د. سعود بن حمود السهلي
أصبح من الواجب في ظل مجتمع تؤكد إحصائياته أنه من بين كل عشرة سعوديين هناك سبعة من الشباب دون الـ 30 من العمر، أن نفتح باب النقاش والجدل حول قضايا الشباب، التي أعتقد أنها جديرة بكل الاهتمام والانتباه..؛ وأن نضعها دون إفراط أو تفريط بين قضايا الأمن الوطني ليس لأن هذا القطاع الحيوي، والناهض والمتحرّك، يشكِّل النسبة المرتفعة التي تعني واقعيا تمثيل ثلثي طاقة هذا الوطن وقدراته الكامنة، فقط، وإنما أيضا على الجهة الموازية لهذه الحقيقة لكونه يمثِّل أيضا ثلثي حجم المشكلات والتحديات التي يعيشها المجتمع! وأدري، بل أعتقد أن كل قضية، من قضاياه الوطنية تعطي فرصا كبرى في مستقبله وتحديات غاية في الأهمية في حاضره .. وتستحق جميعها أن تُدرج على أولويات قضايا أمننا الوطني.
الملحوظة الأبرز في الحراك المجتمعي والثقافي والفكري، الذي يغشانا ليل نهار، هو الحديث كثيرا عن قضايا الشباب، وربما يتزايد الاهتمام الرسمي بهذا القطاع الحيوي المهم، وإن ظلَّ هذا الاهتمام محدودا، بل مُقيدا بحدود الفعاليات والأنشطة الموسمية.. هنا وهناك.. كيفما اتفق!
وتبرز كذلك أدوار مجتمعية وأهلية، مهمة، ولا غنى عنها، للمساهمة في طرح حلول اجتماعية في مجالات عدة، من أهمها: الحد من تفاقم البطالة؛ وتنمية مهاراتهم؛ وتوفير إسكان مناسب لهم؛ .. أدري أن مبادرات كثيرة، جيّدة، أطلقت لاحتواء الشباب وقضاياهم، وأذكر في هذا الخصوص، فعاليات اللقاء الوطني الثالث للحوار الفكري، الذي أقامه مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، في أواخر شوال عام 1425هـ عن الشباب وقضاياها وتطلعاته..، إضافة إلى الفعاليات الوطنية المتنوعة (الموسمية)؛ ويبقى في الأخير بعد مثل هذه الفعاليات والاحتفاليات بالشباب، أن صوتهم يجأر بالشكوى، من أن صوتهم ليس مسموعا بما فيه الكفاية...! وأن أحدا لا يتحاور معهم، أو يحاول الاقتراب من تفكيرهم، ووجدانهم، وهنا أود أن أتساءل: تُرى هل تكمن المشكلة في تواضع مؤسسات المجتمع وفعالياته الرسمية والأهلية أم في الشباب نفسه؟! الذين أتمنى إذا ثبت أن ثمة مشكلة في صياغة وتوصيل خطابهم الشبابي؛ فإن عليهم في هذه الحال أن يتجاوزوا نمطية هذا الخطاب؛ وأن يخرج بعض شبابنا من كهوف عزلتهم التي لجأوا إليها باختيارهم طوعا وأن يتجاوز البعض الآخر منهم سلبيته. ويطورون من أنفسهم نحو التجديد والابتكار.وإذا كان الأمر يتعلق بسلبية المؤسسات المجتمعية.. الرسمية منها والأهلية على السواء؛ فإن عليها جميعا أن تعترف بأن كل إنفاق على هذا القطاع الحيوي والوطني، إنما هو استثمار بشري يعيد الرؤية والرسالة والهدف، والمدى إلى المسار الصحيح؛ لأنه الاستثمار الأكثر ذكاء والأفضل مردودا.
