محمد رجب البيومي
أبغض الحلال:
نقرأ لبعض المسلمين ما يوحي بالتذمر الشديد، والتنديد المتعسف بالطلاق، وقد غفلوا عن أسبابه القاهرة التي تجعله حلا ضروريا في بعض الأحوال، وهؤلاء في أكثرهم ممن يولون وجهة الغرب في تقديرهم للأشياء ولمثل هذا النفر نقدم ما كتبه الشاعر الإنجليزي الشهير جون ملتون عن ضرورة الطلاق إذا تهيأت دواعيه، إذ أن هذا الأديب العملاق قد أفرد بعض كبه العلمية لتحبيذ الانفصال الزوجي حين يتعذر الوفاق، وواجه خصومه مواجهة عقلية تتسم بالشجاعة النادرة حين وجدهم يخالفون رأيه، عن حماسة عاطفية، لا تتسلح بالبرهان، وواجههم بالرد القاطع في كتاب ثاني يمحض الشبهات، ويدفع الظنون، وأكثر ما قاله الشاعر الإنجليزي الكبير معروف بالضرورة لدى فقهاء التشريع الإسلامي، ولكن الدعوة إليه على لسان عبقري من طراز ملتون، يعتبر نصراً كبيرا لقوانين الشريعة الإسلامية، أمام من يجعلون أوربا جهتهم الفكرية في كل مجال، ولعلهم بعد ذلك يفيئون إلى الحق منصفين.
منزلة جون ملتون:
وجون ملتون هو صاحب ملحلمة “الفردوس المفقود” وأذكر أن (هازلت) قد عقد مقارنة نقدية بين ملتون وبين شكسبير أكبر شعراء الإنجليز قاطبة، فذهب إلى أن شكسبير يعنى بنقد المجتمع وسوءاته أكثر من يعني بنقد العقائد والديانات والقوانين كما يصنع ملتون، كما أن شكسبير يعتصم بالخيال المجنح ويسلم قياده للعاطفة الواثبة في رقائقه الشعرية، أما ملتون فلو فكر عاقل متئد، وذو نظر منهجي يقيده بالواقع دون شطط، وإذا كان شكسبير يعيش في لجب الزحام، وفورة التنافس، فإن ملتون يجنح إلى الوحدة المنزوية ليتأمل في هدوء! ولست أذكر ما قاله (هازلت) على أنه الرأي الذي لا معدل عنه، فقد يكون في كلامه عموم يحتاج إلى تخصيص، ولكني أقرر أن من ينزله كبار النقاد منزل المقارنة بشكسبير العملاق لهو ذو مكانة سامقة تدفعه إلى الصف الأول بين النابغين.

تجارب الحياة:
ولم يكن الشاعر باحثاً اجتماعياً في اتجاهه الحيوي، ولكنه اضطر إلى معالجة موضوع الطلاق لما اصطدم به من عقبات شائكة كدرت عليه صفوه، إذ أتيح له أن يتزوج بفتاة في سن السابعة عشر لا ترتفع إلى مستواه الثقافي، ولا تشاركه همومه السياسية، وكانت من أسرة تتجه في الحياة وجهة مغايرة لاتجاهه، وقد رآها عرضا أثناء زيارة غير متوقعة لبيت أبيها، فشاهد من حيائها وسكونها ما أوقعه في غرامها، وكان الشاعر ذا شهرة في عالمي السياسة والأدب، فسارع والد الفتاة بقبوله زوجا، وتم الاقتران على وجه سريع، فانتقلت الزوجة الصغيرة إلى مدينة لم ترها من قبل، وشاهدت من ملابسات حياتها الجديدة ما لا يتفق مع حياتها الغابرة، كان منزل الشاعر هادئاً لا يميل إلى الحركة الصاخبة إذ أن “ملتون” قد دأب على البقاء في مكتبه قارئاً وكاتبا دون أن يشغل فراغ صاحبته بما تود، وكان فارق السن بينها وبينه يبلغ عشرين عاما أو أقل قليلا، فلم تحس معه بما تحس به مع رفيق العمر، وزميل الصبا، هذا إلى زهد في المآكل والمشارب قد لزم الشاعر لفلسفة ينتهجها.

