الدكتور ابراهيم بدران
- الأزمة
تتصاعد أزمة الفقر والبطالة يوماً بعد يوم في الكثير من الدول النامية وخاصة المنطقة العربية. بحيث أصبح خط الفقر فيها يصل بالمتوسط الى %30 من السكان. ويرتفع في بعض البلدان مثل مصر الى (42%) وفي السودان واليمن الى (45%) وينخفض في بلدان أخرى مثل الأردن ليكون في حدود (18%) . وإذا ما تم النظر في التوزيع السكاني سنجد أن هناك مناطق في البلد الواحد يصل الفقر فيها الى أكثر من (50%). والملفت للنظر والداعي الى الخوف والقلق أن مساحة الفقر تتسع أفقياً وعمودياًعلى الرغم من النمو الاقتصادي هنا وهناك .
أما البطالة فإنها على المستوى العربي تتراوح بين (12%) و(18%) وتصل الى (50%) في السودان وفلسطين وتقترب في معظم الأقطار العربية غير النفطية من (15%) . ونحن في الأردن يقل معدل البطالة قليلاً عن (14%) . وقد مضى على هذه النسب أكثر من 20 سنة حيث انها تراوح مكانها تقريباً. وهذا يعني بالأرقام المطلقة زيادة متواصلة بأعداد العاطلين عن العمل. وهناك بعض البلدان العربية لولا اغتراب شبابها للعمل خارج بلدانهم لوصلت البطالة الى %20 أو %25 . أما على مستوى الشرائح المجتمعية فالبطالة لدى الخريجين الجامعيين في ارتفاع على الرغم من الإستثمارات الكبيرة في التعليم. ويصل الرقم في الأردن الى ما يقرب من %27 . وفي بعض البلدان كمصر والمغرب والجزائر تصل البطالة لدى الجامعيين الى (40%) أو أكثر. هذا إضافة الى أن التوزيع الجهوي للبطالة يكشف حالة من عدم التوازن. فهناك مناطق ومحافظات تصل البطالة فيها الى (150%) من المتوسط العام .وهذه حالة تكاد تشمل معظم الأقطار العربية.
هذا يعني أن هناك زيادة مضطردة في أعداد العاطلين عن العمل معظمهم من الشباب... فماذا يفعل هؤلاء؟ وماذا ستكون مواقفهم من المجتمع والدولة ؟
والسؤال الأساسي للحاضر : لماذا تستمر حالة البطالة وتتفاقم حالة الفقر على الرغم من أن حجم الاقتصاد قد تضاعف تقريباً على مدى العشرين سنة الماضية؟ولماذا تستمر البطالة ويتزايد أعداد العاطلين عن العمل بمعدل (2,5%) سنوياً في حين زاد الإنفاق على التعليم وعلى البنية التحتية وعلى الاستثمارات الرأسمالية ؟ لماذا تتسع دائرة الفقر في حين زادت الرواتب وزاد دخل الفرد وزاد حجم القوى العاملة ؟
والسؤال الأساسي للمستقبل : هل تحمل الأيام القادمة مزيداً من البطالة واتساعاً في دائرة الفقر؟ ام أن العكس هو الصحيح ؟ خاصة وان الاقتصاد الوطني يجرى دمجه في الاقتصاد العالمي بسرعة كبيره ابتداء من الخصخصة وانتهاء باتفاقيات التجارة الحرة سواء ما كان منها مع منظمة التجارة العالمية WTO أو الاتفاقيات الثنائية؟
2 - الفقر
بالنسبة للفقر فإنه يمثل الحالة التي لا يكون دخل الفرد أو الأسرة فيها كافياً للحصول على"حزمة الأساسيات" من المواد والخدمات الأساسية ( الغذاء ، المأوى ، الدواء ، الكساء ، النقل ، التعليم .... الخ) ، أو حين تكون حزمة الأساسيات المتحصل عليها هزيلة وضئيلة ولا ترقى الى المستوى الإنساني الكريم المعاصر. ولهذا يختلف خط الفقر من بلد الى بلد ومن مجتمع الى آخر ومن حقبة زمنية الى أخرى. فقبل بضعة عقود كان خط الفقر عالمياً يقع عند نصف دولار للفرد يومياً في حين أصبح اليوم قريباً من(2) دولار للفرد يومياً. وهكذا ارتفع خط الفقر في الأردن من (50) دينارا شهرياً الى (150) دينارا شهرياً . وبالتالي فالذي يمثل حالة الفقر أو مؤشر الفقر poverty indicator هو الفرق بين الدخل وبين متوسط كلفة حزمة الأساسيات. والأشكال الذي تعاني منه مجتمعات الدول النامية أولاً : أن هذا المؤشر تتحكم به عوامل داخلية وخارجية كثيرة ومعقدة. وثانياً : أن حزمة الأساسيات في تزايد نوعي وكمي يكاد لا يتوقف. وثالثاً : أن الوعي الذهني والنفسي الفردي والمجتمعي بحالة الفقر والحرمان و ما يرافقها من بؤس مادي و معنوي ، أصبح ضاغطاً في جميع الإتجاهات ، وعاملاً من عوامل الانفجار لدى الشباب.
إن مؤشر الفقر في أي بلد نامْ من شأنه أن يتزايد ويتفاقم في الحالات التالية :
أولاً : في حالة النمو المتواضع في الناتج المحلي الإجمالي ( أي حين يكون معدل النمو أقل من (5%) سنويأ) .
ثانياً : في حالة النمو المتواضع في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. إذ أن الزيادة السكانية المرتفعة من شأنها أن تؤثر سلباً على الزيادة في نصيب الفرد . وإذا كانت الزيادة أقل من (3%) سنوياً في نصيب الفرد فإن الوضع يكون حرجاً للغاية.
ثالثاً : سوء التوزيع الجهوي للمشاريع والإستثمارات التنموية. بحيث تبقى مناطق و محافظات محرومة من فرص العمل الكافية على أراضيها .
رابعاً : ضآلة الإنتاج المحلي والتوسع المتواصل في الإستيراد. إذ تصبح الأسعار ، وبالتالي كلفة الضروريات ، وحزمة الأساسيات ، متأثرة بالأسعار الدولية بكل متغيراتها ومضارباتها واحتكاراتها ونقصها وفائضها. وهو أمر بعيد كلية عن الحالة المحلية ، كما يمثلها دخل الفرد وامكاناته. وبالتالي يصبح الفرد والمجتمع رهينة التقلبات الدولية . أي كلما ارتفعت الأسعار العالمية كلما تفاقم الفقر في الدول المستوردة ما لم تكن هذه الدول منتجة بأكثر مما تؤثر عليها تقلبات الأسعار.
