د. فهد بن إبراهيم الضالع
قبل العاصفة
قال الله تعالى: "قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ"سورة يوسف 5. فكأن يعقوب عليه السلام نظر للمستقبل القادم أن يوسف سيتميز، فحين أدرك أن أمرا سيكون، علم أنه لابد للمجد من تضحية، ولا بد للتميز من تعب ونصب، وأنه بقدر التحمل تنال المعالي، فأراد أن يحصن يوسف عليهما السلام ببيان استباقي، ويوطنه لبلايا جسام ستمر به، كإسار البئر وابتلاء العرض، ولبثه في السجن بضع سنين.
1- قدر المميزين أن يخوضوا معارك الحسد، بقدر تميزهم وكلما قرب الأقران اشتد أوار العداوة.
2- أن الغيرة تعمي أهلها بشكل غريب، وحين يبلغ الحنق والغضب بالمعتدي فإنه لا يفرق بين عذاب وأذية؛ ولذلك ترك يعقوب الكيد مفتوحا " فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا" فيدخل فيه كل كيد.
3 - قد تكون الأمور في الحقيقة صغيرة جدا؛ فيظل الشيطان ينفخ فيها وكأنه مقوٍ يريد من الشرر إضرام النار. فيظل ينفخ وينفخ حتى تأتي النار على كل شيء. فللشيطان دور في الضغائن عجيب ولذلك لما يئس أن يعبد في جزيرة العرب بقي له التحريش، واسألوا عن تلك العلاقات المهترئة تحت مظلة التحريش!
ولذلك أوشك محمد صلى الله عليه وسلم أن يخبر بتحديد ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت!!
ويبقى تساؤل: كم هم الذين يحمِّلون الشيطان مسؤولية العداوات؟ أظنه لا يكاد يوجد بقدر ما يحمل الإخوان كل الأحمال!!
* * *
وصفة نبوية
روى الإمام أحمد في مسنده، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ؛ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ" يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا. قَالَ: فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ. قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟ قَالُوا بَلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ، قَالَ: أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا. والحديث رواه أيضا البخاري مختصرا في المغازي(4337) و رواه مسلم 1059.
1 - "ولم يكن في الأنصار منها شيء فكثرت القالة وفشت، حتى قال قائلهم أمَّا رسول الله فقد لقي قومه"
هاهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاهنا أصحابه رضي الله عنهم، ومع ذلك قال منهم أحد هذه المقولة ومؤداها: أنه لقي قومه وأهله ونسيهم في الغنيمة!
إن محمدا صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي ومن خلال مصدر قوته من الناس ـ عبر السنين ـ الأنصار تعتريهم آدميتهم فينسون.
2 - "قال فأرسل إلى سعد بن عبادة فقال: ما مقالة بلغني عن قومك أكثروا فيها قال: فقال له سعد: فقد كان ما بلغك قال فأين أنت من ذلك؟ قال: ما أنا إلا رجل من قومي قال فاشتد غضبه".
هذه مبكية في الحقيقة، وتدل على تمام تلك الشخصيات القيادية من حيث الصدق والصراحة والوضوح، وتولي مسؤولية الناس، فلم يضعف سعد رضي الله عنه أو يجامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يبدي له شيئا آخر ومع أنه يعنيه رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل سبب لدخوله الجنة لم يترك قناعته ورأيه!
فكم من موظف يعنيه التزلف والتسلق والتقرب لمسؤوله ومديره على حساب الناس أو الأمانة؟؟ ناهيك عن القناعة والديانة!
3 - "قَالَ: فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ. وفي رواية: اجمع قومك ولا يكن معهم غيرهم، قال فجمعهم في حظيرة من حظائر النبي صلى الله عليه و سلم وقام على بابها وجعل لا يترك إلا من كان من قومه وقد ترك رجالا من المهاجرين وزاد أناسا".
سبحان الله.. هذه شريعة للمتعاتبين المتحابين ينطق بها هذا الأسلوب النبوي إلى يوم القيامة. وهي الانفراد عن الناس.
