الدستور- رنا "محمد حسن" الهنيني
نلاحظ جميعا جنوح بعض الشباب العربي للثورة على القيم المجتمعية والتمسك بكل ما هو غربي حتى وان اختلف مع الدين والثوابت والأعراف.
فلماذا يقضي الشباب أغلب وقتهم في ما لا يفيد وتنتشر بينهم روح اللامبالاة والإحساس بالضياع والإحباط؟.
ترى ما هي الأسباب الرئيسية لهذه الاهتمامات السلبية لهؤلاء الشباب؟ هل هو الغياب الأسري نتيجةً لبعض المشكلات والأزمات الاجتماعية المختلفة والتي جنبت الأسرة من زرع القيم والمبادئ وغياب الوازع الديني ، أم هو روتين الحياة الذي يشعرُ الشاب دائما بالملل؟ هل هو غياب القدوة في الوقت الذي يحتاج فيه الشاب المثل الأعلى والقدوة الحسنة؟.
هناك من يرمي باللوم على بعض السياسات الإعلامية في تضليل المجتمع وانتشار الفساد وخاصة بين فئة الشباب ، حيث يعتبر الإعلام وسيلة من وسائل تربية النشأ فهل ذلك يعد من الأسباب الرئيسية بل وأهمها ، أم هو الاجتياح الغربي ومحاولة التقليد الأعمى من قبل الشباب لمحاكاة التطور؟. "شباب الدستور" التقى عددا من الشباب والشابات للحديث عن هذا الموضوع.
م. حسن عبدالله
هناك خطأ شائع بين شباب المسلمين أنهم يعتقدون بأنهم يعتقدون أن التحضر يكون بالتقليد الأعمى للغرب ، ولكنه يتمثل في أن يكون عقل المسلم كالنافذة يدخل منها الهواء العليل ويغلقها في وجه الغبار ، أعني أن يدخل إلى عقله ما يفيده ولا يعارض دينه.
وكما قال احد علماء تونس عند تعريفه للحضارة بأنها تكون عندما يوقن المسلم بما يجب أخذه من الحضارات الأخرى وما لا يجب أخذه ، حتى لا يتحول مشروع الحضارة من مشروع تحضر وانفتاح إلى مشروع تأخر وانبطاح.
م. هالة فياض
باعتقادي ان ظهور العديد من نماذج التقليد الأعمى للغرب من قبل شبابنا في طريقة الحديث والتعامل واللباس وقصات الشعر وغيرها الكثير من مظاهر التقليد الاهوج تتلخص اسبابه بانتشار وسائل الاعلام التي تنقل برامج متخصصة في طرح افكار وقيم غربية تافهة تحاكي ظواهر منافية لأبسط تعاليم ديننا الحنيف ولكنها تظهر بصورة جذابة تجعل من سلوك نجومها نماذج يقتدى بها من قبل الشباب الذي لم ينل حقه من التوجيه والمراقبة والاصلاح نتيجة انشغال الأهل بتأمين جوانب الحياة المادية وغفلتهم عن الجانب الأهم الا وهو الوازع الديني الأجدر والأولى بالاهتمام ، فلو أخذ الشباب حقه في التربية الايمانية الروحانية لكان ذلك رادعا له عن الانجراف وراء هذه المغريات حتى لو كان مصدرها الرفقاء والأصحاب ، وهنا اركز على اهمية التعامل بحذر في التوجيه والارشاد والموازنة بين المراقبة والحرية ، قال الامام علي (كرم الله وجهه): "ربوا ابناءكم لجيلهم فإنهم قد خلقوا لجيل غير جيلكم". وان نكون على قناعة اننا اصل الحضارة بعكس الفكر السائد ان الغرب هو اصل التحضر والتقدم وان التقليد ليس بالخطأ اذا لم يكن معارضا لديننا واخلاقنا ولكن التقليد الاعمى هو الكارثة بذاتها لما له من انعكاسات سلبية على الأجيال القادمة.
عامر أمين الهنيني
ما نشهده الآن من التقليد الأعمى للغرب المنتشر في شتى البقاع العربية خاصة: والإسلامية عامة من ناحية بحث جذورها وتحديد مبتداها وتطورها وآثارها ، موضوع لا يمكن أن يختزل في بضعة سطور ، ولكن بربط الموضوع بالوعي الديني والمخزون الثقافي للفرد والمجتمع والأمة يمكننا أن نضع أيدينا على موضع الجرح.
إن أساس هذه الظاهرة التي تأججت نارها في القرنين الأخيرين ولم تهدأ بعد ، تعود في الأساس إلى قلة الوعي الفكري والديني الذي سرى في عامة الأمة ، ونمط هذه الظاهرة تقليد مغلوب لغالب ، وهو كما وصفه المفكر والمؤرخ العربي المسلم الكبير ابن خلدون بأن المغلوب مولع بتقليد الغالب فنرى أن الكثير من الناس وبخاصة فئة الشباب في هذا الزمان قد استحوذت أنماط الحياة الغربية عليها ، وما فتئت تحاكيها وتتأثر بها في المأكل والمشرب والملبس والمظهر والعادات ، بل حتى وشم الجسد وبذاءة اللسان عند البعض ناهيك عن التطبيقات الحياتية والسياسية والاجتماعية الأخرى ، وهذا تصديق للحديث الشريف: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه".