خامساً : تنامى النزعة الاستهلاكية في شرائح المجتمع الأفقية والعمودية. يأتي ذلك بسبب تغير أنماط السلوك نتيجة للحروب الإعلانية المكثفة ، والطويلة الأمد ، التي تشنها الشركات العالمية المنتجة للسلع الإستهلاكية على المجتمعات . وفي حالة الأردن كذلك بسبب تقليد الجوار الثري. هذا إضافة لاعتبارات ثقافية وتربوية كثيرة.
سادساً : ضخامة حجم القوى العاملة لدى القطاع العام . الأمر الذي يجعل فرص النمو في الدخول لهذه الفئة محدودة للغاية. أو يجعلها تختطف فرص عمل إضافية من سوق العمل.
سابعاً : ضآلة انخراط المرأة في النشاط الاقتصادي كما هو الحال لدينا. حيث لا تزيد مشاركة المرأة عن (15%) من قوى العمل مقابل (50%) في العديد من الدول الصناعية أو الناهضة .
ثامناً : إهمال الاقتصاد الاجتماعي وعدم تطوير الممارسات الإقتصادية القائمة على أوسع مشاركة مجتمعية . وهنا تبرز مفاهيم وممارسات الإقتصاد الإجتماعي وتعظيم مشاركة المرأة . وكذلك مسألة الإنتاج المحلي وتخفيض الإعتماد على الإستيراد كواحدة من الآليات الأساسية للسيطرة على كلفة حزمة الأساسيات. وبالتالي الحد من اتساع مساحة الفقر .
وهذا الأمر للأسف لم يكن محوراً أساسياً في الفكر الاقتصادي العربي أو الوطني ، و لا في البرامج التنموية والاستثمارية على مدى السنوات الكثيرة الماضية.
وعند الحديث عن المستقبل ، فإن جميع المؤشرات تدل على أن المستقبل القريب والمتوسط ، سيشهد ارتفاعاً مضطرداً في الأسعار . قد يتباطأ أحياناً وقد يتسارع أحياناً أخرى ، ولكنه ارتفاع مضطرد وبنسبة لا تقل بالمتوسط عن (5%) الى (10%) سنوياً. وذلك نتيجة للأسباب التالية :
التزايد المضطرد في الطلب على السلع في العالم بسبب التزايد السكاني.
تأثيرات المناخ والبيئة والطاقة وندرة المواد ، ما يضع قيوداً ومحددات إضافية على الإنتاج والنقل.
الإرتفاع المتواصل في مستوى المعيشة في الدول المتقدمة والناهضة على حد سواء ، ما يدفعها الى رفع أسعار السلع والخدمات.
الارتفاع المطرد في كلفة الاستثمار
ولعل الارتفاعات المتوالية في أسعار المواد الغذائية والطاقة والحديد والإسمنت ، تشكل نموذجاً حياً لآلية اتساع مساحة الفقر في الدول النامية شديدة الاعتماد على الاستيراد ، كما هو الحال في الأردن ومعظم الأقطار العربية . كما يفسر هذا توسع مساحة الفقر في مصر والمغرب والسودان واليمن وغيرها .
ومن هنا فإن الخطوة الأولى في محاصرة الفقر ، تنطلق من زيادة الإنتاج المحلي في مختلف السلع ، مهما كانت ضئيلة أو متواضعة الحجم أو التكنولوجيا. أو متواضعة القيمة المضافة. وبشكل خاص إنتاج ما له علاقة بحزمة الأساسيات على طريق التوسع النوعي والكمي في الإنتاج.
ولا ينبغي الوقوع في وهم التركيز فقط على الإنتاج ذي التكنولوجيا العالية المعقدة ، أو الصناعات الضخمة. واعتبار أن كل ما عدا ذلك لا يستحق الاهتمام. إذ ان كل انتاج يمكن أن يبدأ متواضعاً وبسيطاً وفي الظروف المناسبة يستطيع أن يرتقي تكنولوجياً ونوعياً. تماماً كما جرى و يجري في الدول الصناعية و الناهضة.و لعل من الأمثلة الكلاسيكية على إمكانات الإرتقاء غير المحدودة ، تحول مصنع الأحذية في فنلندا ليصبح مصنعاً للهواتف النقالة نوكيا ويسيطر على %30 من السوق العالمي لهذه الهواتف.
3 - الإستيراد
يبلغ حجم المستوردات العربية من المنتجات العالمية مئات المليارات من الدولارات سنويا.و في الأردن تبلغ مستورداتنا ما يزيد عن (12) مليار دولار يقابلها (6) مليار دولار من الصادرات. إن المتأمل لقائمة المستوردات العربية بما فيها الأردنية ، يجدها تترواح بين أصغر الأشياء قيمة وفائدة وتكنولوجيا ، مثل الألعاب الورقية والمفرقعات الاحتفالية ، وبين أضخم الأشياء مثل الماكنات الصناعية والطائرات. وما بين هذا وذاك آلاف المفردات من مواد غذائية ، وملابس ، وسيارات ، وأدوية ، وغيرها الكثير الكثير . هذا إضافة الى مستوردات الطاقة من نفط وغاز . ويكفي أن نذكر هنا أن مستوردات الأردن من الملابس فقط تصل الى (320) مليون دولار أو ما يعادل (50) دولاراً لكل فرد . هذا في حين لا يتعدى استيراد سوريا من الملابس (12) مليون دولار أو أقل من دولار لكل فرد.
ومن البديهي أن أحداً لا يطلب غلق باب الاستيراد أو حتى إعاقة الاستيراد. ولكن المطلوب رؤية اقتصادية اجتماعية حصيفة ، وسياسة متوازنة بين الإنتاج الوطني والاستيراد. حتى لا تصل البلاد مرحلة يصبح الاستيراد فيها متعذراً بسبب ارتفاع الأسعار للمواد المستوردة ، وضعف الاقتصاد الوطني .
