عبير النحاس
عندما كنت صغيرة كان يحلو لإحدى زميلاتي في المدرسة الإعدادية أن تسخر من الفتيات الأخريات في الصف، و كانت تتخذ من حصة التربية الرياضية مسرحا لأعمالها المؤلمة، وكانت تنتقد كل شيء في مظهرنا بشكل علني، كان يشعرنا بالخجل حتى لو كان انتقادها في غير محله، و كانت تنتقد أيضا بسخرية بشعة تلك الطريقة التي نؤدي فيها التمارين الرياضية (الموجودة في بعض المدارس في بعض البلاد)؛ مما يرهق كاهلنا و يصيبنا بالإحباط و الحزن و الألم.
كنت ألحظ محاولاتها للسخرية من أغلب الفتيات في بداية العام الدراسي، و تعمدها إهانتهن بأمور و كلمات معينة و كانت تعتمد في ذلك على قوتها البدنية، و نجاحها في أداء أغلب التمارين المطلوبة، و على إعجاب المُدَرِّسة بها.
بعد مدة من الزمن كان عدد الفتيات اللواتي يتعرضن لسخريتها يتقلص، و كنت أرى و نرى جميعاً أن اللواتي يتجاهلن سخريتها و يتجاهلنها هنَّ من تنساهنَّ بدورها و تكف عن السخرية منهن، و أن من يذرفن الدموع. أو يغضبن منها. أو تبدو على ملامحهن علامات الإحراج هنَّ من تستمر في ملاحقتهن و إزعاجهن.
و كان عدد صديقات هذه الفتاة يتقلص أيضاً، و كانت تخسر شيئاً فشيئاً من حولها من الفتيات لأن قلوبهن لم تكن لتحتمل كل ذلك الشر الذي يَظهر في سخريتها من الأخريات، و كانت تستشيط غضبا و غيظاً .
تعلمنا بعد ذلك أن نتجاهلها جميعاً، و تعلمنا أيضاً أن هذا هو السر و الوصفة التي تصلح لنعاقب بها أمثال تلك الفتاة، و أنها ستوقف تصرفاتها العدوانية و ستقلل من ألامنا التي تتسبب لنا بها أفعالها المقيتة.
كنت بدأت ألمح أيضاً محاولاتها للتودد إلى الفتيات اللواتي نجحن في إخفاء مشاعرهن السيئة منذ البداية، رغم صدودهن عنها، وأنها بقيت تحاول النيل ممن أظهرن تأثرهن بما قامت به نحوهن من سخرية و بقيت تتعالى عليهن.
في نهاية تلك المرحلة تعلمت أن أتجاهل من يحاول النيل مني بسخرية، أو أن أبتسم في اللحظة التي لا يمكنني تجاهل الموقف فيها، و تعلمت أن أحكي ألامي لشخص مقرب حكيم واع، و أن أحتفظ بها بعيداً عن صديقاتي اللواتي سيشعرن بالملل و الضجر من القصص الحزينة لوقت طويل.
قابلت بعد ذلك - في المرحلة الثانوية.. و في سنوات دراستي لمعهد الفنون.. و في عملي كمدرسة - الكثير من الناس اللذين يشبهون تلك الزميلة، و قابلت منهم في مجتمعي العائلي.. و علاقاتي الاجتماعية الأخرى، و كانت الوصفة دوما ناجحة و الوصفة تقول: "تجاهل أو ابتسامة تحرجهم".
مع أطيب الأمنيات.