محمد صالح البدراني
نؤمن تمامًا أنَّ الله قادرٌ على رفع أيّة معاناة عن رسوله عليه الصلاة والسلام، ونُؤمن تمامًا أنَّ السيرة بمعاناة رسول الله وصحبه كانت لتنير لنا معنى أنَّ معاناة قيامه هي ضمن طاقة البشر؛ لأنَّ من نقل رسول الله في الإسراء والمعراج وأعاده ولم يكد يمضي وقت من حسابنا الأرضي ورأى كل تلك التفاصيل، قادر حتما أن ينقل رسول الله وصاحبه مابين غفلة العين وانتباهتها ليكونا بالمدينة، إنَّما الإرادة في المعنى المراد أنَّ الطريق هناك كان مسيرة لإعلان التغيير والدولة, كانت المسيرة تحقيقًا لما وضعت أسسه في بيعة العقبة، كانت تعظيمًا للثبات ولتخرج أول مظاهرة تستقبل قائدًا, وليحل حاكما لأول مرة في تاريخ العرب في مكان, وهو ليس من ذات العشيرة!
مسيرة ليست يسيرة ومطاردة شرسة, فقد عزم القوم على وضعٍ خطير، عزموا على أن ينفذوا اغتيالاً سياسيًّا، فجندوا الجنود والمرتزقة, إذ لم يعد الحجر على الأتباع ينفع, ولم تعد له أهمية!
لم يكن رسول الله هاربًا، وهل يتذكر الهارب أمانات مخالفيه!، إنما كان يرتحل بهجرته إلى مرحلة من مراحل التمكين, إلى حيث يتجمع المؤمنون, ليعلن أنه سيغير الجاهلية بالنور الإلهي الموحَى من السماء!
ووضع لنا في هذا أمرًا ما زال الجهل والجاهلية لم يدركوه, ألا وهو الوثيقة، لحظة الوصول، ولحظة إنشاء الكيان الجديد، دولة مواطنة مدنية, بأول دستور ينبثق عن الفكر الإسلامي!
ويبقى البعض يتساءل عن الإسلام والدولة الدينية, وهم يسقطون علينا تاريخًا غير تاريخنا, ودينًا غير الإسلام, ودولة غير دولة الإسلام!
لا تحتاج الثورات العربية والتي برز فيها الإسلاميون لأن تتعهد بأن تقيم دولة مدنية, لأن دولة الإسلام لم تكن يومًا إلا دولة مدنية, لم تكن إلا دولة مواطنة من الدرجة الأولى, أما إسقاط مصطلحات الغرب, وعُقَده التاريخية على المفاهيم الإسلامية, فلا نرى فيها إلا مسايرة الأحمق لإقناعه بحقيقةٍ لا يفهمها!
لم يكن دليل رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم مسلمًا, ولا كان سراقة متتبعه مسلمًا, ولم تكن صاحبة النعجة العقيم من المسلمين، لكن الأمانات التي ردّها لم تك أمانات مسلمين، وهي دليل الثقة به من مخالفيه رغم السنين.
في الهجرة نفر الرجال والنساء، وفي ساحات التغيير نرى اليوم الرجال والنساء, نرى نساء الحركة الإسلامية وهنّ أشد وقعًا وتأثيرًا ودعمًا!
لم يرحل الرسول صلى الله عليه وسلم بكراهية وحقد, وإنّما رحل وهو يحب مكة ويحب أهلها، غادر الجهل والجهالة وسطوتهما، غادر من غياهب سلطة النفوذ وجبروت المكانة والسلطة التي ما كان ليتخلى عنها أسياد مكة إلا راغمين، واليوم ومع تقدم وسائل النقل والاتصالات, لا نحتاج إلى هجرة تغيير بل هجرة بوسائل التطور المدني إلى حيث نتكامل مع بعضنا أينما كنا في المعمورة ننسق حراكنا، نعمل كما يعمل شباب الثورة اليوم كرحلة الطيور نحو أهدافها, يتقدمها من يتحمل الراحلة مسافة من الحراك, ليطير السرب برافعة بعضه, ثم يتراجع لآخر السهم ليتقدم آخر, وهكذا إلى أن تصل المسيرة.
إنّها رحلة صناعة التاريخ، رحلة صناعة أنماط جديدة في الحراك والقيادة، رحلة الفهم التي تقود إلى التغيير عندما لا نهرب من جوع البطون ولا من الجزع، ولا يأسًا من حياة, وإنما لصناعة الحياة التي نرضاها, ووضع هوية النهضة لأمة تتحرك وتعلن وجودها في الأرض من جديد!
ويبقى الطغاة كما فرعون لا يدركون الحقائق إلا لحظة الغرق ليستسلموا ويسلموا للحق والله يعلم ما في القلوب!
إنَّ الهوى في النفوس يُخفي الحقائق.
إن الشجاعة في الانتصار على مخاوف الذات ستواجه الملمات.
إنّ الصدق هو أن لا تخدع نفسك.
إن حب البلاد أن ترى نفسك من خلالها وليس أن تراها من خلال ذاتك.
فلا يخدع الطغاة أنفسهم بكلام لم يعد ليضفي إلا مزيدًا من الخداع لأنفسهم، ومن أراد التوبة فليتب لربه قبل أن يبرئ نفسه للناس، فإن صدقت ورفض البشر توبتك, فيكفيك ذلك ربحًا, أنَّك تبت إلى الله.
الهجرة النبوية والثورات العربية
- التفاصيل