هل يمكن أن يكون هناك استقرار في الأسعار؟ وبالتالي استقرار في تكاليف المعيشة بما فيها"حزمة الأساسيات"؟ في ظل هذا الاستيراد الذي لا حدود له؟ والذي بحكم خصائصه يعزز من نزعة الاستهلاك ؟ وبالتالي يرفع الطلب على مزيد من السلع. ونتيجة لذلك يعمل على توسيع حزمة الأساسيات. وبالتالي زيـادة مساحة الفقر . هذا ، في عين الوقت الذي يعمل فيه الإعلان التجاري المتوحش ، والاستيراد المنفلت في ظل ثورة المعلومات والاتصالات والفضائيات والشبكات الإلكترونية على زيادة مساحة وعمق الوعي بالفقر والحرمان. وخاصة لدى الشباب الذي يرى العالم كل يوم و بكامل تفاصيله و مفارقاته على الشبكة الإلكترونية .و هنا تكمن نقاط الخطر الحقيقية.
وحينما نشير الى انفلات الاستيراد بما يؤثر سلباً على الإنتاج الوطني ، يخرج الرد فوراُ من بعض السياسيين أو الاقتصاديين اننا في اقتصاد حر. وفي اقتصاد السوق. من شاء أن يستورد فليفعل ، ومن شاء أن يصدر فهو حر. ومن شاء أن يستهلك فليفعل. هذه النظرة أو الفهم الضيق للنظريات الاقتصادية وتجريدها من الأرضية الاجتماعية هو مكمن الخطر ونقطة الاشتعال. وهو أمر حتى الولايات المتحدة الأمريكية لا تتعامل معه بهذه الكيفية. ذلك ان الاقتصاد ليس شيئاً مجرداً في الهواء. انه ظاهرة اجتماعية مجتمعية. وما لم تتواءم المسالة الاقتصادية مع المتطلبات الاجتماعية ، ومع ما يبحث عنه ذلك المجتمع بعينه ، فإن الاقتصاد يتحول الى اقتصاد فئة ، أو اقتصاد قلة ، أو اقتصاد شريحة أو اقتصاد طارئ. وليس اقتصاد المجتمع بأسره. وهذه المقولة تحرص عليها الدول الصناعية المتقدمة حرصاً كاملاً وتحرص عليها الدول الناهضة. ونهملها نحن اهمالاً ملفتا للنظر ، و مثيرا للقلق.
نحن في الأردن لا ندعم المزارع ، ولا الإنتاج الزراعي على سبيل المثال . معللين ذلك اننا في اقتصاد حر. ويقول لنا الاقتصاديون الشكليون أو الحرفيون أن الدعم يشوه الاقتصاد. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية أم الرأسمالية ، تدعم القطاع الزراعي بـ (186) مليار دولار سنوياً ودول الإتحاد الأوروبي أعلى منتج للقمح في العالم إذ تنتج(152) مليون طن تدعم الزراعة بـ (157) مليار يورو سنويا. أو ما يعادل (2500) دولار لكل مزارع سنوياً. وذلك حتى تحافظ تلك الدول على الزراعة والمزارع وعلى أعمار البلاد هناك .
وهكذا استقر النمط الإداري لدينا ، وذهبت السياسات للأسف على تفضيل فتح باب الاستيراد في المواد الغذائية ، بدلاً من دعم الإنتاج الزراعي. وبذا عمل هذا النمط من الإدارة والتفكير ، على توسيع دائرة الفقر من جهة ، وعلى تعزيز الهجرة من الريف الى المدينة من جهة ثانية ، وعلى تقليص الرقعة الزراعية من جهة ثالثة. وفي حقيقة الأمر فإن الاقتصاد الحر الذي نعايشه في بلدنا يختلف ويتخلف في مجتمعيته كثيراً عن الاقتصاد الحر الذي تتعامل معه أمريكا أو المانيا أو فرنسا أو اليابان.
4 - البطالة وفرص العمل
إن واحدة من المشكلات السياسية الاجتماعية الاقتصادية الكبرى لدى الدول النامية هي ضآلة فرص العمل المتاحة ، وارتفاع معدلات البطالة وخاصة لدى الشباب. والتي تصل في متوسطها الى أكثر من (15%) على مستوى الأقطار العربية . والسؤال هو : كيف تتزايد البطالة في عين الوقت الذي تنمو فيه الاقتصادات الوطنية ؟ وكيف تستمر معدلات البطالة في ارتفاع على مدى سنوات على الرغم من المشاريع المنتشرة؟ وتعزيزالتعليم الأساسي وتراجع الأمية وانتشار التعليم الجامعي؟ الى الحد الذي وصل فيه الطلبة الجامعيون على المستوى العربي الى ما يقرب من (6) مليون طالب ولدينا في الأردن ما يزيد عن (250) ألف طالب ؟ وكيف تستطيع بلد كالهند أو الصين أن تكون لديها نسبة بطالة منخفضة تقترب من (6%) في الهند و(4,2%) في الصين في حين انها (3) أضعاف هذا الرقم في بلد كالأردن؟
وعند التعمق في توزيع البطالة لدينا ، نجد أن فرص العمل هي الأقل للنساء وكذلك للخريجين الجامعيين. إذ تصل البطالة الى (27%) للخريجين الجامعيين وهؤلاء كلهم من الشباب ، وأكثر من (40%) لدى النساء . هذا في حين تنخفض البطالة لدى الأميين الى 9%.
الإشكال الذي يواجهه الاقتصاد والمجتمع لدينا على النحو التالي :
إن اهمال تطبيق الاقتصاد الإجتماعي ، والتوسع في الإستيراد واستسهاله ، واللجوء اليه بدلاً من حل المشكلات التي تعترض الإنتاج الوطني ، بالتالي الإسراع في إزالة الحواجز أمام السلع المتدفقة من الخارج ، حسب ما تطلبه منظمة التجارة العالمية. وكذلك التوسع في عقد وتنفيذ اتفاقيات التجارة الحرة بين الأردن المتواضعة الإنتاج للسلع 1000( دولار للفرد سنوياً) ، وبين الدول الأخرى ضخمة الإنتاج للسلع 3700( دولار للفرد في تركيا مثلاً) .كل دلك قد جعل التوسع في انشاء الصناعات الوطنية أمراً ضئيل الجدوى ، محفوفاً بالمخاطر. لا يستطيع المستثمر الصغير أو المتوسط أو الكبير المجازفة بأمواله وجهوده فيه. ولذا اتجه المستثمرون إما الى الوكالات التجارية أو الى العقارات والى الأسواق المالية والثانوية. وهذه جميعها لا تبني اقتصادا حقيقيا ، و لا تولد فرص عمل كافية. وهكذا لم يعد الاستثمار ملائما لتوليد فرص العمل المطلوبة. لأن الإنتاج السلعي ( صناعة ، زراعة ) والخدمي هو المولد الأساسي لفرص العمل .