وخلو المكان من كل أحد ليس له علاقة بالعتاب. حتى تتهيض (تجبر كسر) كل نفس تشعر بالقرح فتذيبه، من خلال الحوار الدافئ، والمساءلة التصحيحية، فالنفس حين تداري من ليس طرفا في قضيتها تتفاقم حاجتها، فإن نطقت لم تفصح وإن سكتت فتتها الحزن وكثرة مصارعة الألم!!
4 - "ثم جاء النبي صلى الله عليه و سلم يعرف في وجهه الغضب، فقال: يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله، فجعلوا يقولون نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. يا معشر الأنصار ألم أجدكم عالة فأغناكم الله، فجعلوا يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، يا معشر الأنصار ألم أجدكم أعداء فألف الله بين قلوبكم؟ فيقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله".
محمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم مؤيد بالوحي، وهو أفضل المخلوقات ثم يُستفز في وفائه صلى الله عليه وسلم فيذكِّر أصحابه الأطهار أنهم أشد حاجة إليه من أنفاسهم التي يشهقون ويزفرون وأنه لولا الله ثم هو لكانوا وكنا من بعدهم أسرى للضلال، والظلمات.
ثم انظر إلى أولئك المجروحين كيف يتعاطون مع عظمة التذكير بالفضل الذي يستحق الذكر والتذكير: "نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله" وبهذه الكلمات وبقلوب تخرجها كانوا أهلا لقربه وأن يكونوا خير القرون.. استعاذوا بالله من غضب الله حين أغضبوا رسوله صلى الله عليه وسلم. واستعاذوا بالله من غضب رسوله صلى الله عليه وسلم..!
5 - " فقال ألا تجيبون"
لما ذكر فضله عليهم صلى الله عليه وسلم وكأنما يده الكريمة تتغلغل في قلوبهم، فتلتمس تلك الجروح الباطنة فيأذن لها للتنفس وتخرج للهواء الطلق لترتاح النفوس وتستعيد صفاءها وقوتها فيريدهم أن يتحدثوا عن تلك الخواطر التي ترسبت في نفوسهم ليغسلها ويبلل جفاء قلوبهم، وينقي أرواحهم ويعيد تأهيلهم لينطلقوا من جديد.
وهكذا هي النفس إن حُبست. انحبست!
6 - " قالوا الله ورسوله آمن وأفضل"
سبحان الله، موقف يستفز الدموع، ويثير العبرات، أصحابه رضي الله عنهم يدركون أي شيء يجدون ولو تحدثوا لبينوا، ولكنهم يدركون أيضا أن المنة هي لله ورسوله أولا وآخرا، فنور الهداية والنجاة من النار ليس فيه مقايضة ولا مجاراة.
تأمل كيف يكون الأدب الرفيع مع مقام النبي صلى الله عليه وسلم، بسرعة غريبة ذكروا مصطلح (المنة)، ثم تنصلوا منه ونسبوا الفضل لأهله وأنه ليس لهم فضل. ولم يفكر أحد منهم بذكر فضيلة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم!
7 - "فلما سري عنه قال: لو شئتم لقلتم فصدقتم، ألم نجدك طريدا فآويناك، ومكذبا فصدقناك، وعائلا فآسيناك ومخذولا فنصرناك، فجعلوا يبكون ويقولون: الله ورسوله آمن وأفضل، قال أوجدتم من شيء من دنيا أعطيتها قوما أتألفهم على الإسلام ووكلتكم إلى إسلامكم".
يالروعة الموقف، اللهم صلِّ على محمد!!
مبادرة من هو عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم!!
مبادرة تخرس دونها الألسن، وتحار حولها الأقلام!!
حين يتمسكون بعدم الإدلاء عليه بالمنة صلى الله عليه وسلم وهي حاجة في نفوسهم حين يرون الدنيا توزع في أيدي أهله من أهل مكة.. وهم لم يعطوا شيئا!!
سبحانه الله!
