د.علاء الدين الفرارجي*
فجأة وبلا مقدمات أصبح الجميع يهتمون بصراخ الشباب, أو أصوات الشباب ... وتتسابق الفضائيات والمواقع المتعددة على شبكة المعلومات الدولية والمراسلين والزعماء والمفكرين لاطلاق الآراء والتحليلات والاسقاطات بخصوص ما حدث من الشباب في ميدان التحرير بقلب القاهرة.
القضية في الواقع ان فكر وطموحات ورؤية الشباب الذين تجمعوا في ميدان التحرير في اليوم الأول تختلف كثيرا عن رؤية الأجيال السابقة لهم. الأجيال الجديدة تتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" و "تويتر" وعبر وسائل الاتصالات الحديثة والاقمار الاصطناعية ولديهم طموحات مشروعة ولا حدود لها وحياتهم سريعة الوتيرة, فقد تعودوا على الوجبات الجاهزة والسريعة, وتعودوا على حياة من نوع مختلف عن حياة الاجيال السابقة, في المفاهيم والطموحات والسلوكيات ومهما كان الاختلاف الطبيعي بين الاجيال المتعاقبة فان هناك فجوة كبيرة قد حدثت بالفعل بين جيل لا وقت لديه لقراءة التاريخ وانجازات من سبقوه في مجالات الحرب والسلام والتنمية - وأعني بذلك "جيل الشباب" - وبين الاجيال السابقة حتى في الملابس وفي اسلوب الحوار وفي اسلوب التغيير, وفي الطموحات, وهناك الكثير من العوامل والاسباب والتراكمات التي أدت الى انفجار الشباب وصراخهم غير المسبوق, بعض تلك العوامل او اهمها قد يعود للاسرة الصغيرة التي لم يعد لدى افرادها الوقت الكافي للحوار والتواصل الداخلي حول شؤون الاسرة الصغيرة!
الأب والأم يلهثان طوال اليوم من اجل تأمين متطلبات الحياة مما لا يترك الفرصة للتواصل الاسري الاجتماعي, وبعض الاسر يقودها الأب فقط او الأم فقط, والجد او الجدة وبعض الشباب يقضيون غالبيةأوقاتهم في النوادي ومع الاصدقاء اكثر مما يقضونه مع والديهم.
وهناك فراغ ايديولوجي لان الاحزاب والاتجاهات السياسية لا تهتم باستقطاب الشباب وتربيتهم وصقل مهاراتهم, والقيادات تفكر بحكمة ورؤية تتفق مع المرحلة العمرية لتلك القيادات وما تتمتع به من خبرات تراكمية والجامعات والمدارس لم تعد تهتم كثيرا بالعملية التربوية بقدر الاهتمام بالمناهج التعليمية والبناء الاكاديمي للطلاب. المدرسون من أجيال الشباب لهم طموحات مختلفة عن الاجيال السابقة من المربين الأفاضل.
ومهما كبر الأبناء في العمر فأننا ننظر اليهم كأبناء ونعاملهم بالطريقة نفسها التي يتعامل بها معنا أباؤنا من قبل على الرغم من اختلاف الزمان والعصر.
ومع ارتفاع معدلات الاعمار اصبحت القيادات في معظم المواقع من اجيال تختلف تماما عن اجيال الشباب, فان من يتمتع بالقدرة على القيادة والعطاء والاستمرار بالقيادة والمسؤولية قد يكون قد تجاوز عمره 60 عاماً, والكبار يعتقدون ان الحكمة في مقاعد القيادة صمام امان للسلامة بينما الشباب يعتقدون ان حماس الشباب بمقاعد القيادة ضرورة للانطلاق للأمام على طريقة السيارات الرياضية وسيارات السباق والدفع الرباعي التي يعشقها الشباب!
ان ما حدث في ميدان التحرير بالقاهرة هي دعوة من الشباب للكبار بأن يستمعوا اليهم ويتحاوروا معهم في مراحل تسبق مرحلة الصراخ وهو دعوة للاهتمام بالتفكير في تحليل ما حدث بمنظور تربوي واجتماعي وسلوكي وان تكون الدروس المستفادة شاملة وتنبثق عنها حلول طويلة المدى لبناء جسور الثقة بين الأجيال المتعاقبة, مع فهم الاسباب والدوافع التربوية لما حدث جنبا الى جنب مع الاسباب والدوافع الاخرى والملابسات التي احاطت بما حدث والعوامل التي اججت وادت الى بعض المضاعفات, وما حدث في ميدان التحرير بالقاهرة من الشباب قد يتكرر ان لم يفهم كل جيل رؤية وطموحات ومفاهيم الاجيال الأخرى وان لم نؤصل ثقافة التواصل والحوار المستمر رأسيا وافقيا بدءا من داخل الاسرة التي تجابه الكثير من التحديات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية, وقدر شباب اليوم انهم يعيشون في عصر مختلف وحياة سريعة الوتيرة وطموحات كونية, ويأملون أن يكون الكبار قدوة حقيقية ومثالية.
ومهما كانت ثورة الشباب فان ما يجرح الكبار ويدمي قلوبهم ومشاعرهم ان تتلوث لغة الحوار الراقي بين الأجيال المتعاقبة ببعض المفردات والسلوكيات التي يصعب قبولها في مجتمعاتنا التي تعودت وتربت على احترام الصغير للكبير وتقبيل يد ورأس الكبير عرفانا وامتنانا وتقديرا وليس عبودية او ذلا او خنوعا, وكان الاختبار قاسيا على الجميع بلا استثناء.

*عضو الجمعية الدولية لجودة الرعاية الصحية

JoomShaper