سؤال تفكرت فيه : كيف ندعو فيستجيب الله على الفور ؟!! فبحثت عن كلمتي "فإستجاب" و "فإستجبنا" ... فبحثت عن موضوع يتحدث عن ما تفكرت به ، فوجدت هذه المقالة فأحببت أن أشارككم بها فإقرأوها وأدعوا لي ...
يقول تعالى في محكم الذكر الحكيم يخاطب حبيبه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) - [سورة البقرة : الآية 186] ... وهذا يدل على أن الله قريب منا يسمع دعاءنا ويستجيب لنا ... ولكن الذي لفت إنتباهي أن الله يجيب الدعاء فكيف نستجيب له تعالى : (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) وهل هو بحاجة لإستجابتنا ؟!! من هنا نستطيع أن نستنبط أن الله يدعونا إلى أشياء ويجب علينا أن نستجيب له ، وبالتالي إذا استجبنا لله سوف يستجيب لنا ... فما هي الأشياء التي يجب أن نعملها حتى يُستجاب دعاؤنا ؟!!
إذا تأملنا دعاء الأنبياء والصالحين في القرآن الكريم ، نلاحظ أن الله قد إستجاب كل الدعاء ولم يخذل أحداً من عباده ، فما هو السرّ ؟!!
لنلجأ إلى سورة الأنبياء ونتأمل دعاء أنبياء الله عليهم السلام ، وكيف إستجاب لهم الله سبحانه وتعالى ...

هذا هو سيدنا نوح عليه السلام يدعو ربه أن ينجيه من ظلم قومه ، يقول الله تعالى : (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) - [سورة الأنبياء : الآية 76] ... وهنا نلاحظ أن الإستجابة تأتي مباشرة بعد الدعاء ...

ويأتي من بعده سيدنا أيوب عليه السلام بعد أن أنهكه المرض فيدعو الله أن يشفيه ، يقول الله تعالى : (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) - [سورة الأنبياء : الآية 83-84] ... وهنا نجد أن الإستجابة تأتي على الفور فيكشف الله المرض عن أيوب عليه السلام ...

ثم ينتقل الدعاء إلى مرحلة صعبة جداً عندما كان سيدنا يونس في بطن الحوت !!! فماذا فعل وكيف دعا الله وهل إستجاب الله تعالى دعاءه ؟!! يقول تعالى : (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَإسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) - [سورة الأنبياء : الآية 87-88] ... إذن جاءت الإستجابة لتنقذ سيدنا يونس من هذا الموقف الصعب وهو في ظلمات متعددة ، ظلام أعماق البحر وظلام بطن الحوت وظلام الليل ...

أما سيدنا زكريا فقد كان دعاؤه مختلفاً ، فلم يكن يعاني من مرض أو شدة أو ظلم ، بل كان يريد ولداً تقر به عينه ، فدعا الله : (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَإسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) - [سورة الأنبياء : الآية 89-90] ... وقد إستجاب الله دعاءه مع العلم أنه كان كبير السنّ ولا ينجب الأطفال ، وكانت زوجته أيضاً كبيرة السن ، ولكن الله قادر على كل شيء ...

والسؤال الذي طرحته : ما هو سرّ هذه الإستجابة السريعة لأنبياء الله ، ونحن ندعو الله في كثير من الأشياء فلا يُستجاب لنا ؟!! لقد أخذ مني هذا السؤال تفكيراً طويلاً ، وبعد البحث في سور القرآن الكريم وجدت الجواب الشافي في الآية (90) من سورة الأنبياء ذاتها ... فبعدما ذكر الله تعالى دعاء أنبيائه وإستجابته لهم ، قال عنهم : (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) ... وسبحان الله !!! ما أسهل الإجابة عن أي سؤال بشرط أن نتدبر القرآن الكريم ، وسوف نجد جواباً لكل ما نريد ...

من هذه الآية الكريمة نستطيع أن نستنتج أن السرّ في إستجابة الدعاء هو أن هؤلاء الأنبياء قد حققوا ثلاثة شروط وهي :

1- المسارعة في الخيرات
الخطوة الأولى على طريق الدعاء المستجاب هي الإسراع للخير : (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) ... فهم لا ينتظرون أحداً حتى يدعوهم لفعل الخير ، بل كانوا يذهبون بأنفسهم لفعل الخير ، بل يسارعون ، وهذه صيغة مبالغة للدلالة على شدة سرعتهم في فعل أي عمل يرضي الله تعالى ... وسبحان الله ، أين نحن الآن من هؤلاء ؟!!
كم من المؤمنين يملكون الأموال ولكننا لا نجد أحداً منهم يذهب إلى فقير ، بل ينتظر حتى يأتي الفقير أو المحتاج وقد يعطيه أو لا يعطيه – إلا من رحم الله ... وكم من الدعاة إلى الله يحتاجون إلى قليل من المال للإنفاق على دعوتهم لله ، ولا تكاد تجد من يدعمهم أو يعطيهم القليل ، والله تعالى ينادينا جميعاً فيقول : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) - [سورة البقرة : الآية 245].

ليسأل كل واحد منا نفسه : كم مرة في حياتي ذهبتُ وأسرعت عندما علمتُ بأن هنالك من يحتاج لمساعدتي فساعدته حسب ما أستطيع ؟!!
كم مرة سارعتُ إلى إنسان ضال عن سبيل الله فنبّهته ، ودعوته للصلاة أو ترك المنكرات ؟!!
بل كم مرة في حياتي تركتُ الدنيا ولهوها قليلاً ، وأسرعتُ فجلستُ مع كتاب الله أتلوه وأحاول أن أحفظه ؟!!
فإذا لم تقدّم شيئاً لله فكيف يقدم لك الله ما تريد ؟!! إذن فعل الخير أهم من الدعاء نفسه ، لأن الله تعالى قدّم ذكر المسارعة في الخير على ذكر الدعاء فقال : (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا) ...