وكل ذلك مما جعل الفجوة تتسع شيئاً فشيئاً في حياة الزوجين، وقد بلغت مداها المتأزم حين صممت الزوجة الصغيرة على مغادرة المنزل، متجهة إلى بيت والدها، وقد ظن “ملتون” أن والدها الصديق سيعمل على رأب الصدع، حين ينصح فتاته بالحكمة، ويدفعها إلى الحياة الزوجية متحملة مصاعبها، ومتعودة على نمطها الجديد بالنسبة إليها، ولكن شيئاً من ذلك لم يكن، إذ رفضت الزوجة أن تعود، وأبى والداها أن يلزماها بشيء ما!.

ندم وألم:
واجه الشاعر مأزقا حرجا في مجتمعه، فأهله الأقربون أخذوا عليه تسرعه في الاختيار دون مشورة، وأعداؤه السياسيون اتخذوا من نفور زوجته دليلاً على قسوته المفرطة حيث لم يرحم فتاة صغيرة تركت موطنها البعيد لتعيش في كنفه، مطمئنة إلى سلوكه، “وملتون” فيما بينه وبين نفسه لا يستشعر خطأ وقع فيه، لأنه رجل ذو رسالة فكرية سياسية، ومثله في زعامته الأدبية لا يفرغ لتساقي كؤوس الصبابة في خلوات هادئة إذ يرى ذلك في المحل الأخير من اهتمامه، وحسبه أن يهيئ السكن الهادئ، والمأكل الهنيء، أما أن يكون الزواج وظيفة تشغل صاحبها عن مطامحه البعيدة، فذلك ما يجب أن يتحلل منه، لقد وجد الشاعر نفسه يفكر في ضيق متأزم عما يجب أن ينتهي إليه من رأي! وإذا كانت الكنيسة تحرم الطلاق، فإن ضروريات حياته تتعارض مع هذا التحريم إذ اختلفت المشارب، وتعارضت الأهواء، وباتت الزوجة بمآربها الخاصة وشواغلها الذاتية، على مسافة بعيدة من قلب زوجها، كما بات هو غريبا عن مشاعرها العاطفية، بل بات هو نفسه، يمثل قيدا حديديا يأخذ عليها طريق الانطلاق، ولا بد من عمل!! هذا إلى أن الشاعر بعد أن هجرته سريعا زوجته لا يستطيع أن قترن بسواها، إذ تحرم الكنيسة ذلك أيضا، ولا يدري أيظل مهجورا تحت رحمة غيره، أم يخلع عنه قيد التقاليد، حين يجهر برأي جديد!؟ ومثله في جرأته المندفعة لا يسكت إطلاقاً عن شاغل يرهقه ويضنيه، بل لا بد أن يجد التنفيس المريح لأواره الشديد.

عاطفة مشروعة:
فكر الشاعر وقدر، ثم صمم على أن يخرج على الناس بكتاب يثور على الأوضاع المرهقة، وينظر إلى الزواج والطلاق نظرة عملية تقتضيها الفطرة الخالصة، وترتضيها الطبائع المعتدلة، وقد بعد عن الخيال في قضيته الشائكة، ولجأ إلى الحقائق العلمية لتكون برهانه الملجم، فأعلن في مقدمة كتابه أن العاطفة الإنسانية نحو الرجل من المرأة ونحو المرأة من الرجل من الأمور المشروعة التي وضعها الله في التركيب الإنساني، وإذا لم تنطو هذه العاطفة المشروعة على خطأ، فالزواج أمر سعيد لأنه حينئذ التقاء موفق لعاطفتين متجانستين، فإذا وقع خطأ ما في اتجاه هاتين العاطفتين بأن كل الزواج مجرد متعة جسدية أو دافعا لحرص مادي، أو وجاهة مظهرية، فإن علائقه ستقطع في القلبين ليحل محلها سور حديدي غليظ تفرضه الكنيسة إجباريا دون مبرر، وقد يخدع الإنسان فيمن يتخذها زوجة، كما قد تخدع المرأة فيمن ترحب به زوجاً لها، ثم تكشف الأيام عن اختلاف المشاعر، وتنابذ الأهواء، فماذا يكون الحل إزاء ذلك كله! لا شيء غير الطلاق لأن العيش بدونه جحيم، لا يطاق.

