تقدم في العلم والفكر والثقافة- شعوب كانت فقيرة في كل شيء؛ ولقد أكد هذا أحد المنصفين الغربيين حينما قال: ما من رافد من روافد الحضارة الغربية إلا وللمسلمين لهم فيه نصيب . بتصرف.
وفي ضوء هذه الإضاءة السابقة، وما تشهده الساحة العربية والإسلامية من تململ، وتمرد، وصحوة ويقظة ثم إرادة وثابة لصنع الحياة الجديدة في ضوء الأصالة والمعاصرة - ليحس المتأمل أن شعوب المنطقة تتطلع إلى الحرية والعدالة والكرامة، وتنشد المساواة، وتتعطش إلى مياه الإسلام العذبة؛ وظلال أشجاره ذات الثمار الطيبة والرائحة الفواحة والأغصان الفينانة نريد عدالة عمر، وشجاعة علي، وحلم أبي بكر، وسخاء عثمان، وإخلاص خالد، وعلم ابن العباس، وإيمان ربعي ابن عامر، وبطولة القعقاع، وجهاد أسامة بن زيد، والحرص على الثقافة عند زيد بن ثابت ووووو رضي الله عنهم أجمعين، وهم خير هذه الأمة بعد نبيها، وهذه صفات تميزوا بها (والحقَّ إنهم عدول جعلنا الله معهم في الجنة إن شاء الله تعالى).
النهضة التي ينشدها بعضهم يودون أن ينحوا منهج هذه الأمة جانبا بذريعة العلمانية والديموقراطية والمساواة بين الرجل والمرأة؛ وتطبيق حقوق الإنسان؛ وحفظ ورعاية حقوق الأقليات!! هؤلاء يجهلون أو يتجاهلون نهضة هذه الأمة التي قامت على أساس مبادئ هذا الإسلام العظيم، ولو عادوا إلى فتح فلسطين وسمرقند ومصر وحمص الشام- لعلموا أن دعواهم هذه بهتان عظيم إن الثورات العربية (الربيع العربي) يجب ألا تخجل وهي تقدم الإسلام حلا لمشكلاتها، وعليها أن تعلن ما تريد بدون مواربة ولا لف ولا دوران؛ إذ ما عندنا شيء نستحي منه أو نخاف أن نجهر به، ونتحدى العالم كله أن يأتي بوقت سادت فيه حضارة هذه الأمة؛ ثم انتهكت به قيم الإنسان وحقوقه.
إن العالم ليفخر فضلا عن المسلمين ـ كيف امتعض علي رضي الله عنه عندما قال له القاضي: قم يا أبا الحسن، واجلس بجوار خصمك - لم يُكنِّ القاضي الخصم ـ وعلي هو من هو والخصم كان يهوديا، والشواهد على سمو نهضة الأمة وقيمها تحتاج إلى مجلدات.
وهنا نقطة مهمة أوضحها، وهي بصائر لمن ينشد النهضة: إن الله تعالى خلق لهذه الكون سننا ونواميس لا تتخلف أبدا إلا بمشيئة الله تعالى، ومن أهمها: أن الكون ذو طاقات محايدة مسخرة ومذللة ومهيأة للإنسان في هذه الأرض أي: أن السكين تقطع بيد الكافر والمؤمن، والنار تحرق، والشمس تسطع على الجميع، ويستفيد من ضوئها وحرارتها البر والفاجر، وكل يقدر على توجيه هذه الطاقات إما للخير أو الشر؛ ومن بذل جهدا أكبر لفهم هذه السنن، وتعلمها وكشف أسرارها، وفقه مكنونها، وسعى إلى تطويرها أو تحويرها، أو صياغتها بشكل جديد ليستفيد منها أو يُضر غيره بها – تبوأ المنزلة التي هي نتيجة هذا البذل والجهد،ولا ريب أن منهج الله تعالى الذي يتحرك به جند الله المؤمنون - إن تمكنوا قبل غيرهم من الوصول إلى كنوز الكون عبر العلم والعمل – سيبنون حضارة خير ونهضة تعمير لهذا الكون محققين خلافة الله تعالى التي هي أمانة في ذمة الإنسان ، وستسعد البشرية بهذه النهضة؛ وإن حصل غير ذلك – مما نشاهده الآن من سيطرة الغرب على طاقات الكون بسبب تقصير المسلمين – فستشقى البشرية جميعا، وستظل في حالة توتر وخوف ومرض وفقر، وتسلط الظالم على المظلوم، واستكبار فئة على بقية الشعوب، وهيمنة قوة على كل القوى التي دونها، وستقوم حروب وحروب كي يسود منطق الكبر والظلم والطغيان؛ وعلينا ألا ننخدع بمظاهر هذه النهضة الغربية التي ربما جلبت للإنسان الراحة المادية (ولم تنعم بها كل البشرية)؛ ولكنها مسخت قيم الإنسان، وأحلت محلها قيما بهيمية (والله كرم الإنسان).