5 - جدلية التكافؤ
ولأن الاستيراد لدينا يكاد يشمل كل شئ ، فمن المتوقع أن تتلاشى مجموعة من فرص العمل مقابل كل سلعة يتم استيرادها .
الإشكال التاريخي في هذا الصدد ، أن بعض الاقتصاديين والسياسيين حين يتحدثون عن الاستيراد والتصدير ، والتجارة الحرة ، والتنافسية والاندماج في الاقتصاد العالمي ، والسوق والعرض والطلب ، يفترضون انهم يتحدثون عن دول متكافئة. وهم يقارنون بين اقتصادات على ذات المستوى ، وعن مجتمعات صناعية بذات المرحلة الحضارية ، ولديها خبرات تكنولوجية متكافئة. وهو أمر بعيد جداً عن الصواب عند الحديث عن الاقتصاد الوطني. بل ولا يمثل الواقع أبداً. ولا جدال أن أحداً لا ينادي بالانغلاق ولا بالحمائية المطلقة. ولكن أيضاً ولا جدال ان الدول النامية والاقتصادات الناشئة لا تستطيع أن تنافس الدول الصناعية في إنتاج السلع والخدمات ، الا ضمن حدود ومحددات لا ينبغي للدولة الوطنية أن تتخلى عنها . بل أن الدول الصناعية وفي مقدمتها أوروبا وأمريكا تضع العراقيل الإدارية والفنية أمام منتجات الدول النامية بما في ذلك المنتجات الزراعية وذلك من أجل حماية المنتجات الزراعية الأوروبية والأمريكية . والمسار الذي تتبعه الهند والصين والبرازيل وقبل ذلك تبعته كوريا واليابان واضح للغاية . ويقوم هذا المسار على الحد من المستوردات وتصنيع الإقتصاد في إطار برنامج وطني محدد الملامح. وبذلك تنشأ فرص عمل جديدة مع كل تقدم باتجاه التصنيع. وعلينا أن نتذكر جيداً أن الاقتصاد القائم على التجارة مع خلل كبير بين المستوردات والصادرات ليس اقتصاداً متيناً ودائم القوة بأية حال من الأحوال . كل هذا يتطلب من الدولة
المبادرة الى تعريف وإنشاء حزام انتاجي اجتماعي جديد يتضمن المجموعات من الصناعات التي يمكن تحقيقها محلياً وإعطاء هذا الحزام دعماً وحماية خاصة حتى يستقر ويصبح جزءًا فاعلاً في الاقتصاد الوطني ويصبح مولداً حقيقياً لفرص العمل .
6 - جدلية التعليم العالي والبطالة
اتسع التعليم الجامعي في الأقطار العربية بسرعة فائقة وارتفع عدد الجامعات من بضع عشرات في الثلث الثاني من القرن الماضي الى أكثر من (450) جامعة في عام 2010 . وازداد عدد الطلاب الجامعيين من بضع مئات من الآلاف الى ما يقرب من (6) ملايين طالب وطالبة. وبالنسبة لنا في الأردن فقد ارتفع عدد الجامعات الى (26) جامعة وعدد الطلبة الى (250) ألفا يتخرج منهم سنوياً ما يقرب من (35) ألفاً . ويستغرق البعض منهم بضع سنوات قبل أن يلتحق بفرصة عمل في الوطن .
وفي الوقت الذي يشكو الخريجون من ضآلة فرص العمل يشكو سوق العمل من ضآلة الخريجين الملائمين المؤهلين. وفي الوقت الذي ترتفع فيه نسبة البطالة يعمل في الأردن أكثر من (500) ألف عامل وافد. فأين تكمن المشكلة ؟
تكمن المشكلة في أن هناك (3) اتجاهات متضاربة أو غير متناسقة تفاقم من أزمة البطالة والتعليم العالي في آن واحد وعلى النحو التالي :
اولاً : إن التوسع في التعليم العالي من شأنه وفي إطار الثقافة المجتمعية السائدة أن يبعد الخريجين عن قبول فرص العمل البسيطة أو العملية أو المنخفضة المستوى. وفي نفس الوقت يقوي التوجه نحـو الوظيفة أو نزعة"الياقات البيضاء" . وهكذا تصبح فرص العمل في إطار محدودية الوظائف الحكومية أقل اتاحة وأكثر ندرة.
ثانياً : إن التوسع في التعليم العالي يتوافق بالضرورة مع متطلبات الإقتصاد المتقدم أي الإقتصاد الصناعي. وبالتالي فإن الإقتصاد الوطني وهو اقتصاد زراعي - تجاري أو اقتصاد ما قبل الصناعة لا يستطيع استيعاب هذه الأعداد من الخريجين ليكونوا عاملين بكفاءة . فالولايات المتحدة على سبيل المثال هي صاحبة الاقتصاد الأكثر تطوراً في العالم لديها أكبر نسبة في العالم من الجامعيين. إذ يبلغ عدد طلبة الجامعات في أمريكا (5,7%) من السكان. وبالتالي فمن العبث التفكير بأن السوق الأردني بذاته هكذا ... مجرد سوق سوف يولد تلقائياً فرص العمل الملائمة للمؤهلات الجامعية بهذه الأعداد .
ثالثاً : إن طبيعة الإقتصاد الوطني في ظل انفلات الإستيراد وغياب عقلانيته ، وعدم تأصيل الإعتماد الذاتي في أي انتاج ، أو مرفق انتاجي ، كل ذلك جعل خصائص المهارات التي يطلبها السوق المحلي والاقتصاد الوطني شبه - التجاري سمات متداخلة ، ومتحركة ، و"متقافزة". وتكاد تصبح مشوشة ، لا تستطيع الجامعات التعامل معها بكفاءة. أولاً بسبب" تقافز" وتشوش تلك السمات. وثانياً بسبب ضعف التعليم الجامعي. وثالثاً بسبب انفصال الأكاديميا عن القطاعات الاقتصادية الاجتماعية . ورابعاً : بسبب وجود فجوة هائلة بين التعليم الوطني وبين سوق الإنتاج .
