محمد رجب البيومي
لا أدري أين قرأت هذه الحادثة ذات الدلالة النفسية البعيدة، قرأت أن قاضيا يحب أن يذاع عنه العدل والإنصاف عُرضت عليه قضية كان الحاكم خصما فيها، وكان الحق معه، ولكن القاضي حكم ضده مع وضوح حقه ليذاع في الناس أنه وقف أمام ولي الأمر!! وقد اضطر الحاكم إلى عزله فجعل السطحيون يقولون: إن الوالي الجبار طاغية وأن القاضي بريء شهيد!!.
قرأت هذه الحادثة، فذكرت ما يشابهها لدى بعض الكُتاب، حيث يعرض باحث مسلم لمسألةٍ يتضح فيها وجه الحق في جانب الإسلام، فيحاول جاهدا أن يفتري على الإسلام، وهو من أبنائه لينال شهرة لدى السطحيين والمغرضين بأنه فوق الشبهات، وأنه من حرية الفكر بحيث لم يقف مع دينه، وإذا كان هذا مستغربا لدى نفرٍ من القراء يستشعرون في صدورهم حميةً متوهجة لدينهم الحنيف، فإنه ليس بمستغرب لدى من درسوا الواقع الأدبي في العالم العربي في هذا القرن فعرفوا كيف بهرت أوربا نفراً من المبعوثين إليها، فانطلقوا يشيدون بحضارتها، وتطرفوا في الإشادة فانتقصوا الإسلام عامدين، ليقال عنهم أنهم أحرار تخلصوا من معتقداتهم حين استضاءوا بنور الفكر الحديث.
كتب أحدهم عن مظاهر القسوة والطغيان في التاريخ العالمي، فلم يكن من همه أن يقارن حضارةً بحضارة، ولكن همه الأكبر أن يجعل الإسلام في ناحية وأوربا القديمة والحديثة في ناحية، ثم يهدف إلى موازنة مخطئةٍ خاطئةٍ تنتهي به إلى القول بأن مظاهر القسوة عند المسلمين تتضح بجلاء في تاريخهم المتكرر، وأن أوربا في القديم والحديث أقل قسوة وأكثر رحمة من دول الإسلام في شتى عصوره، وإذا كان الحق لم يعدم النصير فقد رأينا من الباحثين من كشف عوار هذا الإفك بالدليل القاطع، والمنطق الحاسم، وقد بدا لي أن أضيف الجديد إلى هذه القضية لعل الذين لا يخجلون من الافتراء على ذويهم البررة يستشعرون ندما تائباً فيرجع إلى الحق مَن يستمع إلى القول فيتبع أحسنه، أما الجاحد المتصلب فلا حيلة لنا فيه.
إن تاريخ أوربا في قديمها لا يختلف عنه في حديثها بالنظر إلى القيم الإنسانية وإهدارها، وإذا ظن ظان أن عصر النهضة قد عاد على العالم أجمعه بالحرية والإخاء والمساواة كما يتشدق بهذا الظن نفرٌ يطمسون وجوه الحقائق عن عمد، إذا ظن ظان هذا الوهم فليعلم جيدا أن ما نادت به الثورة الفرنسية من مبادئ إنسانية لم يجد تطبيقه إلا في أوربا وحدها! فإذا عشقت فرنسا الحرية وأقامت لها تمثالاً، وهتفت بأناس دعوا إليها، وجاهدوا في سبيلها، فإن هذه الحرية وقف على الدولة وحدها!! لها أن تعتنقها في أمورها السياسية والاجتماعية، وأن تحرص على تطبيقها قدر ما تستطيع، ولكنها في الوقت نفسه لا ترى هذه الحرية حقا لسواها، فهي تستعمر الشعوب، وتقهر الأمم وتسلط شتى فظائع الإبادة على من يقاومون استعمارها، إذ لا نصيب لهم في هذه الحرية التي تعتنقها داخل أسوارها!! وقل في انجلترا وهولندا وايطاليا وبلجيكا وسائر دول الاستعمار ما تقوله في فرنسا! فقد لاقت أفريقيا وآسيا –وأمريكا من قبل- من شرور هؤلاء الطغاة ما لا يجهله أحد، وما اضطر الاستعمار إلى أن يحمل عصاه على كتفه ويبادر بالرحيل إلا حين وجد من المقاومة الرهيبة ما أخذ يوازن بن بين الكسب والخسارة، فإذا الرحيل كسب ظافر، وإذا الاحتلال خسارة فادحة، فأين اعتناق الحرية والمناداة بمبادئها إذا كانت وقفا على أناس دون أناس.