وكأنه بأصبعه الشريفة يشير إلى كل نزيف جرح من كل قلب فيهم، فيصفيه ويطفئ عنه لهيب الألم، فيجعل من نفسه الشريفة مكان نفوسهم، فيذكر أفضالهم عليه عبر النصرة والتأييد وكل شيء، ويتحدث عن ذواتهم بطريقة أفصح منهم. فيسل أدران القلوب وحاجات النفوس، بطريقة الطبيب الحاذق الرحيم المشفق الذي يعرف فضله على الناس ويشهر فضل الناس عليه.
ولذلك حينما قال ما قال، وأوقد في قلوبهم وفي الحظيرة نيران الوفاء لهم أيام فدوه بأنفسهم. وقدموا حاجته على حاجتهم. انخرطوا في البكاء حتى بللوا لحاهم رضي الله عنهم ..!!
* * *
اعتذار وعفو!!
"وَكَانَ مِمّنْ لَقِيَهُ فِي الطّرِيقِ ابْنُ عَمّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ لَقِيَاهُ بِالْأَبْوَاءِ وَهُمَا ابْنُ عَمّهِ وَابْنُ عَمّتِهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُمَا؛ لِمَا كَانَ يَلْقَاهُ مِنْهُمَا مِنْ شِدّةِ الْأَذَى وَالْهَجْوِ، فَقَالَتْ لَهُ أُمّ سَلَمَةَ: لَا يَكُنْ ابْنُ عَمّكَ وَابْنُ عَمّتِك أَشْقَى النّاسِ بِك، وَقَالَ عَلِيّ لِأَبِي سُفْيَانَ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ: ائْتِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقُلْ لَهُ مَا قَالَ إخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ: "تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنّا لَخَاطِئِينَ" (سورة يُوسُفَ 91) يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْهُ قَوْلًا فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ" سورة يُوسُفَ 92 فَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَبْيَاتًا مِنْهَا:
لَعَمْرُك إنّي حِينَ أَحْمِلُ رَايَةً لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللّاتِ خَيْلَ مُحَمّد
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ هَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى فَأَهْتَدِي
هَدَانِي هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَدَلّنِي عَلَى اللّهِ مَنْ طَرّدْتُ كُلّ مُطَرّد"
وهاهنا خطأ واضح وظلم ومجاوزة، فيأتي المذنب يعرض نفسه ويقبل بين يدي صاحب الحق وقبله يستشير أصحابه والمقربين منه كيف يقطف عفوه ويأمن غضبه!
ولأن أخاه صلى الله عليه وسلم يوسف عليه السلام قال لأخوته: "لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" كرر ذات الموقف محمد صلى الله عليه وسلم مع ابن عمه أبي سفيان" حسنه الألباني في فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي.
وهذا يبعثني لاستعراض ما ابتدأت به وهو حال يوسف عليه السلام مع إخوته.
حين كاده إخوته ورموه بالبئر وظلموه ووقع عليه ألوان من فتن الدنيا ليس يصمد أمامها إلا المصطفون الأخيار. وفي بداية اللقاء حين عرفهم وهم له منكرون، وجميع ما بعده من أحداث.. لم يباشرهم بملام ولا كلام يتعلق بأذيتهم له، أو يأخذهم بسلطانه وسطوته.
إنه حين غصت روحه باستذكار التاريخ، وشرقت نفسه بمرارة الألم. قال: "أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون" ولكن!
قالها في نفسه: "فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم".
وانظر إلى جمال العفو.. وروح الأخوة في نهاية القصة : "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ"
فأين عذاب السنين؟؟!!
وأين: هيت لك؟؟
وأين: في السجن بضع سنين؟؟!
وأين: ألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة؟؟
كله عبر السنين بسبب إخوته، وانظر في الآية هنا كيف يذيب كل ألمه على هامة الشيطان "نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي"
فرفع مقام أخوته من أذية اللوم ومن إدلائه بعفوه عنهم ..وجعل نزغ الشيطان هو المسؤول الأول ـ كما حصنه أبوه ـ وهو المسؤول في النهاية كما هو منطق الكرام.
للتصحيح فن
- التفاصيل