2- الدعاء بطمع وخوف
الخطوة الثانية هي الدعاء ، ولكن كيف ندعو : (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) ... الرَّغَب أي الرغبة بما عند الله من النعيم ، والرَّهَب هو الرهبة والخوف من عذاب الله تعالى ، إذن ينبغي أن يكون دعاؤنا موجّهاً إلى الله تعالى برغبة شديدة وخوف شديد ...
وهنا أسألك أخي القارئ : عندما تدعو الله تعالى ، هل تلاحظ أن قلبك يتوجّه إلى الله وأنك حريص على رضا الله مهما كانت النتيجة ، أم أن قلبك متوجه نحو حاجتك التي تطلبها ؟!! وهذا سرّ من أسرار إستجابة الدعاء ...
عندما ندعو الله تعالى ونطلب منه شيئاً فهل نتذكر الجنة والنار مثلاً ؟!! هل نتذكر أثناء الدعاء أن الله قادر على إستجابة دعائنا وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ؟!! بل هل نتذكر ونحن نسأل الله أمراً ، أن الله أكبر من هذا الأمر ، أم أننا نركز كل إنتباهنا في الشيء الذي نريده ونرجوه من الله ؟!! لذلك لا نجد أحداً من الأنبياء يطلب شيئاً من الله إلا ويتذكر قدرة الله ورحمته وعظمته في هذا الموقف ...

فسيدنا أيوب بعدما سأل الله الشفاء قال : (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، وسيدنا يونس والذي سمَّاه القرآن (ذَا النُّونِ) والنون هو الحوت ، الغريب في دعاء هذا النبي الكريم عليه السلام أنه لم يطلب من الله شيئاً !!! بل كل ما فعله هو الإعتراف أمام الله بشيئين : الأول أنه إعترف بوحدانية الله وعظمته فقال : (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ) ... والثاني أنه أعترف بأنه قد ظلم نفسه عندما ترك قومه وغضب منهم وتوجه إلى السفينة ولم يستأذن الله في هذا العمل ، فأعترف لله فقال : (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ... وهذا هو شأن جميع الأنبياء أنهم يتوجهون بدعائهم إلى الله ويتذكرون عظمة الله وقدرته ويتذكرون ذنوبهم وضعفهم أمام الله تبارك وتعالى ...

3- الخشوع لله تعالى
والأمر الثالث هو أن تكون ذليلاً أمام الله وخاشعاً له أثناء دعائك ، والخشوع هو الخوف : (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) ... وهذا سرّ مهم من أسرار إستجابة الدعاء ، فبقدر ما تكون خاشعاً لله تكن دعوتك مستجابة ... والخشوع لا يقتصر على الدعاء ، بل يجب أن تسأل نفسك : هل أنت تخشع لله في صلاتك ؟!! وهل أنت تخاف الله أثناء كسب الرزق فلا تأكل حراماً ؟!! وهنا ندرك لماذا أكّد النبي الكريم على أن يكون المؤمن طيب المطعم والمشرب ليكون مستجاب الدعوة ...

هل فكرت ذات يوم أن تعفوَ عن إنسان أساء إليك ؟!! هل فكرت أن تصبر على أذى أحد إبتغاء وجه الله ؟!! هل فكرت أن تسأل نفسك ما هي الأشياء التي يحبها الله حتى أعملها لأتقرب من الله وأكون من عباده الخاشعين ؟!!
هذه أسئلة ينبغي أن نطرحها ونفكر فيها ، ونعمل على أن نكون قريبين من الله وأن تكون كل أعمالنا وكل حركاتنا بل وتفكيرنا وأحاسيسنا إبتغاءاً لوجه الله لا نريد شيئاً من الدنيا إلا مرضاة الله سبحانه ، وهل يوجد شيء في هذه الدنيا أجمل من أن يكون الله قد رضي عنك ؟!!

وأخيراً ، أخي الكريم ... أختي الكريمة
هل ستسارعوا من هذه اللحظة إلى فعل الخيرات ؟!! وهل ستتوجهوا إلى الله بدعائكم بإخلاص ؟!! تدعوه وأنتم موقنون بالإجابة ، وترغبون بما عنده وتخافون من عذابه ؟!! وهل ستخشع قلوبكم أمام كلام الله تعالى ، وفي دعائكم ، وهل ستخافون الله في جميع أعمالكم ؟!!

إذا قررتم أن تبدأوا منذ الآن بتطبيق هذا الدرس العملي ، فإنني أخبركم وأؤكد لكم بأن الله سيستجيب دعاءكم ، وهذا الكلام عن تجربة مررت بها قبلكم ، وكان من نتائجها أن أكرمني الله بأكثر مما أسأله ... وأعلموا أخيراً أن الدعوة التي لم تستجب لكم في الدنيا ، إنما يؤخرها الله ليستجيبها لكم في الآخرة عندما تكون بأمس الحاجة لأي شيء في ذلك اليوم ، أو أن الله سيصرف عنكم من البلاء والشر والسوء ما لا تعلمونه بقدر هذا الدعاء ... وندعو بدعاء المتقين الذين حدثنا القرآن الكريم عنهم : (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) - [سورة آل عمران : الآية 193-194].
==

JoomShaper