أدهم أبوسلمية
مما لا شك فيه أن الشباب هم العنصر الأساسي في أي مجتمع؛ وأن أي مجتمع يبحث عن النهضة الحقيقية فإن النهضة تأتي من الشباب لأنهم الأقدر على العطاء والتنفيذ؛
لذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على الشباب وأوصى بهم خيراً بل إنه قدم رأيهم على رأي الكبار في كثير من المواطن.
لقد انتبه الغرب لهذا الأمر فعملوا على تطوير قدرات الشباب وتحفيزهم نحو البذل والعطاء، وبذلوا في ذلك كل غالٍ ونفسي لأجل أن يستفزوا تلك الطاقات الكامنة لدى الشباب فكان منهم العلماء الذين قادوا بلدانهم نحو التغيير الحقيقي ولنا في اليابان خير دليل ومثال على ذلك.
أما عالمنا العربي فقد ابتلي منذ عقود ما بعد الاستعمار بأزلام الاستعمار، بأُناس لا هم لديهم إلا جمع المال وسرقة الثروات والحج إلى البيت الأبيض ومحاربة "الإرهاب" وتحطيم كل تلك الطاقات التي يحملها الشباب العربي لأن ذلك ربما يستخدم في غير المصلحة المرجوة وهي خدمة الغرب وأمريكا.
ولقد عاش شبابنا العربي واقعاً مؤلماً أجبرهم على الهجرة بعقولهم حفاظاً عليها، فصدرنا للغرب خيرة أبنائنا الذين شاركوا بقوة في صناعة حضارة الغرب حتى باتت أسمائهم ترفع في أعرق المؤتمرات والمحاضرات بجنسيات غربية، الأمر الذي آلم الكثير وأحزنهم حتى كانت اللحظة التي قدر الله فيها أن يتحرك الشباب.. صحيح أن دماء الشاب التونسي (بوعزيزي) كانت بمثابة النار التي فجرت القهر والظلم والحرمان لدى الشباب فثارت تونس ثم مصر فاليمن وليبيا والبحرين وغيرها، لكن الحقيقة أن الشباب العربي كان يمر مع كل حدث عظيم بمرحلة جديدة تصاعدية من الغليان فكان الاحتلال لفلسطين ثم الحرب على مصر فاجتياح لبنان فالانتفاضات المتلاحقة ثم حرب أفغانستان والعراق وأخيراً حرب غزة التي كانت لعنة المظلومين في وجه الحكام المتآمرين على حصار ضاق بأهله.
لقد جاءت الثورات في العالم العربي لتظهر أن الشباب لا زال قادراً على استعادة زمام المبادرة وهو قادرُ على التغيير والتأثير فلقد استطاع في وقت قياسي أن يطيح بنظام زين العابدين ثم فرعون العصر مبارك وهو الآن في طريقه نحو ليبيا ونظامها القهري الاستبدادي ونظام اليمن وغيرها.
إن المتابع للثورة المصرية التي أكدت بما لا يدع مجالاً للنقاش أن الشباب العربي يملك من الوعي والثقافة رصيد هائل لا يمكن تجاهله، الأمر الذي يوجب على أي حكومة عربية قادمة أن تضع في حسبانها أن الشباب لن يقبل بأقل من صناعة حضارةٍ يعتز بها بعد هذا الغياب العربي الطويل عن المشهد الحضاري، فلم يعد الشباب يقبل بأن يتغنى بالأمجاد فقط بل هو اليوم أكثر إصرارا على صناعة المجد والتغيير.
لكن تلك الثورات على الرغم من كل ما ذكرنا من الوجه الحسن لها لا زالت تطرح الكثير من الأسئلة حول القيادة والانقياد لدى الشباب العربي فبين من يرى أن الشباب فهو من يصنع ذاته وتاريخه اليوم؛ يرى البعض الآخر أن الشباب ينساق أمام مخطط أحيك بليل.
وحقيقة الأمر أن الشباب العربي المثقف والواعي هو من يقود هذه الثورة وهو الذي يحاول بكل ما لديه من رصيد شبابي أن يصنع واقعه ويغير إلا أنه ينصدم أحياناً في شخصيات تدعي أنها راعيةً للشباب وتحاول بما لديها من نفوذ ومال أن تأخذ الشباب إلي مربعها.
إن الواقع يقول بأن الشباب العربي وبسبب الواقع المؤلم الذي عاشه وكل محاولات التجهيل والإبعاد عن صناعة القرار لعقود طويلة وجد نفسه في وضع حرج للغاية؛ وضع يجبر الشباب على إعادة حساباتهم بشكل يجعلهم أكثر قدرة على التعاطي مع الآخر أين كان، وأن لا نرى الناس بعين واحدة بل يجب علينا أن نجيد فن الحوار واستيعاب الناس كل الناس حتى لا نعود للمربع الأول.
إن المطلوب من الشباب اليوم وهو يقبل على صناعة التاريخ؛ أن يجلس مع نفسه ليستحضر الماضي ويقرأ الواقع ليرسم لنفسه المستقبل المشرق والغد المأمول؛ إن المطلوب من شبابنا العربي أن لا يكون منقضاً وراء الغرب تارةً ووراء الشرق تارةً أخرى، إن من يريد أن يصنع تاريخه وحضارته عليه أن يضع هو الأسس لا أن يترك القواعد لغيره ويكمل هو البناء لأنه حتماً سينهار.
إن المطلوب من شبابنا أن يتحرر من الأفكار الضيقة، والأحزاب المقيتة التي أثبتت أن لكل منها أجندة ونوايا شر تجاه الأمة؛ والمطلوب أن نصع حضارةٍ تستمد أساسها من ذلك الأساس المتين يوم كانت الأمة في مقدمة الأمم تقود لا تقاد.
إن على الشباب مسئوليات كثيرة تبدأ من صناعة الذات ثم الأسرة فالمجتمع وصولاً لأمةٍ عربية قائمة على الوحدة والتكامل لا على التنازع والقتال؛ إن مسئولية الشباب اليوم هي مسئولية كبيرة تبدأ من الحافظ على الثروة الشبابية في هذه الأمة وصولاً نحو الحفاظ على ثروات الأمة الكامنة في ظاهرها وباطنها، وهي القادرة على تحويل عالمنا العربي إلى منارة الأمم كما كانت.
إننا بحاجة إلى شبابٍ يقود لا يقاد، يفكر ويخطط لا ينفذ دون تفكير، يصنع نفسه ولا يترك للأخر أن يصنعه ويشكله كيف يشاء.
كان الله في عون شباب الأمة، فالمرحلة صعبة والمسئولية عظيمة، المأمول كبير ... لكنني على يقين بأنه سيتحقق وسيقود شبابنا بكل تأكيد أمتهم نحو العزة والكرامة والمجد.
الشباب.. بين الواقع والمأمول
- التفاصيل