لها أون لاين
تعتبر قضية ترتيب الأولويات من أهم عوامل نجاح أي مشروع وداعماً رئيساً لاستمرارية التفاعل معه من قبل المستفيدين منه . وترتيب الأولويات في الإسلام يحظى بعناية جاء في صحيح البخاري عنه صلي الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالي أنه قال:"ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل .... " وفي الحديث الآخر عند البخاري أيضاً : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال ثم أمك قال ثم من قال ثم أمك قال ثم من قال ثم أبوك . هذان الحديثان الصحيحان يشكلان نبراساً في مسار ترتيب الأولويات وأنه يحظى باهتمام التشريع الإسلامي ، وإذا كان ترتيب الأولويات يشكل تحدياً للنفس في أبواب العبادة حيث تميل النفس البشرية لأنواع محددة من العبادة ترى أنه أيسر أو أنفع لها من الأنواع الأخرى _ مع أن الكل مشروع ويؤجر على فعله –  إذا كان كذلك فإن قضية ترتيب الأولويات في ما عداها يعتبر أصعب على النفس خصوصاً وأنه قد تصاحبه حظوظ النفس أو تداخله شهوة الشهرة أو تسوقه عصا النجاح سوقاً دون تفكير .
العالم اليوم يعيش في صراع مستمر في قضية ترتيب الأولويات يغذي هذا الصراع تضارب مصالح أمم الأرض ، وفي ظل هذا التضارب نشأت وسائل الإعلام التي تحاول أن تجعل اهتمام الناس ينصب تجاه قضية محددة  ونشأت فرضية ترتيب الأولويات الإعلامية وهي تنطلق من مبدأ أن لوسائل الإعلام تأثيراً كبيراً في تركيز انتباه عامة الناس نحو الاهتمام بموضوعات وأحداث وقضايا معينة ، ومن خلال الفجوة المعرفية العميقة بين عامة الناس وبين موجهي وسائل الإعلام أصبحت تثار قضايا هامشية ويتم تضخيمها أمام الجمهور لينفرد موجهو وسائل الإعلام بالتحكم بالقضايا الكبرى بمعزل عن الجمهور، وفي ظل الحراك الذي يشهده العالم العربي اليوم وبروز توجهات جديدة وصعود حركات إسلامية نحو مراكز صناعة القرار والتحكم في وسائل الإعلام فإن الحاجة ماسّة لترتيب أولويات الشعوب وتنفيذ متطلباتها بما يكفل الحفاظ على الهوية الإسلامية في ظل المتغيرات العديدة التي أفرزت صعود هذه الحركات إلى المواقع الريادية في عدد من الدول .
كثير من مشكلات العالم الإسلامي عموماً والدول العربية خصوصاً ناتجة عن سوء إدارة للموارد البشرية والمادية في تلك الدول لعدة عقود ، وحلول تلك الإشكالات لن يأتي بين عشية وضحاها  بل يحتاج لتخطيط مسبق وفق رؤية شاملة متأنية تدرس كل جوانب الإشكالات لتحل من جذورها بدلاً من المحاولات العبثية للقضاء على ما يطفو على السطح ، والتي يحاول الإعلام أن يجعلها هي الأكثر أهمية ، فعلى سبيل المثال ظهرت قضية اللباس المحتشم والشواطئ والسياحة في وسائل إعلام بعض دول الربيع العربي وكأنها هي القضية التي تتوقف عليها حياة شعوب تلك الدول ، وقد تناست وسائل الإعلام قضايا مصيرية لتلك الشعوب كالتعليم والصحة والاقتصاد في محاولة لخلق جو من الفوضى والكراهية بين الشعوب وما اختارته عبر صناديق الاقتراع ولجر تلك الحكومات الناشئة في صراعات هامشية لتعيش بنفس الروتين الذي عاشته الحكومات المستبدة قبلها ولكن من خلال تغيير أجندات القضايا التي تطرحها وسائل الإعلام لتتناسب وطبيعة المرحلة الحالية .
لقد نشأت عدة نظريات لحل المشكلات وترتيب الأولويات لعل من أبرزها نظرية باريتو (Pareto ) أو ما بات يعرف بنظرية 20/80 ، ومختصرها أن  20% من الأسباب تؤدي لـ 80% من النتائج ، فهذه سمة مهمة في ترتيب الأوليات وهي تحتاج لجهد في بداية العمل يعقبه بإذن الله حل لكثير من المشكلات المزمنة في أمتنا ، والتي أسرف منظرو تلك الأنطمة المستبدة في استيراد الحلول لها من الشرق والغرب بعيداً عن منهج الإسلام الواضح وحقائقه الثابتة ، فالإسلام نظام حياة شامل كفيل بحل كل مشكلات الأمة إن صاحبت تطبيقه نية خالصة بعيداً عن حظوظ النفس وضغوط الأتباع مراعين في تطبيقه ما ورد في الحديث الصحيح " ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا  أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها بي يسمع بي يبصر بي يبطش وبي يمشى ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه". فهذه كل متطلبات الحياة البشرية تتحقق من خلال هذا المبدأ العظيم .

JoomShaper