إن أحد العوامل الرئيسة لانتشار وتفشي هذه الظاهرة في عصرنا الحالي هو الانفتاح الثقافي والإعلامي على الغرب من خلال الفضائيات والإنترنت ووسائل الإعلام الأخرى التي تؤدي دورا فاعلاً في نشر ثقافة العولمة وأهدافها بين أوساط الجماهير العربية خاصة ، بالإضافة إلى النخب البارزة في شتى المجالات لا سيما الثقافية.
إن الخطوة الأولى لمواجهة هذه الظاهرة في الوقت الراهن هي العودة إلى الذات ، والعمل على تقوية الحصانة والوعي من خلال الفهم الصحيح للدين والتاريخ الإسلامي ، والنظر إليهما نظرة عز وفخار لا نظرة يأس واحتقار ، والإيمان يقينا بأصالة حضارتنا ورساخة جذورها ، وقدرتها على إلهامنا الحلول لمشاكلنا المعاصرة من منابعها الأصيلة الدفاقة المعطاء ، وأن ثقافة الغرب تفتقر إلى الأصالة والعمق الحضاري رغم التطور المادي والعلمي الهائل الذي لا غنى لنا عن الاستفادة منه بما يلائمنا.
إن التقليد الأعمى للغرب هو من أخطر الصفات التي بدأت تغزو عقول شبابنا العربي بغض النظر عن انتماءاته الدينية وقد لوحظت على الكثير من الشباب ، ومنها قصات الشعر المتنافرة ما بين قصير وطويل لكل من الفتيان والفتيات واللباس وطريقة الكلام والتعامل والاختلاط غير المحسوب من كلا الجانبين والرقصات الغربية التي يقوم معظم الشباب بأدائها دونما معرفة بمصدرها وأصلها ، فمثلا رقصات الروك والراب ، رقصات معظم الشباب يقومون بها علماً بان مثل هذه الرقصات هي عبارة عن طقوس لها اعتباراتها عند الغرب.
أيضا ما تقوم به بعض الفتيات من خلال طريقة وضع الماكياج وما نلاحظه من وضع الحلق في الأنف وما الى ذلك من طقوسْ جديدة غلبت شبابنا.
عبدالله الغلبان
بسبب قله الوعي عندهم ولا توجد لديهم قدوة يحتذوا فيها ، فيضطروا لتقليد أي شيء يحبوه دون تفكير ، مثلا تقليد الشباب للبس (الفرق الموسيقية الغربية - الراب) لمجرد أنهم أعجبهم نمط الغناء هذا وأنها من جهة أخرى تنافي ديننا وعاداتنا وتقاليدنا حتى يبتعد الشباب عن التقليد الأعمى على المجتمع ككل بالعودة إلى عاداتنا وتقاليدنا وتمسكنا بالدين وزيادة الوعي.
شفاء أبو حفيظة
ان غياب الوازع الديني لدى الكثير منا جعلنا نبتعد عن الدين الإسلامي وما حثنا عليه الإسلام ، ففي أيامنا هذه غاب الوعي الديني بشكل كبير وموسع ولا يقتصر على بلدنا بل على جميع البلدان العربية فأصبحنا نرى لباس الفتيات للجينز الضيق وحلق الشعر سواء أكان (شابا أو فتاة) فأصبحنا لا نميز بينهم. بالإضافة إلى سماع الأغاني وأخبار الفنانين بدلا من سماع ما يستفيدون منه.
يوسف أبو حويطي
بالنظر إلى حال أبنائنا وبناتنا وقبل فترة قصيرة سمعنا خبر موت مايكل جاكسون وعلى الرغم من أن الكثير منا لم يبال بهذا الخبر فإننا وجدنا من انتحر بسبب وفاته وللأسف فإن كل من انتحر حزنا عليه هم من العرب ، بينما معجبوه من أبناء جلدته لم يفعلوا مثلما فعل الشرقيون وفوق ذلك وجدت الكثير من المواضيع التي تشيد به وبحياته وأفعاله ، والمصيبة الكبرى ان الجميع من العرب المسلمين الذين قد لا يعلمون عن دينهم بقدر ما يعرفونه عن هذا وذاك ولا يدافعون عن دينهم ورسولهم بقدر ما دافعوا عن جاكسون ولم يتبنوا أفكارهم ولم يطبقوا تعاليم دينهم بقدر ما فعلوا مع أقوال وأغاني جاكسون متناسين أن من أحب قوما حشر معهم.