هذا ما افتتح به (ملتون) كتابه الذي سماه “قانون الطلاق ونظامه” ولم يشأ أن يتعرض لمسألته الشخصية في بحث قانوني خالص، إذ آثر أن يخرج على المجتمع الانجليزي وكأنه يتجرد لقضية عامة لا تتصل بذاته، وحسنا فعل، إذ لو تعرض لتجربته الشخصية لكشف من الأسرار ما يجب أن يكتم، ولتعرض لمكذب يتهمه بالغلو والإدعاء، وانقلبت المسألة من قضية عامة إلى حادثة خاصة لا تعدم من يواجهها بأمور مماثلة ينقلها عن أسرة الزوجة ويبالغ فيها.. ولكن ملتون خاطب الإنسانية جميعا حين أعلن أنه بتحبيذه الطلاق عند ضرورته يخرج الناس من شر يلحقهم جميعا، ثم يضرب على الوتر القومي فيعلن أن انجلترا كانت دائما موضع القدوة والاحتذاء بما يهتدي إليه عباقرتها من أفكار، فإذا اتجهت في قوانينها إلى مشروعية الطلاق فإنها تسبق العالم الحضاري إلى وضع مدني يبعث سعادة المجتمع الإنساني! وكان على الشاعر الكبير أن يستشهد بالإسلام في دفاعه، ولكنه لحاجة في نفسه أو لأخرى يعرفها في نفوس معشره، قد تحدث عن الطلاق وكأنه مشروع ينبثق من ذات نفسه دون أن تسبق به ملل وأديان.

طبعة ثانية:
انتشر كتاب (قانون الطلاق ونظامه) انتشاراً مدوياً في انجلترا، وأعقبه سيل من الردود المتناحرة، لأن خصوم الشاعر السياسيين لم يتركوا بابا لتجريحه، فيما اتجه إليه دون أن يلجوه، فاضطر إلى أن يصدر طبعة ثانية تتناول بالنقض آراء المخالفين، وقد بدأ الطبعة الأخيرة بالحديث عما أسماه “فتنة الجسد” إذ يرى سيطرة الغرائز شرا يجب أن يدفع بالحكمة والتعقل في اختيار القرين المناسب، هذا الشر الكامن في تغلب العاطفة على العقل عند الاختيار، حين يغفل الزوجان مسألة التجاوب الروحي، وقد صرح الكاتب بأن فقد هذا التجاوب يجعل الزواج أمرا حيوانيا لا يختلف فيه الإنسان عن أسفل طبقات البهائم ولا خلاص منه إلا بالطلاق العاجل.

ثم يقف الأديب الكبير متسائلا:
“كيف يتسنى الاختلاط الجسدي الوثيق بين الزوجين يكره أحدهما الآخر كرها شديدا فعالا ويود أن يعتزله أبد الدهر، وهل فتح الله باب الزواج ليغلقه من ورائنا نهائياً، كما يغلق باب المقبرة على الميت الدفين؟ وهل يأمن عاقل أن يزل في الخطيئة حين يجد متنفساً آخر مع خليلة تشاركه العاطفة عن محبة وانجذاب، وقد تكون هذه الخليلة زوجة بغيضة إلى قرين تعيس يكن لها ما تكن من العداوة والشحناء؟ وما صورة مجتمع تتعدد فيه هذه الفظائع الدامية دون أن يستطيع رجاله حلا لما يوثق أعناقهم من الأغلال؟