لنرجع إلى تاريخ أوربا فنتساءل أين وجدت المعاني الإنسانية لدى هؤلاء المتجبرين، أفي عهد الحضارة الإغريقية حين كان يعذب الأرقاء ظلما وعدوانا إذا اتهم سيدهم بجريمة، فهم وحدهم يعذبون ليعترفوا بجريمة سيدهم، فإذا لم يجدوا لدى أنفسهم ما يقولونه إذا غابوا عن المسرح فإن العذاب يُسلط عليهم حتى يحصل الاعتراف، والسيد آمن مستريح لا يهمه في شيء أن يعذب أرقاؤه مدىً يقصر أو يطول، فإذا اضطر أحد هؤلاء الضعاف إلى الاعتراف بشيء قد رآه تحت سياط العذاب، فإن الحكم يصدر على السيد، ثم عليه بعد ذلك أن ينتقم من عبده المعترف بأفظع وسائل التعذيب!؟! أم تُرى وجدت هذه الحضارة في عهد الرومان، وكانوا يشنون الحروب على المدن الآمنة، فإذا تحقق لهم الظفر قتلوا الرجال وباعوا الأطفال والنساء في سوق الرقيق، وكانت مشاهد القتل الآثم أعظم حفلات الترفيه لدى الرومان! إذ يقيمون السرادقات الممتدة في الميادين الواسعة ثم يدفعون بالوحوش الجائعة من آسادٍ ونمور وذئاب لتنقض على الأسرى بين صيحات الإعجاب، وتصفيق المشاهدين! أين المعاني الإنسانية في هذه الفظائع المنكرة؟ وأين ما يقال عن التقدم الحضاري حين ترى الأجساد مصلوبة في الطرقات، وحين تنظر إلى الأحشاء والأرجل والأيدي والرؤوس تملأ الشوارع لتدل على معاني الانتصار الآثم لدى قوم يعتزون بأكرم الخصال!! وقد يكون الموت أحدأ حالةً من سواه حين تقطع الأيدي والأرجل ويترك أصحابها في الطريق يلاقون الموت البطيء استنزافاً ويتضرعون إلى الله كي يعجل بخلاصهم من الحياة ومن رزق العمر بعد أن بترت أعضاؤه يعيش حياً كميت، فلا يجد غير الحسرة الكاوية، والذل المبين! هذه أوربا القديمة إغريقية ورومانية، فهل وجدت المعاني الإنسانية لديها في واقعٍ أو مثال! إن كبار الفلاسفة قد نادوا باختلاف الطبقات، وجعلوا جماعة من الناس أحراراً يتولون الرئاسة والسلطان، وجماعة أخرى عبيداً يخضعون ويذلون، فإذا كان كبار الفلاسفة في أوربا لا يدينون بالمساواة ويرون أن يتسلط قومٌ على قوم فأين هي قيم الإنسان!.