وفي كل الأحوال، نحن مدعوون للتحلي بالكثير من الوضوح والصراحة لفتح باب الحوار والنقاش حول عدد من القضايا الخاصة التي تهم الشباب، وتؤرق مضاجعهم:
القضية الأولى: الصورة النمطية للشباب في ذهنية البعض، حيث لا يسود انطباع مسبق، يبدو أنه يحكم تصورات الأطراف المعنية بقضية الشباب؛ فهذه الصورة الذهنية التي يصنعها الكثيرون عن الشباب لا تخلو من السلبية وعدم الاكتراث والتواكلية وضعف العزيمة؛ والافتقار إلى الجدية؛ وغياب المشاركة.. بينما تبرز الصورة التي يشكّلها الشباب في مخيلاتهم عن المؤسّسات المجتمعية، بما فيها الأسرة، انهيار جدار الثقة حيالهم، وعدم محاولة أحد فهمهم، ومن ثمّ استيعابهم؛ فضلا عن معاناتهم انعدام تكافؤ الفرص.. وخشيتهم من المستقبل المجهول والمحفوف بالمخاطر! حيث يحلمون بغد سعيد، ومستقبل مزدهر، وبمكانة اجتماعية مرموقة، وحالة اقتصادية رغدة.. وبمقارنة هذه الأحلام بواقعه الأليم، تكون الصدمة، حينما يكتشف أنه لا يحمل شهادة علمية مناسبة، أو مهارات اجتماعية أو اقتصادية، تؤهله لهذا الحلم الوردي.. وبالرغم من ذلك، يكذّب الواقع ويصدّق الخيال! وحينما تبادره السؤال عمّا قدّمه أو ينوي تقديمه لمجتمعه وناسه؛ ربما لم يدرك معنى السؤال إلا بربطه بمعاناته وغربته وظلمه من المجتمع!
قد تكون هذه الفئة من الشباب في حاجة إلى رعاية خاصة ودائمة من جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وخاصة مؤسسة الأسرة، التي تعلقوا بها كثيرا، والتصقوا بالآخرين، في ظل الشعور بالخوف الشديد من الانفصال عنهم وصعوبة اتخاذ القرار؛ وإلقاء المسؤولية الخاصة به على الآخرين والافتقار إلى الثقة بالنفس والانشغال غير الواقعي بالخوف من غياب مساندة الآخرين وأن تترك له مسؤولية العناية بنفسه أو تحمّل المسؤولية. ولكننا نفخر أيضا بتوافر فئة، أخرى منهم تشرّف المجتمع وكل من يتعامل معهم، يعرفون أدوارهم وحدود مسؤولياتهم، دائمو البحث عن تطوير ذواتهم، وتفجير طاقاتهم؛ ليضعوا بصمتهم في طريق المستقبل المنير، يواجهون الصعوبات لاستبصار اليُسر فيها، ليس لطموحاتهم حدود، أو مستحيل في العمل، مؤمنون بالله تعالى، وواثقون في قدراتهم التي وهبهم الله إياها، هؤلاء جديرون دائما أن نتعلّم منهم كيف نطمح وكيف نتعلم وكيف نبني مستقبلنا؟!
أرى أن أولى خطوات تصحيح هذه الانطباعات السلبية، والصورة الذهنية المسبقة هي تطوير خطابنا الشبابي وإعادة ضبط الرسائل.. بين المرسل والمتلقي.. تتيح لشبابنا حُسن ويُسر وسهولة الاستقبال؛ لأنه إذا كنا نتحدّث عن الشباب ونكتب عنه دونما النجاح في العبور لاجتياز ثقته وكسب ودّه وقناعاته؛ فهذا في اعتقادي، لا يعني سوى شيء واحد: اهتراء الفجوة واتساع انفصالنا عنهم؛ ما يحدُّ من فرص تواصلنا معهم..! ولن تُسَد هذه الفجوة، إلا عن طريق المزيد من الحوار، والحوار المنشود، الذي نعنيه أن يعتمد على خطاب شبابي عصري، ومتواضع، وعقلاني.
شبابنا إلى أين ..؟ (1)
- التفاصيل