ثم يهاجم رجال الكنيسة حين يعلن صراحة أنهم يتسببون عن عمد في إشاعة الكراهية والبغضاء في المجتمع المسيحي، وأنهم يعملون الخير كل الخير لو تجردوا عن معتقداتهم الباطلة، ونظروا إلى الطلاق نظرة واقعية تعتمد على تقدير النوازع النفسية، والأحوال الاجتماعية، إنهم لو فعلوا ذلك لأنقذوا الآلاف المؤلفة من الأرواح، ولساعدوا على طهارة النسل، ورفعوا كثيرا من قذارات المضاجع والجنوب حين يبتعدون بنفر من الأشقياء عن مهاوي الإباحية اليائسة، ويردون للإنسان المسيحي كرامته الطاهرة وحقه الطبيعي، إذ يفكون غله الوثيق، إن الشاب قبل الزواج لا يعلم ما بداخل بابه الجديد، فإذا ولج الحاجز إليه فقد يجد ما يريحه ويرضيه، وهنا تكون السعادة ذات جناحين يرفرفان فوق المضجع الوثير، وإذا كانت الثانية ورأى الزوجان ثعبانا يلدغ، وأفعى تطل برأسها من فوق الوسادة، فكيف يصبر الزواجان على سم قاتل سيسري في العروق سريان الموت عن قريب؟ ويمضي الشاعر مسترسلا في هذه الصور الأدبية ليبلغ ما يريد.

كتاب ثالث:
اشتعل الحوار على نطاق أوسع بعد صدور الطبعة الثانية، وهي في حقيقة أمرها، كتاب ثان، لا طبعة ثانية حيث اتجهت إلى تفنيد أقوال المعارضين من قرأوا الطبعة الأولى فأتت بالجديد في أكثر صفحاتها، وهذا الجديد لم يكن موضع التسليم المطلق من المعارضين فأوسعوه نقدا وتفنيدا، والنفس الإنسانية لا تعدم وسيلة للحجج إذا أرادت النقاش للنقاش ولم تجعله سبيلا إلى الحقائق المنشودة دون تلبيس، وهذا ما كان من أمر الناقدين، حيث سلكوا المستقيم والمعوج من الطرق ليسفهوا الشاعر قدر ما يستطيعون، وأكثر هؤلاء من المأجورين الذين سخرتهم السياسة لانتقاص ملتون وتجريحه، على أنه لم يشأ في كتابه الثالث أن يلتفت إلى النواحي الشخصية فيبحث عن البواعث الدافعة لتجريحه على هذا النحو البغيض، بل بذل كل قواه الفكرية لتأييد الطلاق باعتباره حلا محتوما إذا تعذر الوفاق! ومع هذه الأدلة الحاسمة فإن أسلوبه الأدبي قد ارتقى في دفاعه ارتقاء جعل الناقد الكبير (ماكولي) يعترف أن ملتون في دفاعه الأخير قد وصل إلى ذروة من البلاغة يتقاصر عنها شعره في بعض الأحيان كأن يقول مثلا عن الزواج الفاشل:

“هذا الحارس المخيف القائم على الباب، أمام الزوجين يمنعهما أن يجدا السبيل، هذا الحارس الجبار ينظر بوجهه الجهم، وعينه النارية، مهددا متوعدا، وقد أغلق كل منفذ يأتي بالنور، ليصيح بهذين العاجزين، استمرا كذلك ولا خلاص إلا بضجعة القبر.

إن المثل الأعلى للحياة الزوجية لهو في تلك الأيام التي عاشها آدم وحواء قبل هبوطهما من الجنة، وقد توشحت روحاهما وجسداهما، فلا محل لطلاق في هذا الفردوس! أما إذا تركا الفردوس إلى جحيم التباغض والحفيظة فلا نعيم ولا استقرار”.

نهاية متوقعة:
ومع ما خاضه الأديب الكبير من المعارك فإنه في النهاية لم يفز بطائل، لأن البرلمان قد وقف دون آراءه، واستمع إلى معارضيه في ثقة مما هاج هائج ملتون، فاندفع إلى تجريح فاس لمناوئيه في كتاب رابع، جعل شعاره الصاعق قوله:

“أجب الأحمق بما يشاكل حماقته، وإلا فإنه يعتقد في نفسه الحكمة ويتهيأ إلى نزالك من جديد”.

ولسنا نذكر هذا الشعار مؤيدين، لأننا نعرف قول الله: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} ولكننا نذكره ليدل على ما اضطرم في نفس ملتون من غيظ أفقده الراحة والاطمئنان، على أنه لم يأسف لحظة على موقفه الجريء، وإذا كان قد أغضب به نفرا من الساخطين فقد أراح نفسه من عبء ثقيل.

المصدر:شبكة كافور

JoomShaper