وحين ظهرت المسيحية كانت روما ذات الجهد البارز في اضطهادها، وقد أحرق نيرون روما ليلقي تبعة إحراقها على المسيحيين، ويقيم المذابح لاستئصالهم، وقد بلغ من الفظاعة في التعذيب أن ألبس ضحاياه جلود الوحوش، وطلا أجسامهم بالقار والزيت ثم أشعل الجلود لتأكلهم النار وهم أحياء، على حين أقام حفلة ألعاب، والنار تأكل بني جنسه ليزداد طربا مع من يشاهدون هذه الفظائع من مؤيديه، وما دار الزمن وتمكنت المسيحية من السيطرة في أوربا (وهي دين الرحمة في شرعها السماوي) حتى تركت تعاليم هذا الدين، ووالت تعذيب المعارضين جرياً على سنن السابقين، وكان من الغرائب حقاً أن يقوم قديس مفكر ذو مكانٍ بالرز في دنيا العلم بصياغة نصوص تدعو إلى الإرهاب الفكري، إذ رأى القديس أوغسطين أن يكون من حق الملحد النفي والجلد والتغريب، ووضع قانوناً للكنيسة يلزمها اتباع هذا الحق. إذ يعزوه إلى السيد المسيح نفسه!! وهي مفارقة ساخرة، يكون فيها نبي الرحمة رسول الانتقام والفظاعة، وأعجب ما قاله القديس أوغسطين أنه بهذا التعذيب القاهر يرحم الضحايا! وينقذهم من العذاب الأبدي يوم القيامة، فإذا شئت فجوراً في الدعوى الفاحشة فلن تجد أقوى من فجورٍ يتسم بالصلاح ليقوم بأعنف ضروب الفساد، وبهذه السلطة التي خولها أوغسطين للكنيسة يكون قد قدم لقساة البابوات حججاً قوية في استباحة ما لا يُستباح من شنائع التعذيب، وطبيعي أن يفرح هؤلاء بما أوتوا، وأن يستزيدوا أحبارهم، وحفاظ أناجيلهم من الحجج القامعة، حتى استطاعوا بهذا الاحتيال الآثم أن يمنحوا البابا حقّ الإله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء! أليست بيده صكوك الغفران يمنحها لمن ارتكبوا الموبقات فقتلوا وآثموا وفجروا جزاء أموال تساق للكنيسة سوقاً، لتجد ما يشبع نهمها الأرضي تجبراً وعتواً، وقد كان للبابا سلطة إصدار القرار للأمراء وحكام الإقطاع كي يستأصلوا أعداءه، إذ نصَّ قرار مجمع (لاتران) على إلزام الحكام بمحاربة أعداء الكنيسة، وأن ينحصر جهادهم الدنيوي والأخروي معا في هذا المجال، ولا تسل عن فرحة الحكام بهذا القرار، إذ أتاح لهم أن يدخروا أعداءهم بتهمة الخروج عن الكنيسة مهما أظهروا التبرؤ من هذه التهمة، وفي شهادات الزور وتلفيق الأحداث ما يدفع بالأبرياء إلى مقاصل الإعدام لأنهم أعداء الكنيسة!! وإذا تعجب القارئ مما أقول وعده مبالغة فليقرأ نص قرار الكنيسة الصادر في عام 1229م إذ يقول” “يحتفظ الحاكم بعرشه متى قام بواجبه في استئصال الإلحاد، فإن تردد في الاستجابة لأمر البابا أكره على الطاعة فوراً، فإن تراخى صودرت أملاكه، ويبعث لمصلحة الكنيسة، واعتقل فوراً ليحاكم على ما فرط في حق المسيح” وقد قرأنا في التاريخ عن أباطرة كبار تراجعوا بعض الشيء في تنفيذ رغبات البابا الانتقامية، فأصدر أمره بعقابهم حتى اضطر أحدهم أن يخلع ثياب الامبراطورية وأن ينتظر حافياً عاري الرأس أمام الكنيسة أربعة أيام حتى يأذن له البابا بالدخول فيقدم توبته، ويصدر قرار العفو عنه، قرأنا ذلك وعرفناه! فهل رأينا شيئا من ذلك في تاريخ الإسلام!.
والحديث عن محاكم التفتيش ليس سراً، فقد ألفت الكتب ذات المجلدات الضخمة لتشرح فظائع هذه المحاكم التي صبَّ الله نارها على الأبرياء، والتي اصطلى المسلمون بنارها في الأندلس، وننقل عنها عن كتاب قصة الاضطهاد الديني بعض ما كتبه مؤلفه الأستاذ الدكتور توفيق الطويل حين قال ص73.