د. رولا الحيت
كما التقى "شباب الدستور" أستاذة الثقافة الإسلامية ـ في جامعة الإسراء (الفقه وأصوله) د. رولا محمود الحيت ، وقالت: واقع الأمة الإسلامية يشير إلى أنها تقع في هاوية عميقة هي التقليد الأعمى للغرب ، الذي سيطر على العقول والأبدان نتيجة المثاقفة بيننا وبين الغرب دون الأخذ بعين الاعتبار بشروط تلك المثاقفة ، من حيث الاطمئنان إلى الهوية الثقافية الإسلامية المستقلة عن غيرها ، الواثقة بنفسها ، والمؤمنة بغاياتها ، لقد حصل الانفتاح بيننا وبين الغرب دون أن نتيقن من اكتمال النموذج المعرفي الإسلامي لدينا ، الأمر الذي أدى بنا إلى الذوبان الثقافي وضياع هويتنا الإسلامية ، فبدلا من أن نحقق تبادلا ثقافيا وحوارا ثقافيا قائما على الاحترام المتبادل والتسامح والاعتراف بالخصوصية الثقافية التي تتميز بها أمة عن أمة وقعنا في مصيدة من يريد أن تكون أمة هي أربى من أمة ، ووصلنا إلى مرحلة الهيمنة الغربية التي تحققت بها السيطرة على العقول والأبدان معا ، حتى إننا أصبحنا نعد المقاييس الغربية هي المقاييس الحضارية للتقدم مع أنها مقاييس بشرية غير ثابتة وخاضعة للتغير والتبدل حتى من معديها وواضعيها.
ولقد حصلت محاولات في بداية القرن للجمع بين الأحسنين ، فمثلا جاءت محاولات لإعطاء المرأة حريتها والسماح بالدخول في سوق العمل ، وفتح المجال أمامها لتعليمها تعليما حديثا مع احتفاظها بقيم العفة والحشمة في الملبس والسلوك وهي القيم الإسلامية الأصيلة ، ولكن الذي حصل هو الانبهار بالنموذج الغربي وما يسمى بالمدنية الغربية التي تعرض فكرة أن المرأة لها مطلق الحرية في التصرف بجسدها ، فتلبس ما تشاء ، وتعرض من جسدها ما تشاء ، مع أنه لا علاقة بين التقدم والتهتك.
إن التسول قبيح ومن الغني اشد قبحا ، وإن أمة غنية بكل ما يمكن أن يحقق التقدم الحضاري والفكري عار عليها أن تتسول من غيرها ، وأن تغرق في تقليدها الأعمى لكل ما هو قادم من غيرها ، من غير تمحيص أو تمييز لما هو صالح لها ومنسجم مع خصوصيتها الثقافية التي تميزها عن غيرها.
د. مصطفى غنيمات
أستاذ الحضارة والفكر العالمي والحضارة العربية الإسلامية في جامعة الإسراء د. مصطفى غنيمات يقول: إن نظرية أو مقولة "هانتنغتون" المتعلقة بالصراع أو الصدام بين الحضارات على حد زعمه جاءت تهدف إلى هيمنة الغرب على العالم وتبرير سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على السياسية العالمية ومن ثم سيطرة الثقافة الأمريكية على الثقافات الأخرى ، وثقافتنا العربية الإسلامية هي المستهدفة بالدرجة الأولى ، وإذا أضفنا إلى ذلك الآثار السلبية للعولمة الثقافية المتمثلة في السعي لتعميم النمط الثقافي الأمريكي وتذويب الثقافات الأخرى أو طمسها ومن ثم التنازل عن الخصوصية أو الهوية الثقافية لصالح النموذج الثقافي الأمريكي ، أدركنا أن الغرب يسعى وبمختلف الوسائل إلى إيجاد حالة من التقبل لثقافته حتى في أوساط المثقفين من العرب والمسلمين.
وإزاء ما سبق فإن التقليد الأعمى للغرب في سعيه لأن تكون ثقافته هي الثقافة المركز والعالمية ، أما الثقافات الأخرى بما في ذلك ثقافتنا العربية الإسلامية فهي ثقافات هامشية أو محيطية ، وما عليها إلا أن تستمد من الثقافة - المركز.
ويضيف إن العولمة الثقافية هي اخطر التحديات المعاصرة لثقافتنا العربية الإسلامية ، والتقليد الأعمى هو تنازل عن الاستقلالية في التفكير المقلد ووعيه وانقياد في لغته وعاداته وأفكاره وقيمة معتقداته وراء من يشعر أو يعتقد فيه لإكمال وخاصة عندما يتعلق الأمر بالغرب وثقافته ، إنني لا أدعو إلى الانغلاق الثقافي بل انه من الضروري الانفتاح على الثقافات الأخرى ولكن مع ضرورة الامتلاء الثقافي أو التحصين بثقافتنا فنتعامل مع الثقافات الأخرى من موقع ثقتنا بأنفسنا وامتلائنا بهويتنا الثقافية ووعينا العميق بخصوصية ثقافتنا وممارستها ، ونبتسم بروح نقدية عالية فندرك من خلالها الغث من السمين ، والضار من النافع ، وما يتعارض مع هويتنا الثقافية

JoomShaper