شريفة الغامدي
في الوقت الذي يلفظُ فيه هذا العامُ أنفاسه الأخيرة، تتوالَى التهاني بقُرب ميلاد العام الجديد، وتتوالى الأُمنيات بعام سعيد مجيد، مَلِيءٌ بالأفراح وخالٍ من الأتراح.
وتَمتلئ أجهزة الهواتف بأنواع الرسائل المتسابقة؛ لتكون أوَّل مَنْ يهنِّئ، وأوَّل مَنْ يُبارك ميلاد العام القادم، بينما لا تَرِد لأيٍّ منَّا رسالة تعزية واحدةٍ في العام الفقيد، الذي تسرَّبتْ منَّا أيَّامه ونحن في غفلة، وها هي لحظاته الأخيرة تتهاوى من بين أيدينا ولا ندري أكنَّا فيه من المحسنين أم من المُسيئين؟ أكنا من المقبولين أم من المردودين؟!
ما جَدْوى التهنئة بعامٍ لا ندري إن كنَّا سنقفُ على أعتابه أم لا؟!
ما جدوى التهنئة بعامٍ لا ندري ما تحملُ لنا أيَّامه، فلا نعلم أعام فرح هو أم حزنٍ؟! أعام إساءة أم إحسان؟! أعام كرامة أم ذُلٍّ؟
لو استُبْدِلت بهذه التهنئة دعوة أن يقبل الله ما كان من أعمالنا، ويَغفر ما فات من زَلاَّتنا، ويوفِّقنا فيما هو آتٍ - لنُحسن فيما بَقِي من أعمارنا - لكان أحرى.
خلال هذا الأسبوع الذي هو الأسبوع الأخير من هذا العام، مرَّت بنا ثلاثة أحداث مريعة، الأوَّلُ: حريق مدرسةٍ أودى بحياة بعض المعلِّمات، والآخران حادثان مُفترقان لحافلتين تحملان عددًا من الطالبات في المرحلة الجامعيَّة، أحدهما: لَم تُنجُ منه سوى طالبة واحدة، بينما لَقِيت اثنتا عشرة طالبة مصرعهنَّ، والحادث الآخر: توفِّيت على إثره ثلاث طالبات - رَحِمهنَّ الله جميعًا.
ترى كم واحدة منهنَّ تلقَّت تهنئة بقُرب العام الجديد؟! وكم واحدة منهنَّ أعدَّت الخُطط للعام الجديد؟! كم من الأحلام نسجت؟ وكم من الآمال بنت؟! آمالنا وأحلامنا أبعد من آجالنا، وأطول من أعمارنا.
والأملُ هو حادي الأرواح ومُستحثها للعمل والبناء، والنهوض وتَرْك الدَّعة، ولكنه إن تُرِكَ لهُ العِنان، شَغَل الإنسان بدنياه، وأنساه آخرته، فانساق وراء آماله وتَبِعها، وألْهَته تلك الآمال عن العمل وعن قُرب الأجل، وعلى الضِّدِ من ذلك إنْ قلَّ أمله، انتَفَضَ قلبه وأقبلتْ نفسه على الله، ومَن أدركَ أنه عابر سبيل، وأنه لا بدَّ مُرتحل، قلَّ أملُه وطمعُه في الدنيا، وأقبل على العمل لِمَا بعد الموت؛ كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: "إذا أمسيتَ فلا تَنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء".
خطَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - خطًّا مربَّعًا، وخطَّ خطًّا في الوسطِ خارجًا منه، وخطَّ خُطُطًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط مِن جانبه الذي في الوسط، وقال: ((هذا الإنسان، وهذا أجَلُه محيطٌ به، أو قد أحاطَ به، وهذا الذي هو خارجٌ أملُه، وهذه الخُطُط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا، نَهَشه هذا، وإنْ أخطأه هذا، نَهَشه هذا))؛ رواه البخاري.
ويا للعجب من أمر هذا الإنسان الذي تَنهشه النوائبُ وتعترضه، وتُكَدِّر عيشه، ومع ذاك يؤمِّلُ آمالاً طوالاً، تفوق ما قُدِّرَ له من العُمر!
لو وقَفنا لحظة ونظرَنا قبل أن نَلِج العام الجديد، وتساءَلْنا: ما الذي فعلناه؟ وما كانَ يجبُ أن نَفعله؟ وما الذي تركناه؟ وما كانَ يجبُ أن نتركَه؟ ما الذي قدَّمناه لأنفسنا؟ وما الذي قدَّمناه لغيرنا؟ ماذا فعلنا للدنيا؟ وماذا فعلنا للآخرة؟ ماذا؟ وماذا؟
لو حاسَبنا أنفسنا جيِّدًا على ما قدَّمته في عامها المُنصرم - لتَتداركه في عامها القادم - لكان هذا خيرًا من تَهْنئتها بعام تُضيفه إلى سابقيه دون اختلاف أو تغييرٍ.
وما العِبرة في كمِّ السنوات التي نُراكمها، بل العِبرة بكمِّ الأعمال التي نُبادرها ونكسب بها الحسنات، ونعلو بها الدرجات.
عاشَ سعدُ ابن معاذ - رضي الله عنه - ستَّ سنوات فقط في الإسلام، ولكنه عَمِل فيها ما اهتزَّ له عرش الرحمن، فماذا عَمِلنا نحن في عشرين أو ثلاثين أو خمسين عامًا أو أكثر عشناها في الإسلام؟!
الأيام تتوالَى والسنون تتتالَى كحبَّاتِ "سبحة" تكرُّ من بين الأنامل، وتتساقطُ تِباعًا، فإذا ما انتهتِ الحبَّات وانقَضَت السنوات، وافانا هادمُ اللَّذات مُعلنًا نهايةَ هذه الحياة، فما الذي أعْدَدناه لما بعد الممات؟!
عام مضى وآخر آت وهكذا تمضي السنوات
- التفاصيل