وهذا يعني أن مزيداً من التوسع في التعليم والتعليم العالي بخصائصه الحالية وكاستمرار للحالة الراهنة من شأنه أن يعمق من أزمة بطالة الجامعيين. وهنا يتضح لنا مرة ثانية :
إن التوجه الأساسي لمواجهة مشكلة البطالة يتمثل في وضع خطة وطنية لتصنيع الإقتصاد الوطني. وبالتالي خلق الحاجة والضرورة لربط العلم والتعليم بالإنتاج ، للضغط على التعليم العالي لان يتعامل من منظور تطبيقي مباشر مع العلم والتكنولوجيا للمساهمة في عملية التصنيع وتطويرها. كل ذلك في إطار من ضبط الإستيراد وتشجيع التصدير وإنشاء مجموعات من الحزم الإنتاجية على درجات مختلفة من المستويات التكنولوجية.
تتصاعد أزمة الفقر والبطالة يوماً بعد يوم في الكثير من الدول النامية وخاصة المنطقة العربية. بحيث أصبح خط الفقر فيها يصل بالمتوسط الى %30 من السكان. ويرتفع في بعض البلدان مثل مصر الى (42%) وفي السودان واليمن الى (45%) وينخفض في بلدان أخرى مثل الأردن ليكون في حدود (18%) . وإذا ما تم النظر في التوزيع السكاني سنجد أن هناك مناطق في البلد الواحد يصل الفقر فيها الى أكثر من (50%). والملفت للنظر والداعي الى الخوف والقلق أن مساحة الفقر تتسع أفقياً وعمودياًعلى الرغم من النمو الاقتصادي هنا وهناك .
7 - جدلية البحث والتطوير والإستيراد
يعاني البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في مؤسساتنا العلمية والإنتاجية الرسمية والأهلية من ضعف لا يحتاج الى تأكيد سواء من حيث الإنفاق (7 دنانير لكل فرد سنوياً) أو من حيث أعداد العاملين 1300( باحث لكل مليون من السكان) أو من حيث الإنتاج العلمي والتطوير التكنولوجي وبراءات الإختراع. والسؤال هو : ما علاقة كل ذلك بالإستيراد والبطالة ؟ هناك ثلاثة عوامل متضاربة تحيط بهذه المسألة :
الأول : إن الإستيراد يشكل بديلاً سهلاً وسريعاً عن البحث العلمي والتطوير التكنولوجي للإرتقاء بما هو موجود. وبذلك يتحطم الجسر المشترك بين الإنتاج وبين المؤسسات العلمية.لأن المنتج يتحول الى مستورد ، والمؤسسة العلمية تنكفئ على نفسها.
الثاني : إن الإستيراد يمثل المدخل الأسهل للإدارات الحكومية لحل مشكلاتها أمام المستهلك . فبدلاً من أن يتم تطوير أصناف من النباتات الزراعية مثلاً تتحمل الجفاف للإقتصاد في المياه ، تتحول الدولة الى الإستيراد . فلا الحكومة مطالبة بالبحث عن البدائل في هذه الحالة ، ولا الباحثين العلميين والتكنولوجيين والمهندسين مطالبين بتطوير البدائل. وفي هذه الحالة لن تتولد فرص عمل جديدة يستفيد منها المجتمع .
الثالث : إن الإستيراد من شانه تخفيض فرص الإبداع والإبتكار في تطوير الحلول الجديدة ، وما ينبثق عنها من مشاريع ومنتجات جديدة ، تحمل معها فرص عمل جديدة. وهكذا تبقى الأمور على ما هي عليه من التخلف أو الضعف . وينشط المستورد في تلبية طلب المستهلك ، والذي يصبح بدوره رهينة الأسعار الدولية ، وأرباح المال والتجارة. وتنكمش فرص العمل. ويصبح المجتمع بأكمله ضحية اغفال واهمال التصنيع المحلي من جانب ، وتقلب الأسعار الدولية من جانب آخر.
8 - البطالة والتكنولوجيا وبيئة العمل
ان الإقتصاد غير المصنع أو ما قبل الصناعي يتضمن بالضرورة الكثير الكثير من الأعمال والمهام والنشاطات والخدمات والإنتاجات ذات الطبيعة التكنولوجية غير المتطورة. وفي أحيان كثيرة البدائية أو البسيطة . وهذا من شأنه أن يصرف العديد من الشباب ذوي التعليم المتوسط أو العالي عن مثل هذه الأعمال ، إما لبدائيتها أو لأساليب العمل فيها ، سواء كنا نتحدث عن الزراعة أو الإنشاءات أو الخدمات الأخرى. ولو أن مثل هذه الأعمال تخضع لبرنامج تحديث تكنولوجي أو تحديث في تطوير بيئة العمل والإرتقاء بها فإن مساحات كبيرة من الأعمال التي تشغلها العمالة الوافدة يمكن أن تشغلها العمالة المحلية . ومن هنا فإن النظر في نوعية فرص العمل والتعامل معها من منظور التطوير والتحديث والإرتقاء من شأنه أن يفتح مجالات واسعة للأيدي العاملة الوطنية الباحثة عن فرص عمل جديدة. إن كثيراً من الجامعيين أثناء دراستهم أو بعدها لا يجدون غضاضة في العمل في محلات الوجبات السريعة ولكن لا يقبلون على العمل في المطعم التقليدي. كما انهم يقبلون على العمل في الأسواق الكبرى ( مول) ولكن يرفضون العمل في السوبرماركت الصغير. والتفسيرلكل ذالك واضح. حين يجد الشاب أو الشابة فرصة عمل فيها ارتقاء تكنولوجي وعمل منظم وبيئة عمل نظيفة أو معقولة فإن الإقبال يكون قوياً ، والعكس صحيح . وما ينطبق على الخدمات ينطبق على الصناعة والزراعة وغيرها .
فالمهندس الزراعي أو متخصص الحاسوب أو الطبيب البيطري على سبيل المثال لا يجد غضاضة لأن يعمل في مزرعة حديثة متطورة مؤتمتة ، سواء للإنتاج النباتي أو للإنتاج الحيواني. ولكنه يرفض العمل في إنتاج الدواجن مثلاً في مزرعة بدائية أو غير متطورة . وهكذا فالمزرعة المتطورة تولد فرص عمل للقوى العاملة الوطنية المؤهلة في حين أن المزرعة البدائية التي تعطي ذات الإنتاج تولد فرص عمل للقوى العاملة الوافدة وتفاقم من البطالة الوطنية.
