يوسف إسماعيل سليمان
لماذا كان الصحابة يتسابقون إلى الشهادة في سبيل الله؛ بل إن بعضهم كان يُفضِّل الاستشهاد في سبيل الله على أن يرى النصر بعينيه؟ تعالوا نعرف سويًا ما السبب في حبهم للشهادة:
لما خرج المسلمون إلى غزوة أحد، كان من الذين استشهدوا في هذه المعركة الصحابي الجليل عبد الله بن حَرَام، وكان لهذا الصحابي بناتٌ وابنٌ صالح اسمه جابر.
وذات يوم رأى النبي (صلى الله عليه سلم) جابر بن عبد الله بن حرام (رضي الله عنهما) حزينًا منكسرًا مهمومًا، بسبب موت أبيه عبد الله بن حَرَام (رضي الله عنه) في الغزوة، فقال له النبي (صلى الله عليه سلم): "أفلا أُبشِّرُك بما لَقِيَ الله به أباك"؟ قال جابر: بلي يا رسول الله (صلى الله عليه سلم).
فقال (صلى الله عليه سلم): "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا (أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول) فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا (أي إلى الدنيا) لاَ يُرْجَعُونَ. قال: يا ربّ، فأبلِغْ مَن ورائي (يعني طلب من الله أن يبلغ المؤمنين بما ينتظر شُهداءهم من حياة النعيم في الآخرة)، فأنزل الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) ([آل عمران: 169، 170].
يعنى أنزل الله هذه الآية ليبلغنا بارتفاع مكانة الشهيد وفرحته في الآخرة، وفضل الشهادة في سبيل الله، وأن الشهداء يعيشون في نعيم وسعادة في الجنة، وقد أكد ذلك ما روي من أن بعض الناس أتوا إلى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فسألوه عن الآية السابقة، فقال لهم: قد سألنا النبي (صلى الله عليه سلم) عنها، فقال (صلى الله عليه سلم)أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ (أي بطون) طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ (أي مصابيح) مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ (تتمنون) شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا. فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ (أي تكرر السؤال عليهم ثلاثة مرات)، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى. فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا".رواه مسلم.
ولهذا كان النبي (صلى الله عليه سلم) يشجّع أصحابه على الاستشهاد في سبيل الله ليفوزوا بالجوائز التي يعطيها الله للشهداء، قال النبي (صلى الله عليه سلم): "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ (أي عند أول خروج الدم من جسمه إذا استشهد)، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ ( أي يُحفظ ويُؤَمَّن) مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ (أي من أهوال يوم القيامة)، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ(أي يكون سببًا في نجاة سبعين واحدا من أقاربه من النار)". رواه الترمذي وصححه، وأيضا صححه الألباني.
ولكن الإنسان بطبيعته يخاف من القتل، ولهذا فقد طمأننا النبي r فقال: "مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ (أي ألم) القَتْلِ إِلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ القَرْصَةِ"رواه الترمذي وحسنه، وأيضا حسنه الألباني.
وقد تسمع يا بني أن كثيرًا من الشهداء يظهر عليهم الابتسام بعد الاستشهاد؛ وذلك– والله أعلم- لما يرون من تكريم الله لهم، ورؤيتهم لنعيمهم في الجنة.
واعْلَم يا بني أنك تستطيع أن تنال منزلة الشهيد وأنت في بيتك، تسأل كيف؟
لقد أخبرنا النبي (صلى الله عليه سلم) أن "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا".[رواه مسلم].
يعني أنك إذا تبرعت بجزء من مصروفك لترسله إلى المجاهدين أو المقاومين المسلمين، فقد كتب الله مثل أجر المجاهد، وكذلك إن أرسلت من مالك مساعدات لأُسَر المجاهدين أو الشهداء أو المقاومين أو الأسرى في سجون الاحتلال في فلسطين مثلاً، فقد شاركت المجاهدين في الأجر، وكذلك إن دعوت لهم بإخلاص، أو دعوت لنفسك بأن تنال منزلة الشهداء، قال النبي(صلى الله عليه سلم): "مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ"[رواه مسلم].
أفضل شهادة
- التفاصيل