رضى الحمراني
لقد وصف القرآن الكريم الكيفية التي يُؤثّر بها ضعف أو قوة الإيمان في الحالة النفسية للإنسان، وبناءً على ذلك حدّد الله جل علاه ثلاث صفات أساسية في النفس البشرية، وقد عبّر عنها في ثلاث سُور قرآنية وهي: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر:27–28]، {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة:1–2]، {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف:53]، ويتقلّب مزاج الإنسان بين هذه الحالات النفسية الثلاث؛ فتراه أحياناً مُطمئنّاً وأحياناً أخرى مُستاءً من نفسه أو مُسيئاً لها، ويبدو في بعض الأوقات لوّاماً مُنتقِداً ومُحاسِباً لذاته عمّا ارتكبه من أخطاءٍ وزلات، ولكن رغم هذا التقلّب المستمر إلا أن أحد هذه الصفات النفسية هي التي تغلب على شخصية ابن آدم ويُعرف بها بين الناس، فما هي يا ترى أهم الخصائص التي تُميّز كل حالة نفسية عن الأخرى؟ وما هي الأسباب المولّدة لميول النفس البشرية إلى الاطمئنان أو اللوم أو الإساءة؟
النفس المطمئنة: هي النفس الشريفة التي شرّفها الله تعالى بندائه لها قائلاً: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبَادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر:27-30]، وقد استحقّت هذا المدح الإلهي لأنها تتميز بالمداومة على فعل الطاعات المفروضة والمسنونة، والمواظبة على ترك المعاصي المحرّمة والمكروهة، والملازمة للزهد عن فضول المباحات من توسّع في الأكل والشرب، ومبالغة في ابتغاء فاخر الملابس والمساكن والمراكب، ولأنها نقية في سريرتها لا يستفزها لا غضب ولا هم ولا حزن، ولا تقع في حبال الهوى ولا في شباك الشهوات، بل هي المترفّعة عن كل المنزلقات لتسمو إلى أعلى درجات الصلاح والفلاح، إنها – باختصار – أرقى أنواع النفوس الثلاثة؛ لأنها أدّت واجبات الإسلام واجتهدت في تحصيل مراتب الإيمان وتمكّنت من بلوغ كمالات الإحسان.

إن (ابن العطاء) زادَ في تفصيل شمائل النفس المطمئنة، فقال عنها: “إنها نفسٌ عارِفةٌ بالله جل في علاه، وهي لا تصبر على الأُنس بطاعته طرفة عين، فتراها دائمة السباحة في بحر ذِكره وشُكره وحُسن عبادته، فلو أخرجتها من ماء حياتها ماتت وإن بَدَتْ لك حيّة بما تَبُثّه في الجسم من حركات وسكنات، وخير نموذج لعباد الله الصالحين الذين استحقت أنفسهم أن توصف بوصف الطمأنينة نجد أبا بكر الصديق، فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عن سعيد بن جبير قال: “قرأتُ عند النبي (صلى الله عليه وسلم) : {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} فقال أبو بكر: ما أحسن هذا يا رسول الله، فقال: أما إن الملك سيقولها لك عند الموت”. (رواه ابن كثير في التفسير، وقال مُرسل حسن).

إن السر في هذه البشارة النبوية لأبي بكر أنه كان شديد الحرص على القيام بكل واجبات الإسلام بل حتى مُكمّلات الإيمان، والدليل على ذلك هو الحديث الذي أورده الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (لأصحابه وقد كانوا مجتمعين عنده): “من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عادَ منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ما اجتمعنَ في امرئٍ إلا دخل الجنة”، قال القرطبي في شرح الحديث: “إن النبي (صلى الله عليه وسلم) سَأل فقط عن التطوّعات؛ لأن الواجبات لا بد منها، يستوي في القيام بها كل المسلمين، وإنما يتفاضلون بينهم في كثرة التطوعات”.