أما الطريقة التي اتبعت في محاكمة المتهمين بالهرطقة في اسبانيا فكانت تنكر كل طريقة معقولة لتوكيد الحقيقة فلم يكن المتهم بريئاً حتى يثبت اتهامه، بل اعتبر كل منهم مذنبا حتى تثبت براءته –إن كان هذا ممكناً- ومن ثم وكلوا إليه عبء التدليل على براءته، وكان قاضيه هو المدعى عليه، وكل من تقدم للشهادة ضده قبلت شهادته، ولو كان من أرباب السوابق، إذ كانت قواعد ادعاء الشهود عليه مرنة طلقة، وعلى عكسها كانت القواعد التي وضعت لرفض شهود الدفاع، إذ كان من حق اليهود والمغاربة والخدم والأقارب إلى الدرجة الرابعة أن يقدموا ضد المتهم ما يثبت إدانته من الأدلة، ولكنهم ممنوعون أن يشهدوا في صالحه، وكان المبدأ الذي اعتنقته محكمة التفتيش هو: لأن يدان مائة بريء زورا وبهتاناً خير من أن يهرب من العقاب مذنبٌ واحد، ومن ساهم في تقديم الوقود الذي يحرق به الملحد فقد استحق المغفرة.
والحديث عن فظائع محاكم التفتيش لا يقف عند حد!.
-2-
كان الهدف من محاكم التفتيش لا يقتصر بلاؤه على المتهمين وحدهم، حيث يرى القائمون بهذا التعذيب البشع أن تزيد مدته أمداً طويلاً ليكون عبرة ونكالا لمن تحدثه نفسه بالخروج على الكنيسة، ونبي الإسلام يقول في ذبح الحيوان (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) بمعنى أن الذبيحة يجب أن تستريح في أقرب وقت، ولكن قساة محاكم التفتيش يبحثون عن إطالة عمر الضحية تحت العذاب، لتظل تتألم وتصيح ولا مستجيب، فكانت النار التي تأكل الجلود ذات بطء أليم، وأغرب ما يهولك قولهم في تبرير ذلك إن عدم القضاء السريع على المعذب يعطيه فرصة لاعترافٍ جديد!! وقد يكون هذا الكلام مقبولاً لو أن هذا الاعتراف سينجيه من طائلة العذاب، ولكنه في الواقع يعطي الطغاة تبريراً جديداً أمام الناس، إذ يظهرهم في مظهر أصحاب العدالة الذين يأخذون للحق من الباطل!! ولو كانوا يملكون ذرة من الحق لاستحيوا أن يظهروا في ثياب المؤمنين، وهم شر المجرمين! وأدهى الدواهي أن يتم التعذيب بمحضر أقارب الضحية، فلا بد أن يأتي الطغاة بالأمهات والأبناء والأخوة والأطفال لتذوب نفوسهم كمداً لهول ما يشاهدون، وليجمعوا على الضحية المسكين عذاب لجسم وعذاب النفس حين يتضور حسرة لمشاهد أحبائه وهم يذرفون الدموع دون رحمة!.
وأقسى ما يوجب السخرية هو تطوع بعض الملوك ليكون أكثر بابوية من البابا، فيسخر أعوان الدولة من رجال الشرطة والحرس للبحث عن كل مفكر يدين برأيٍ جديد مهما بعد عن المسائل الدينية، فهو لا يكتفي بإدانة خصومه السياسيين وحدهم بل يبسط الحبل ليربط به كل ذي فكر حر، فيكون مارقاً يستحق الإعدام، وأبرز من اشتهر من هؤلاء الطغاة فيليب الثاني ملك اسبانيا الذي افتخر بأنه حامي الكاثوليكية، فأقام الحروب بين دول لا تدين بها، وهي في الوقت نفسه مسيحية مثله، ولكنها بروتستانتية! أقام الحروب بينه وبين انجلترا ليحوز رضا البابا فيشتهر بأنه حامي الكنيسة البابوية في جميع بقاع الأرض! وقد حاول محاكاته في ذلك تشارلس التاسع الذي أظهر للناس خداعاً أنه لا يحارب البروتستانتية، ثم دبر لأنصارها مذبحةً غادرة عُرفت في التاريخ بمذبحة (سان بارثملوا) إذ دعا خصومه لاحتفال زاج، ثم أمر جنوده بالانقضاض عليهم ذبحاً وجزرا وهم في أمان لا يحملون السلاح! وحين طارت الأنباء للبابا جريجوري الثالث عشر كاد أن يجن من الفرح وأمر أن تصنع أوسمة خاصة بهذا الحدث السار في رأيه، لتظل ذكراه خالدة، وقد رسمت الأوسمة وبها صورته فوق الكرسي البابوي وعن يمينه ملكٌ يحمل السيف، ويضرب أعناق من يسمون بالملحدين، ثم دعا الفنانين في روما ليرسموا هذه الأوسمة على جدران الكنيسة، وعلى الحوائط في مدينة الفاتيكان! فأي طغيان هذا!.