وهذا يعني
إن واحداً من مداخل الحد من البطالة واحلال القوى العاملة الوطنية محل القوى العاملة الوافدة ، يتمثل في وضع برامج قطاعية وقطاعية فرعية في الصناعة والزراعة والخدماتن للإرتقاء بالأساليب الإنتاجية والتكنولوجيات المستخدمة في تلك القطاعات وفي إطار برنامج تصنيع الإقتصاد . وفي نفس الوقت وضع الحوافز والضوابط لتعزيز الإنتاج الوطني وترشيد الاستيراد وتعزيز التصدير لإعطاء فرص أكبر لجدوى هذه التحديثات .
وقد تكون واحدة من مسؤوليات المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا وكذلك الجامعات المساهمة في مثل هذه البرامج الوطنية . لماذا لا تتعهد كل جامعة الارتقاء بتكنولوجيا وبيئة عمل قطاع معين على سبيل المثال. كل ذلك وفق تعاقد ما بين الجامعة والدولة.
9 - صناعة المال
وان المال ولا يزال وسيبقى واحداً من العوامل الرئيسة للإنتاج إضافة الى العمل والتكنولوجيا . وجوهر الدور الذي يقوم به المال انه يمثل العنصر المسهل والمزيت Lubricant لآلة الإنتاج . وكلما كانت هذه الآلة أكثر تعقيداً وأشد ضحامة كلما كانت حاجتها للمال أكثر. وبذا ومع نمو الاقتصادات وضخامة آلات ومرافق الإنتاج وتنوع هذا الإنتاج من أصغر السلع والخدمات الى أضخم المرافق الصناعية وأعقد الخدمات أصبحت الحاجة الى المال في تزايد متواصل . وتماماً كما أنشأت صناعات لإنتاج زيوت التزييت نشأت صناعات لإنتاج المال من أسواق الأسهم والسندات الى التمويل الى الضمان وبكل المنتجات أو المشتقات المالية المعروفة وغير المعروفة . وعملت صناعة المال على : أولاً : تيسير وتشجيع الاستثمار. ثانياً : استكمال متطلبات الإنتاج . ثالثاً : إنشاء فرص عمل جديدة من خلال المشاريع الإنتاجية . رابعاً : تشجيع الاستهلاك . خامساً : تشجيع الرياديين والمبدعين. سادساً : تعزيز روح المخاطرة والمنافسة الضرورية للاقتصادات الديناميكية. سابعاً : التوسع في العمران والتواصل .
غير أن صناعة المال الوطنية هذه وبتأثير عولمة صناعة المال راحت تفقد كثيراً من ميزاتها الإيجابية وتتحول تلك الى سلبيات خطيرة وفي حالات عديدة لعل من أهمها :
الأولى : الإفراط في صناعة المال ومشتقاته وتغول صناعة المال على صناعات أخرى إنتاجية ، فتنشأ إذاك قيم وهمية للثروات وللموجودات وغموض كبير في سلامة المنتجات.
الثانية : تركيز صناعة المال مــن خلال المال ذاته. أي دون الدخول فــي دورة الإنتاج السلعي أو الخدمي على غرار الاستثمار في الأسواق الثانوية.
الثالثة : صناعة المال الوافد والساخن الذي يتحرك خارج أسواق الإنتاج المباشر. وبالتالي لا تصب عائدات هذه الصناعة في الإقتصاد الوطني.
الرابعة : حين لا يكون هناك تناسب بيـن حجوم وطبيعة المال الوافــد أو المتاح وبين إمكانات الاقتصاد الوطني.
الخامسة : حين تصبح الأموال الوافدة ، أو الساخنة أداة من أدوات المضاربة ليس الا. فتلحق اضراراً كبيرة في الثروة الوطنية.
وبالنسبة لنا في الأردن فقد ساعدت الثروات النفطية الهائلة ، والأحداث السياسية ، وصناعة المال الدولية وحالة العولمة ، على تدفق الدولارات النفطية والدولارات المهاجرة لكي نصبح سوقاً من أسواق الأموال الساخنة أو الأموال المتربصة التي يمثلها الاستثمار في العقارات.
ومن البديهي اننا لا ندعو أبداً الى اغلاق السوق المحلي أو تضييقه أمام الثروات الوافدة أو العابرة وإنما ينبغي أن يكون هناك برنامج وطني يحقق ما يلي :
تشجيع ودفع وتوجيه هذه الثروات الى الإنخراط في الإستثمار الإنتاجي الأولي المباشر. أي إقامة المشاريع الإنتاجية الجديدة التي من شأنها بطبيعة الحال أن تولد فرص عمل جديدة ، وليس مجرد شراء أو بيع ما هو قائم. والذي لا يعني للاقتصاد أو للبطالة شئ يذكر. أي أن لا تكون هذه الثروات في معظمها جزءاً من صناعة المال .
وضع قيود ورسوم على حركة الأموال الساخنة والاستثمار في الأسواق الثانوية بنسب كافية ، ووفق جدول تصاعدي مع سرعة حركة هذه الأموال .
تخصيص عائدات هذه الرسوم لإنشاء مشاريع انتاجية في المحافظات وذلك لتعزيز قدرة المحافظات في اتجاه التنمية والحد من الفقر والبطالة.
إن الإشكالية الكبرى في هذا الشأن تتمثل في غياب الإدراك الرسمي" لخطورة عدم تناسب الأحجام" . فالأموال الوافدة أو الساخنة في الولايات المتحدة الأمريكية لا تصل الى (1%) من حجم الأموال الوطنية المستقرة في حين انها في البورصة الأردنية تقترب من (50%) من حجم التداول.
10 - المال والعقار والفساد
على الرغم من الأهمية المطلقة للعقار في أي اقتصاد معاصر وحديث ، إلا أن التركيز المفرط على تجارة العقار و المال ، وتحويلها الى صناعة بعيداً عن المشاريع المنتجة ، والإستثمارات المباشرة ، من شأنه أن يلحق أضراراً بالاقتصاد الوطني في اتجاهات رئيسة ثلاثة :
الأول : انصراف المستثمرين ، وخاصة صغارهم ، عن الاستثمار في المشاريـع الإنتاجية المولدة لفرص العمل. بما في ذلك المشاريع الصغيرة والمتوسطة ، والاستعاضة عن ذلك بمصادر الربح السريع كتجارة العقار وصناعة المال ، والذي يمثل حالة من دوران الثروة وليس توليد ثروة جديدة .
الثاني : اتســاع نطاق الفساد ، وعلى مستويــات كبيرة الحجم جداً ، وعالية الشرائح الإدارية في الدولة ، وشديدة الخطورة. يعود ذلك الى سهولة آليات الفساد على المستويات العليا واعتماده على تسريبات أو تلميحات أو موافقات أو تعليمات تصدر هنا وهناك.
