أسماء زكي
نحتاج في ظل حالة المخاض التي يعيشها العالم الإسلامي إلى الرجوع للبدايات الأولى لنشأة الأمة الإسلامية، نتلمس طريق البناء والنهوض، ونستخلص الدروس، نحدد الطريق ونترسم المنهج، وبقراءة طولية وسريعة لتاريخ الإسلام منذ لحظته الأولى وحتى وقتنا الراهن خاصة فترات النهوض والسقوط وفترات التحول، يمكننا أن ندرك أن الصعود الإسلامي يتحقق من خلال ثلاث دوائر يتداخل بعضها في بعض، وتؤثر كل منهما في الأخرى، دائرة الإنسان، فالدولة، فالحضارة.
دائرة الإنسان:
"لقد اجتاز الإسلام دائرة الإنسان، ثم ما لبثت العوائق السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية أن صدته عن المضي في الطريق صوب الدائرة الثانية حيث الدولة، لأنه بلا دولة ستظل دائرة الإنسان أشبه بنواة لا يحميها جدار، مفتوحة على الخارج المضاد بكل أثقاله وضغوطه، ولن يستطيع الإنسان الفرد أو الجماعة المؤمنة التي لا تحميها دولة أن يمارسا مهمتهما حتى النهاية، سيما إذا كانت قيمهما وأخلاقيتهما تمثلان رفضا حاسما لقيم الواقع الخارجي.. ومن ثم كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لإقامة الدولة (الدائرة الثانية)"(1).
دائرة الدولة:
وبعد الانتهاء من المرحلة الثانية من توطيد دعائم الدولة على أسس متينة مستكملة البناء القانوني للدولة و"الذي يقوم على أركان ثلاثة "الأمة والسيادة الداخلية والخارجية، ثم الإقليم ولكنها ما أخذت مكانها ودورها في التاريخ لواحد من هذه الأركان. فلقد قامت دولة الهجرة على أمة ولكنها أمة تقوم على أساس الفكر والعقيدة؛ لذلك فقد كانت الدولة الجديدة دولة فكرة"(2).، وهذا هو الذي ساعدها على أن تتبوأ مكانتها في التاريخ البشري.
دائرة الحضارة:
ثم كانت الدائرة الثالثة وهي دائرة الحضارة، وقد تميزت الحضارة الإسلامية بسمة أساسية ميزتها عن غيرها من الحضارات، وهي أنها حضارة إيمانية، بمعنى أنها "تنبثق من أصول عقدية مستمدة من منهج إلهي، دين قادم من السماء، وإنها تعبير متفرد عن ذلك اللقاء المرسوم بين السماء والأرض. وهي مهما تضمنت من أخطاء وانحرافات، متعمدة أو غير متعمدة، ومهما شذت أو بعدت ـ أحيانا- عن مسارها الأصيل، عن كونها التعبير الصادق للمنطلق المستمد من الجذور، المتوجه صوب الهدف فإنها تظل في نسيجها العام.. في إيقاعها، وتوجهاتها، ونبضها، حضارة إيمانية لا تأسرها الأرض.. إنها بعبارة أخرى حضارة ملتزمة، صاغها مجتمع ملتزم، فمن وراء ركام الأحداث والتغيرات السياسية والعسكرية التي شهدها تاريخنا عبر قرونه الطويلة، ومن وراء قيام الدول والسلالات الحاكمة وسقوطها، ومن وراء تأرجح القيادات العليا للحكومات الإسلامية بين التسيب والالتزام، من وراء هذا وذاك، كان هناك مجتمع إسلامي ملتزم ظل على وفائه لعقيدته التي صنعته وأعطته مكانا في العالم "(3).
وكان من نتاج ذلك أن تحرك المسلمون إلى العالم، وعبر فترة قصيرة نسبيا من الزمن تمكنوا من صياغة أكبر وأقوى حضارة عرفها التاريخ.
إن بناء النهضة الإسلامية لا يتحقق إلا من خلال اكتمال وتكامل الدوائر الثلاثة، والواقع أن حركات التجديد التي قدر لها النجاح في التاريخ الإسلامي جميعها قامت على مفهوم التغيير والإصلاح بدوائره الثلاثة. لكن لابد لكي تكتمل هذه الحلقات أن يتولى أمر الإصلاح والبناء "أولو الألباب النيرة" و"الإرادات العازمة النبيلة".
وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وهذا ما أشار إليه الشعبي حين قال :"إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك. فإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا، وإن كان عاقلا ولم يكن ناسكا، لم يطلبه، فإن هذا الأمر لا يناله إلا النساك العقلاء"(4).
ــــــــــــــــــــــــــ
الإحالات أو الهوامش:
(1) في التأصيل الإسلامي للتاريخ، دكتور عماد الدين خليل ، دار الوفاء ، ص37 بتصرف يسير.
(2) مرجع سابق ص41 بتصرف يسير.
(3) مؤشرات حول الحضارة الإسلامية، دكتور عماد الدين خليل ، دار الصحوة للنشر والتوزيع ، ص 61.
(4) الحافظ أبي بكر ابن أبي الدنيا، العقل وفضله، نقلا عن كتاب هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس للدكتور ماجد عرسان الكيلاني.
الأمة الإسلامية .. ودوائر النهوض الثلاث
- التفاصيل