على أن الأيام لا تدوم لأحد، فقد دارت الدائرة، واستعاد البروتستانت قوتهم،وأصبحوا ذوي شوكة، فأعلنوا الإرهاب الفاجع لخصومهم، ولو أن المسيحية الأصيلة عرفت قلوب هؤلاء ليبدؤوا صفحة جديدة وقابلوا خصومهم بالصفح، لأن الخطأ لا يبرر الخطأ، وإذا استوى الكاثوليك والبروتستانت معاً فيما يقترفون من جرائم فأي فضل إذن في ظهور مذهب على مذهب! أما نبي الإسلام فقد أظهره الله على خصومه الذين حاربوه وأخرجوه من دياره وألبوا القبائل على استئصال أنصاره، وكان حكمه النهائي بشأنهم متلخصاً في قوله (يا معشر قريش، اذهبوا فأنتم الطلقاء).
وقد وازن بعض الكتاب بين اتجاه الكاثوليك واتجاه البروتستانت في الطغيان، فرأى أن الكاثوليك أقل جرماً من خصومهم، لأن البروتستانت قد قامت حركتهم على أساس من الدعوة إلى الحرية الدينية، واحترام الرأي المقابل، وعلى هذا الأساس كسبوا عطف العامة وانضم إليهم جمع كبير من عشاق العدالة والمساواة، فكان المنطق الصريح يقضي عليهم بالإلزام التام لما أعلنوه من مبادئ العدالة والمساواة! أما الكاثوليك فقد ورثوا أوضاعاً يحاولون الاحتفاظ بها، ولم يعلنوا للناس دفاعاً عن حرية أو كرامة، بل أعلنوا أن الباب خليفة المسيح يُعذب من يشاء ويرحم من يشاء! فهم من هذه الناحية لا يرتبطون بوعودٍ يتعهدون بإيفائها! هذا ما يذهب إليه بعض الدارسين، وأرى أن الفريقين في الجريمة على حد سواء، وليس في الشر أدنى خيار، إذ أن المفروض في بابا الكنيسة أن يكون ممثلاً للمسيح رحمة وعدلا وإنصافاً، فإذا جاوز تعاليم نبيه فهو آثم آثم، إذ أنه بهذه التعاليم قد ارتبط أمام الناس بالقيام على أمرها! فالجريمة هي الجريمة، والناقد البصير يقف موقف الإنصاف لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
نترك هذه الصفحة السوداء إلى موقف الإسلام من مخالفيه لنجد أنه مد إليهم يد المسالمة ودعاهم إلى كلمة سواء بينهم وبينه ألا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئاً، ولا يتخذ بعضهم بعضا أرباباً من دون الله، فإن تولوا فعليهم وزرهم أمام الله وحده! يقول الله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. ويقول تعالى في موضع آخر: { فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }.
وما جاء من عداء بين النبي واليهود كان سببه هؤلاء، إذ نقضوا العهد وحالفوا الأعداء، وغدروا به في ساعة العسرة فكان موقف الإسلام منهم موقف الدفاع لا موقف الهجوم.
يقول الدكتور أحمد أمين:
“لقد سار الفقهاء من المسلمين على تعاليم الإسلام في حسن معاملة أهل الكتاب، بأن يكون لهم مالنا وعليهم ما علينا، بل حين فُتحت فارس عومل أتباع زرادشت معاملة أهل الكتاب، ولئن قسا الإسلام بعض الشيء على الوثنيين دون أهل الكتاب، فلأنه يرى أن الوثنية انحطاط في الإنسانية يجب علاجه بانتشال الإنسانية من حضيضها.