الثالث : سهولة زواج السلطة بالمال. والذي يشكل أحد المداخل الرئيسة للتدهورالسياسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي في إدارة الدولة.
هذا في حين أن الفساد المصاحب للمشاريع الإنتاجية ، أقل حجماً ، وأصعب تنفيذاً وأكثر استغراقاً للوقت من الفساد المصاحب لصناعة المال والعقار . ولعل حالات الفساد الكبرى لدينا أو في المنطقة العربية أو حتى في الولايات المتحدة كانت أكثر التصاقاً بصناعة المال وتجارة العقار ، منها في المشاريع الإنتاجية والاستثمارات الأولية ( وتمثل حالة مصر نموذجاً صارخاً لكل ذلك).
11 - تجارة العقار
مع أن التعامل بالعقارات من أقدم الأعمال في أي مجتمع ، إلا أن الحقبة الأخيرة من الزمن شهدت تحولات كبيرة في هذه الأعمال الى درجة تنذر بالخطر. فالعقارات تمثل في جانب منها جزءاً من شبكة البنية التحتية لأي اقتصاد. وكلما كان الإقتصاد أكثر حداثة كلما تطلب الأمر حداثة تناظره في المنظومة العقارية بكاملها والعكس صحيح.
غير أن العقار هو ليس مجرد سلعة تجارية. إذ ان له جانباً اجتماعياً بالغ الخطورة والأهمية ، لأنه يمثل جزءاً أساسياً من منظومة المأوى والمسكن لأفراد المجتمع ، والتي تعتبر أحد أركان السلم الإجتماعي وأحد الدعائم الرئيسية لإستقرار النظام والقانون .
غير أن المنطقة العربية ونحن منها قد تأثرت بالثروة البترولية والوافدة أو الهاربة ، والتي لا علاقة لها مع الإمكانات الإقتصادية في البلد الذي تفد اليه ، وتحل فيه. ولأن"أعمال العقار" هي الأسهل والأسرع ، و لا تحتاج الى كثير من الخبرة والجهد المتواصل والمتابعة ، شأن المشاريع الإنتاجية ، فقد اتجهت هذه الثروات الى تجارة العقار ، وبأسعار لاعلاقة لها بالقدرة الشرائية للنظام الاقتصادي أو دخل المواطن. وانما لها علاقة بما هو متاح من مال وفير وثروات خارجية تبحث عن منافذ. وكان نتيجة هذا التوجه :
أولاً : الارتفاع الهائل في أسعار العقارات وخاصة الأراضي والمباني السكنية منه ، وخارج امكانات المواطن العادي. وأصبحت كلفة السكن المتواضع تتطلب ادخاراً يمتد لعشرات السنين ، ولا تقدر عليه شرائح عديدة من الطبقة الوسطى. ناهيك عن الطبقة الفقيرة. فأين يذهب الناس ؟ وماذا يفعل الشباب ؟
ثانياً : إن هذه الثروات لم توفر مزيداً من فرص العمل إلا في أضيق الحدود ، ولفترات مؤقتة مما لم يساعد في مواجهة مسألة الفقر والبطالة أبداً ، بل فاقمت من أزمة الفقر.
ثالثاً : انها خلقت حالة مفتعلة من الازدهار الاقتصادي تتمثل في فقاعة وفرة من السيولة سرعان ما تتلاشى.
ولأن تجارة العقار لم ترافقها مشاريع انتاجية واسكانية ومدنية على نطاق واسع ، فقد أصبحت البلاد وخاصة العاصمة أسيرة لهذه الحالة ، وأصبح المستقبل أمام الشباب بالغ الصعوبة والتعقيد. ولعل مصر تشكل نموذجاً مضخماً لهذه الحالة بكل ما فيها من خلل اجتماعي وحقد وتمرد على السلطة والنظام وعشوائيات وتفكك أسري وأنماط اجتماعية غير اعتيادية . لقد أصبح البيت في عمان مثلاً تقترب كلفته من بيت في أي ولاية أمريكية حيث دخل الفرد هناك (12) ضعف دخل المواطن في الأردن . وتزيد عن كلفة نظيره في أوروبا حيث دخل الفرد (8) أضعاف دخل في الفرد في الأردن .
إن استمرار هذا الوضع يحمل مخاطر اجتماعية وأمنية لا حدود لها . وهذا يتطلب برنامجاً وطنياً في الاتجاهات التالية :
عدم تشجيع تجارة العقار وخاصة لغير الأردنيين الا إذا كانت مقترنة أو متعلقة بمشاريع انتاجية جديدة.
وضع مبالغ إضافية على شراء غير الإردنيين باعتبارها تعويضات مجتمعية لا تقل عن (50%) من القيمة التقديرية تذهب الى صندوق خاص لإقامة مشاريع اسكانية تعاونية أو مشاريع انتاجية.
وضع مشاريع لتطوير القرى والبلدات الأردنية لتصبح أكثر جاذبية للسكن والإقامة فيها بدلاً من التكدس في المدن الرئيسة أو إقامة المشاريع العقارية الجديدة . 12
- الخصخصة
إن الإتجاه نحو خروج الدولة من تملك وإدارة مرافق الإنتاج والخدمات أمر لا غبار عليه من حيث المبدأ ، ولكن هناك عدد من الاعتبارات ينبغي النظر اليها :
أولاً : - ان الخصخصة لا تعني بأية حال من الاحوال بيع موجودات الدولة من مؤسسات وشركات ومرافق وخدمات الى ملاك ومستثمرين أجانب . وانما تعني ببساطة تخلي الجانب الرسمي عن الادارة والتملك والتصرف ، ونقل ذلك الى المواطنين ومن يمثلهم ، وغيرهم إذا دعت الضرورة ، وكان هناك مبررات كافية. باعتبار أن الشعب هو المالك الحقيقي لهذه الموجودات .
ثانياً : - إن ما يتم خصخصته يمثل ثروات وموجودات وطنية لا يجوز اهدارها.
ثالثاً : - ان الخصخصة ليست نموذجاً واحداً ووصفة جاهزة .وانما هي"تركيبة متنوعة"تتم صياغتها وتوليفها بما يتناسب مع المتطلبات الوطنية الانية والمستقبلية.
