مريم نريمان
جلست طويلا بجانبه أتأمل صمته وسكونه، كلامه ومضمونه، تعصف في ذهني العديد من التساؤلات ..كيف بإمكان هذا الوثن أن يسلبني نفسي ويغير نمط حياتي ويفرّق بيني وبين عائلتي، أجالسه ولا أجالسهم .. لم يأت عنوة عنا، شرعنا له كل الأبواب، وقبلنا به واحدا من أفراد العائلة، بل إنه يملك من السلطة ما يمكنه من التغيير.. تقول أمي: لا تفعلي، ويقول هو: افعلي، ينصحني أبي بأن ألبس كذا، فيقول لباسك يجب أن يكون كذا، وثن يجلس في أهم الزوايا في البيت، ربما هو ديكور مفروض علينا فرضا في زمن العولمة، سواء بمفهومه المادي الجمالي، أو ذلك الوثن الذي لا يتحرك إلا ليضع القيَم في داخلنا؛ وفقا للترتيب الذي يرى القائمون عليه بأنه الأنسب لنا، لا يفوّت فرصة الجلوس بيننا، وهو وحده الذي يعلو صوته وقراراته وخياراته بيننا.
عندما علمت بحقيقة أن المرء يحصل على 90 % من معرفته عن طريق السمع والرؤية؛ أدركت الدور الخطير الذي يلعبه هذا الوثن الذي يدعى تلفازا في حياتنا؛ يصوغ عباراتنا وأحلامنا وطموحاتنا، ويصنع حتى مشاعرنا؛..وتوقفت للحظة أتأمل جهاز التحكم الذي لا يفارق يدي ..ويد غيري..

علمت في إحدى المرات من قريبة لي بأنها لا تسمح لأبنائها بمتابعة الفضائيات العربية إطلاقا، بحجة أنها لا تملك إجابات لأسئلتهم حول بعض التصرفات التي لا تمت بصلة لديننا الإسلامي؛ في حين أنها قد تجيبه بأن هذه التصرفات تميز غير المسلمين لو سألها عن تصرفات عرضتها فضائيات أجنبية غير مسلمة؛ وتؤكد له بعدها أن ديننا الإسلامي يرفضها، وضعتني هذه القريبة أمام عدد من التساؤلات: هل تصنع التناقضات القيمية التي تصطدم في ذهن الطفل قاعدة صحيحة وبناء قيمي لا يتهدم بسهولة؟ وهل تترسخ التصرفات الخاطئة في ذهن الطفل إذا رآها ممن هم في مثل دينه أكثر من غيرها ؟

كثير من الإجابات المتداخلة تدور في ذهني والتي تدفعني إلى محاولة البحث عن حقيقة البناء القيمي الذي يصنعه التلفاز ..فماذا تقدم الفضائيات العربية اليوم خدمة للبناء القيمي العربي الإسلامي؟

فذلك المراهق لا يزال يقبع أمام التلفاز يبحث عن نفسه بين قناة وأخرى، ويفتش بين خردوات العولمة عما يمكن أن يهديَ له ذاته الضائعة، فلم يجد العديد من الشباب حلاّ لشَعرهم ولا لطريقة تصفيفه، ولباسهم وأفكارهم وحتى مشاعرهم المعلقة بالأوهام.

ولا تزال تلك الفتاة المراهقة تتعلق بأحلام حفل زفاف على طريقة مسايا وعريس، في شكل "مهند" الأفلام التركية، ولباس من تصميم أكبر المصممين و..و..

وذلك الطفل لا يزال يتماهى بين أحلام أبطاله الوهميين ويحلم -نائما أو مستيقظا- بمشاركتهم مغامراتهم، وهو يتغذّى عنفا، مستسيغاً خرجاتهم الإبداعية التي لا تحدث خارج تلك الرسومات الذكية.

خدمة البناء القيمي ليست بهذه السهولة؛ وليس من السهل أن نبني قاعدة ونحن ننوي عكسها في ظل تيارات العولمة؛ التي تأخذ أشرعتنا في كل مرة إلى جهة لا تهمنا ولا تعنينا بقدر ما تهمهم وتعنيهم ..

ماذا يصنع الإعلام العربي  من شبابنا اليوم ؟
ماذا ننتظر من إعلامنا العربي اليوم؟ هل ننتظر أن يقدم القيَم التي ننتظر أو يرسخ أو يمحي؟ إعلام تتملكه حمى المسلسلات التركية التي لم نفهم إسلامها من مسيحيتها، من التزامها من تحررهها، أو برامج التولك شو التي تعتمد على أسلوب المزايدات في التعرض لمواضيع طابوهاتية أكثر..وكأنها في مزادها تطرح السؤال: من يزيد مواضيع أكثر جرأة؟ أو تلك الفضائيات التي تظهر في واجهتها فتيات يتشابهن في الغباء، يطرحون أسئلة تافهة لأجل صناعة مدخول وهمي من الرسائل القصيرة...