وهذا كلام واضح النهج، لأن الكتابي يهودياً كان أو مسيحياً يؤمن بكتاب، وله اعتقاد في رب يرجو ثوابه ويخاف عقابه، فلديه الوازع الكاف عن المعصية لو استجاب إلى تعاليم دينه، أما الوثني المشرك ومثله الشيوعي المعاصر فلا يؤمن بإله، وليس وراءه يوم حساب يخاف من مسؤوليته، ومثله يرتكب الجرائم دون مبالاة ما أمِن عيون الناس، أما الكتابي فله من دينه زاجر شديد.
إن غير المسلمين في نظر الإسلام لا يخرجون عن ثلاثة أنواع، إذ هم إما محاربون أو معاهدون أو أهل ذمة! فالمحارب يكف عنه المسلم ما دام بعيداً عنه، لا يهدده بوعيد، ولا يعترض حريته في طريق، فإن كف شره فلا سبيل إلى منازلته! وما قامت الحروب الإسلامية إلا دفعاً لعدوان أو حسماً لمكيدة تدبر في الخفاء، يقول تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } فالقتال ضرورة لمن يتصدون لقتال المسلمين، وإذا وقعت الحرب فلا اعتداء على الضعفاء والمرضى والشيوخ والأطفال، ولم يكن هذا الكلام قولياً فحسب، بل وجد تطبيقه الفعلي في حروب الصدر الأول من الإسلام، وذخرت كتب الأدب والتاريخ بوصايا الخلفاء للمجاهدين آمرةً بالرحمة، محذرةً من الشطط، ولها بين المثقفين دويٌّ رنان.
هؤلاء هم المحاربون، أما المعاهدون، وهم الذين وقع بينهم وبين المسلمين عهد على السلم، فواجب على المسلمين إيفاء جميع العهود، {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} والوفاء بالعهد لا يقتصر على المعاهدين من أهل الكتاب وحدهم، بل يشمل كل من عاهده المسلمون ولو كان مشرحاً يقول الله عزَّ وجل: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}.
وأما أهل الذمة فمكانتهم أعظم مكانة لدى المسلمين، ولفظ الذمة معناه عهد الله وأمانته، جاء في الحديث الشريف: (من قذف ذمياً حد يوم القيامة بسياطٍ من نار) وقد أباح الإسلام طعام أهل الكتاب وأحل ذبائحهم، وأجاز الزواج من نسائهم، قال تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وبهذا النص الكريم يثبت للزوجة الكتابية جميع الحقوق الزوجية، ثم تؤدي شعائر دينها الخاصة كما تريد، والعدالة بينها وبين الزوجة المسلمة واجبة دون محاباة ولا شيء أبعث على الود والتآلف من المصاهرة.
وإذا وجد اضطهادٌ ما من خليفةٍ أو حاكم لبعض الطوائف، فله سببه الذي ينص عليه التاريخ، لأن كثيراً من أهل الكتاب ولوا المناصب القيادية في عهود كثيرة من عهود الإسلام، فمن استقام أمره مع الحق عاش مستريحاً ومات راضياً، ومن شذ بمؤامرة أو اختلاس لقي جزاءه، لا لأنه كتابيٌ بل لأنه خان الأمانة التي أنيطت به، مثله في ذلك مثل المسلم حين يغضب عليه الحاكم فيعزله ويصادر ماله! فالدين غير منظور إليه في المجازاة، فلو كان منظوراً إليه كما يفترض بعض من يهمهم أن يسودوا بعض صحائف التاريخ الإسلامي، لما ولي المنصب بدءاً، ولكنه حاز القبول لموهبةٍ دلت عليه فترأس ثم بدأ الخلاف فأبعد وهذه سنة الحياة.
إن الحديث عن تسامح الإسلام يحتاج إلى كتاب لا إلى جزء من مقال، فليت الذين يعقدون الموازنات المغرضة بين الحق والباطل يفيئون إلى ضمير سليم.
المعاني الإنسانية بين الشرق والغرب
- التفاصيل