2. النفس اللوّامة: إذا كان صاحب النفس المطمئنة يتميز بالثبات والمداومة على معارضة الشهوات المحرّمة والمكروهة، فإن صاحب النفس اللوامة هو الآخر يكون مُعارِضاً لدوافعه الغريزية المخالفة لشرع الله، لكنه لا يثبت على ذلك، إذ تصدر عنه بين الفينة والأخرى بعض الهفوات، فتلومه نفسه وتُوبّخه على عثراته ليستجيب لها مُسارِعاً بالتوبة إلى الله تعالى ومبادراً بالرجوع إلى طريق الحق، هذا بالنسبة للمعاصي، أما فيما يخص الطاعات؛ فصاحب النفس المطمئنة تكون له همّة عالية لأداء العبادات والمعاملات المفروضة والمسنونة، أما صاحب النفس اللوامة فيُقصّر في أداء بعض الفرائض في أوقاتها، ويتكاسل عن القيام ببعض السنن والنوافل، وهنا تتدخل نفسه اللوامة مُنتقِدةً له على هذا الفتور، وتُعيد له النشاط من جديد لتسلّق قمم القرب من الله جل في علاه.

إن عظمة الأدوار التي تلعبها النفس اللوامة تجلّت في أن يُقسم الله رب العالمين بها في كتابه العزيز قائلاً: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة:1–2]، فالله سبحانه عظيمٌ لا يقسم إلا بشيء عظيم، وقد استحقّت النفس اللوامة هذا التعظيم الإلهي؛ لأنها هي النفس التقيّة التي تُحاسب صاحبها في الدنيا حساباً عسيراً حتى يكون حسابه عند ربه في الآخرة حساباً يسيراً، لذلك ترى هذه النفس دائمة اللوم للإنسان على كل درهم، على كل نظرة، على كل كلمة، على كل خطوة، وعلى كل صغيرة وكبيرة فَعَلَها أو تَرَكَها، وتسأله باستمرار: هل كان الدافع لفعل أيّ شيء أو ترك أيّ شيء هو لإرضاء الله تعالى أم لإرضاء رغبات النفس الأمارة بالسوء؟ مُهتدية في هذا النقد البنّاء للذات بقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18].

إن عمر بن عبد العزيز يُعدّ من أبرز الشخصيات الإسلامية التي نَجحت في توظيف النفس اللوامة لتحقيق أعظم الإنجازات الدنيوية والأخروية؛ فقد سُئل يوماً عن سر بلوغه لمستوى عالٍ من العدل في الحكم إلى درجة أنه قَلّ عدد الفقراء في عهده، فأجاب بقوله: “إن الله وهب لي نفساً عظيمة لا ترضى إلا بمعالي الأمور وتكره سفاسفها، و إنها لتلومني وتُحاسبني على عمل اليوم ولا تقبل أن أتركه إلى الغد لأن للغد عملاً آخر”.

ومن أبلغ الأمثلة كذلك على فعالية النفس اللوامة في إصلاح أحوال أفراد الأمة نذكر ما رواه سفيان بن عيينة قال: “كان الرجل من السلف يلقى الأخ من إخوانه فيقول له: يا هذا إن استطعت أن تُسيء إلى من تُحب فافعل، فقال له الرجل: و هل يُسيء الإنسان إلى من يحب؟! قال: نعم، نفسُك أعزّ الأنفس عليك، فإن عصيتَ الله فقد أسأتَ إليها”.

إن النفس اللوامة إذا كانت من المكونات الأساسية في شخصية المؤمن، فإن الكافر على العكس من ذلك، لا تلومه نفسه بل تدفعه إلى اقتراف كل الذنوب وتُسانده فيما يمضي إلى فعله من أنواع المعاصي والشرور، وحتى إن عاتَبَتْهُ يوماً ناصِحةً له بالرجوع إلى درب الله عز وجل وإلى جادّة الحق، فإنه لا يصغي إلى لومها وهو بذلك يُعدّ من شر خلق الله تعالى لأنه تَكبّرَ على نفسه، ومن أضلُّ ممن تكبّر على نفسه التي بين جنبيه؟!