أو برامج الواقع التي نرى فيها الواقع داخل الشاشة وليس شاشة الواقع، والتي يعيش الشباب حلم المشاركة فيها، الكل بات يصوغ أحلامه بحثا عن الشهرة بعد أن تحولنا من مشاهير الشعب إلى شعب المشاهير، عن أي إعلام نتحدث؟ هل عن ذلك الإعلام الذي لا يتوقف عن صناعة النجوم الآفلة كل يوم، أو الإعلام الذي لم يتوقف عن التخصص، حتى وجد نفسه يتخصص في اللحاق بتفاهات الأمة، متناسيا مبادئها وأسسها الضائعة بين تيارات الأهواء.

سوبرمان الغرب أضاع طريقه إلينا !!
عندما عرضت الإعلامية  أوبرا وينفري في الموسم الأخير من برنامجها الشهير "أوبرا شو" قصة الفيلم الوثائقي "في انتظار سوبرمان " الذي أثار ضجة كبيرة في أميركا بعد معالجته موضوع التعليم، وطرحه قضية أن أغلب الأطفال الأمريكيين لم يحققوا أحلام الطفولة، والمشكل حسب الوثائقي يكمن في النظام التعليمي المتبع في أمريكا. وعكفت هذه الإعلامية على إيجاد حل للموضوع بعد أن استضافت وزراء وإعلاميين، وتم الإعلان عن مشاركة الأهل لأجل إيجاد حل للموضوع بعد أن تم وضع مجموعة من المواقع الإلكترونية في خدمتهم لمعالجة الموضوع سويا؛ واستحضارهم سوبرمان الذي سينقذ أحلام أطفالهم. إعلامهم صنع سوبرمان الذي سينقذ أحلام أطفالهم..فماذا عن سوبرماننا الذي انتظرناه طويلا لينقذ قيمنا ومبادئنا وعاداتنا من الضياع؟ لماذا يجلس سوبرمان العرب متفرجا وهويتنا الإسلامية  ضائعة بين أقدام العولمة...؟

لماذا يصطاد الإعلام تفاهاتنا ويغض البصر عن ما يكبرها أهمية كمشاكلها، فالشباب الجزائري مثلا ضائع في تيار الحياة الوهمية يمشطون الطرق ذهابا وإيابا يصنعون حياتا على مقاسهم يهمهم فيها اللحظة وفقط ....وغدا يوم آخر. مصطلحات غريبة ولغات مستنسخة من عريبتنا وانجليزيتهم فصنعت لغة جديدة اسمها "العربيزي".
تافه أنت إذا تكلمت فصحى و "معربز" على حد تعبير البعض، متخلف يجب أن تتبع حضارتهم الوهمية وتقول ما يقولون وتأكل ما يأكلون وتلبس ما يلبسون، وإلا فأنت خارج مجال الموضة، أليس هذا ما صنعه إعلامنا العربي...؟

يوم بدون تلفزيون...!!
كثيرا ما ينظم العالم أياما مشتركة يكون الهدف منها منفعة عامة، مثل يوم بدون تدخين، واليوم التحسيسي حول مرض السرطان مثلا ، فلماذا لا يكون إعلامنا العربي غيورا يوما عن قيَمه، وينظم يوما تحسيسيا عن سرطان العولمة الذي لا يزال ينخر جسد هذه الأمة ، ليُنهيَ على كل جميل فيها، ويبقي على أمة شاحبة اللون، منهكة القوى، متناسية من تكون ...!!

ماذا لو نظم العالم العربي يوما بدون تلفزيون؟ ماذا كان سيفعل كل هؤلاء الشباب في تلك الأوقات الضائعة من حياتهم؟ هل سيصنعون أشياء جديدة تشبه أحلامهم مثله ليحققوا ذواتهم؟ كثيرة هي الكلمات التي نحتاجها للحديث عن هذا الإعلام؛ الذي كبرت آمالنا مع تطوره وانتشاره، ونحن نحلم أن يكون ذلك الأب الذي يلمّ شتات القيَم ..كنا فعلا بحاجة إلى إعلام عربي أصيل 100%.

ماذا نملك من أنفسنا ؟
دعونا نكون إيجابيين -لدينا أحلام نحققها-.. لا سلبيين نعيش على أوهام وأضغاث أحلام نبددها ...نهوض الأمة مرتبط باستيقاظ فضائياتنا من نومها العميق، وتمثلها لأداءات الغرب وكأنه المثل الأعلى في الإعلام وحسب، في حين كنا بحاجة إلى هذا التمثل في أمور أكثر أهمية ...إعلامهم على مقاسهم فماذا عن إعلامنا؟ ولماذا نرتدي لباسا لا مقاسه ولا لونه يناسبنا ...كان ينبغي على إعلامنا أن يتوقف للحظات من جمع فتات العولمة الذي رماه غيرنا بحجة أنهم ليسوا بحاجة إليه،  فتراكض الإعلام العربي يجمعه غير آبه بما ترك وراءه من قيم؛ تترجاه أن يرأف بها وأن يمد لها يد العون، قبل أن تستحيل إلى ذكريات نبكي كلما تذكرناها ..ونحن نحس بفقداننا لذواتنا التي اشتراها الإعلام فبعناها له بأبخس الأثمان ..عندما نفقد هويتنا العربية وشخصيتنا الإسلامية إلى الأبد... عندها فقط ندرك قيمة السؤال: ماذا نملك من أنفسنا ؟

المصدر: من وحي القلم

JoomShaper