رابعاً : - ان الخصخصة شأن الكثير من البرامج ، ترافقها افكار غير صحيحة او زائفة. هدفها تسهيل مشاركات معينة او التعامل مع ترتيبات تخدم مصالح سياسية او فئوية او استثمارية او غير ذلك . ان فكرة الشريك الاستراتيجي مثلاً ، دون أن يكون هناك مضمون استراتيجي حقيقي وليس وهمياً أو افتراضياً هي واحدة من الافكار الزائفة التي ليس لها اساس علمي أو اقتصادي أو وطني . إن التكنولوجيا التي ترافق الشراكة الاستراتيجية تتطلب رؤية مختلفة وينبغي بناؤها وطنياً او شراؤها من الخارج مؤقتاً وريثما تتنامى تلك الخبرة .
خامساً: - ان الاقتصاد الاردني صغير الحجم وموجودات القطاع العام يمكن شراؤها ببضعة عشرات المليارات من الدولارات . ومثل هذه الحجوم من الأموال أصبحت الان شيئاً عادياً جداً. وهذا يعني أن فتح باب الخصخصة دون إلتزام مجتمعي ودون تحويل الموجودات الواقعة عليها الخصخصة الى موجودات جديدة أعلى قيمة ، وأكثر نفعاً ، فإنه سوف يؤدي الى تملك غير الاردنيين للموجودات الاردنية. وهو امر له محاذيره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية اذا ما تراكم واصبح السمة البارزة لحال المرافق المخصخصة .
سادساً : - ان وجود الفوائض النقدية الهائلة لدى العديد من الدول والشركات والمؤسسات ، نتيجة لانخفاض الدولار وارتفاع اسعار النفط والنمو الاقتصادي الهائل في بعض الدول ، سوف يضغط باتجاه البحث عن منافذ للاستثمار ومنها شراء الحصص في المؤسسات التي يجري خصخصتها. دون ان تعود أية منافع حقيقية ذات قيمة على الاقتصاد وعلى المجتمع .
سابعاً : - ان الاستثمار العربي والأجنبي مرحب به دائماً ، وبكل قوة ، حين يشكل هذا الاستثمار اضافة جديدة لهيكل الاقتصاد الوطني. سواء كان ذلك بإنشاء مشاريع صناعية ضخمة ، او زراعية واسعة ، او خدمات متقدمة او تكنولوجيا عالية او اعمار لمساحات واسعة . وهنا يصبح للشريك الاستراتيجي مفهوم اخر. وهو المشاركة في بناء الهياكل الجديدة لتوليد دخل جديد وفرص عمل جديدة وبالتالي المساهمة في حل مشكلة البطالة وليس إحلال مالك مكان آخر.
ثامناً : - إن الخصخصة لا تعني تخلي الدولة عن مسؤولياتها للمراقبة والتغيير والتعديل عند الضرورة.
13 - الإقتصاد الإجتماعي
إن التعامل مع المفردات السابقة بمجملها وتفاصيلها يتطلب إعادة العمل الإقتصادي ليكون في خدمة المجتمع ولتنمية ثروة المجتمع بجزئياتها الصغيرة والكبيرة. وهذا يدفع باتجاه الاقتصاد الاجتماعي وهو المنهج الراسخ في العديد بل معظم الدول الصناعية المتقدمة.
وهذا يعني ان على الدولة ان تتبنى منهجاً واضحاً في الاقتصاد الاجتماعي يعمل على بناء الثروة الوطنية من جهة وتطوير دخول الافراد من خلال وسائل اخرى غير الرواتب ، وعلى النحو التالي: -
اولاً : - تعميم المساهمة في ملكية المؤسسات التي تمت خصخصتها على اوسع نطاق وخاصة لمحدودي الدخل من خلال برامج التمويل المرنة لهذه المساهمات .
ثانياً : - إصدار الأنظمة التي تجعل انشاء صناديق الادخار الزامياً في جميع المؤسسات المتوسطة والكبيرة .
ثالثاً : - اعادة الاعتبار للتعاونيات في اطار اقتصادي حديث يهدف الى زيادة دخل الافراد ورفع مستوى معيشتهم عن طريق المشاركة ذات القيمة المضافة العالية .
رابعاً : - إنشاء الصناديق والوقفيات لتمويل الخدمات المستمرة والمتزايدة الكلفة كالتعليم والصحة. فلا يمكن ان يرتقي التعليم الاساسي والعالي دون وقفيات وصناديق. كما هو في العديد من دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية. اما الانفاق المباشر على هذه الخدمات فهو محدود المدى ومحدود المستوى .
خامساً : - الزام المصارف والمؤسسات المالية بتخصيص نافذة للتمويل التجسيري لصغار المدخرين والمساهمين وبضمانة الاسهم أولاً وضمان الحكومة ثانياً .
سادساً : - إلزام الشركات المساهمة العامة بتخصيص نسبة مقبولة من أسهمها للعاملين فيها. وبهذا تتحقق غايتان في نفس الوقت: زيادة الدخل للعاملين وزيادة الانتاجية للشركات.
ان الدول الصغيرة المحدودة الامكانات تماماً مثل الدول الضخمة ، بحاجة الى ابداعات وابتكارات وتركيبات جديدة في المسألة الاقتصادية حتى يمكن مواجهة المتطلبات الاجتماعية الحالية والمستقبلية .

14 - الخلاصة
إن النمط الذي يسير عليه الاقتصاد الوطني والتعليم العالي وضآلة الاهتمام بالإنتاج السلعي الوطني والإفراط في الإستيراد المنفلت والتوسع في صناعة المال وتجارة العقار من الثروات الوافدة وغياب المسؤولية الاجتماعية في مفاصل الاقتصاد وبطء نمو الاقتصاد الوطني وسوء توزيع المرافق الإنتاجية كل ذلك من شأنه أن يجعل مسالة الفقر والبطالة في حالة تفاقم متواصل وبعيدة عن الحل بل ستتزايد من سنة الى أخرى . كما أن غياب برنامج وطني متماسك لتصنيع الاقتصاد في فترة زمنية محددة سوف يضع القوى العاملة الأردنية في وضع صعب للغاية : فإما البطالة وإما الهجرة .
لقد آن الأوان للدخول مباشرة في المعالجة وفق رؤية واضحة لمسؤولية الدولة في توجيه وضبط مرافق الاقتصاد. وقد تكون الصناعات الإحلالية وفي المحافظات المختلفة مدخلاً سريعاً وأكيداً لهذا المسار.

JoomShaper