إن الحديث عن هذا الموضوع يتطلب كتبا كي توفيه حقه، ولكني في ضوء ما يسمى بالانتفاضة العربية الكبرى آمل أن ينتفض العرب والمسلون، وكل إنسان ذي فطرة ما زال فيها رصيد من خير- أن ينتفضوا كي ينادوا بدون خجل ولا تردد أن: عد أيها الإنسان إلى ربك إلى منهجه الذي ما أنزل إلا لإسعادك دنيا وآخرة، وقد جربت مناهج كثيرة فلم تفلح، يجب أن تتحرر من التقليد, والعصبية، والجهل، وظلمك لنفسك، ينبغي أن تتسلح بسلاح العلم والفقه، والعدالة وأن تحرر نفسك من كل الطواغيت المادية والمعنوية ما خفي منها وما ظهر؛ وأن تعمل عقلك، وأن تستضيء بنور الحق؛ إذ أنت مسؤول عن عملك.
قد يقول قائل: وقد يطرح غيرك مثل هذا الكلام من وجهة نظره، فأقول له: والله لو خُلِّيَ بين الناس ودين الله تعالى ما اختاروا غيره كما حدث في النهضة الأولى للمسلمين، ولكن أصحاب القوة المتجبرة يحولون بينهم وبين هذا الدين العظيم؛ ولهذا شُرِعَ الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لا لإلزام الناس بعقيدة الأمة؛ وإنما لإزاحة كل ما يحول بين النظر الحر البعيد عن كل الضغوط، وبين الإنسان الراغب في الحقيقة؛ ولذلك شاهدنا خلال مدة وجيزة دخول الناس في نهضة الأمة الأولى طوعا واختيارا، والشاهد على صدق دعواي أن انحسار السلطان السياسي للإسلام عن الشعوب التي دخلت في الإسلام أيام العز والقوة؛ لم نجدهم قد تخلوا عن هذا الدين على الرغم مما تعرضوا له من أذى حينما انحسر حكم الله عنهم، وتسلط عليهم من ليس منهم.
إن على أصحاب الانتفاضة العربية أن يقدموا المشروع الحضاري لنهضة الأمة مستفيدين من كل الطاقات المحايدة والخيرة، وتوجيهها الوجهة الصحيحة غير مبالين بقول فلان وعلان، ولا بتهديد زيد أو عمر، نريد أن تحقق هذه النهضة الجديدة الحضارة الإسلامية الخيرة المخلصة المسعدة التي سيرحب بها بنو البشر من جديد، ولكن لا بد من تربية جيل يؤمن بمبادئ الإسلام إيمانا يلابس شغاف قلوبهم؛ وضمائرهم، وعقولهم، وأجسادهم، وأرواحهم، وأن يجعلوا رضا الله تعالى هو هدفهم الأسمى، فلا أحد يعلو بعرق ومنصب؛ ولا نظام يقضي بشتى الخرائب، ولا أحد يعلو بالقهر والتسلط ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم))سورة الحجرات.
هل تنهض الأمة بعد الربيع العربي؟!
- التفاصيل