3. النفس الأمّارة بالسوء: إذا كانت كلٌّ من النفس المطمئنة واللوامة تشتركان في تحلّيهما بفضيلة مُعارضة الشهوات المحظورة شرعاً، فإن النفس الأمارة بالسوء على العكس من ذلك تترك مخالفة هذه النوازع الدنيئة وتقع فريسة لما تُمليه عليها رغباتها وغرائزها، وخير نموذج على ذلك: امرأة العزيز التي قال الله تعالى على لسانها: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف:53]، لقد اعترفت هذه المرأة بأنها وقعت في حبال الافتتان بحُسن يوسف عليه السلام، فلبّت نداء الرغبة التي حرّمها الله، ومَالتْ إلى هذا النبي الكريم تحت تأثير الشهوة البشرية، ولهذا رَاوَدَتْهُ عن نفسه، فعَصَمَهُ الله تعالى من نزوتها، رغم أنه كاد يصغي لإغراء النفس الأمارة بالسوء لولا أن تداركه ربه برحمته، وكما أكرم سبحانه وتعالى نبيه بالعصمة من الوقوع في الفاحشة، أكرم امرأة العزيز بالتوبة والرجوع إلى الحق: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [يوسف:53].

لقد أيقنت امرأة العزيز بعد هذه التجربة المؤلمة أن الجمال الحقيقي في الإنسان هو جمال الروح حين تنجح في عدم الإصغاء لإغراءات النفس الأمارة بالسوء، وأن التغلّب على هذه النفس الخبيثة والانتصار عليها أمرٌ صعبٌ وشاقّ؛ لأنها دائمة الانطلاق والاندفاع إلى كل ما يضرها ولا ينفعها، ولأن الشهوات لا تَدَع هذه النفس تطمئن دون أن تُهيّجها لإشباع هذه الرغبة أو تلك، ولأن الشيطان هو الآخر لا يفتُر طرفة عين عن إغراء ضُعَفاء القلوب بالانغماس في وحل الذنوب، ولأن أكثر الناس يُعينون على ارتكاب المعاصي صغيرها وكبيرها، فتُصبح النفس الأمارة بالسوء من جرّاء هذه الأسباب المجتمعة أشدّ أنواع النفوس الثلاثة إهلاكاً وتضييعاً لمصير الإنسان، بتمرّدها على أوامر ربها، وجَزَعِها عند المصائب وتفريقها للمجامع، واشتغالها بأعمال أهل النار، واتّباعها لخطوات الشيطان.

فاحذر يا أيها المسلم الصالح ويا أيتها المسلمة الفالحة من سموم هذه النفس المهلكة، وكُونا عليها من المتمردين ولأوامرها من المتنطعين، معتمدين في جهادكما ضدها على قول الله جل في علاه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:40-41]، وستكونان من أسعد الناس إن أنتما فتَحْتُما سمَعَيكُما وقَلبَيكُما لقول الشاعر:

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته                                  أتطلب الربح مما فيه خسران

حَافِظ على النفس واسْتَكْمِل فضائلها                 فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

وخلاصة الكلام في أنواع النفوس المزروعة في الأبدان: أن القرآن الكريم يمدح النفس إن اجتهدت لبلوغ درجات الطمأنينة، ويَذُمّها إذا هَوَتْ إلى دركات الرذيلة، ويمدحها تارة ويذمها تارة أخرى إن شجّعت صاحبها حين يعمل بعمل أهل الجنة، ولامته ووبّخته إن عمل بعمل أهل النار.

المراجع:

تفسير القرآن الكريم/ إسماعيل بن عمر بن كثير (ت 774 هـ).

الجامع لأحكام القرآن/ أبو عبد الله محمد القرطبي (ت 671 هـ).

الكشاف/ أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت 538 هـ).

جامع البيان في تفسير القرآن/ محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ).

جامع العلوم و الحكم/ ابن رجب البغدادي (ت 795 هـ).


JoomShaper