محمد السيد عبد الرازق
{ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: ١٣٩]، هكذا خاطب الله تعالى صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم في قلب ظروف اليأس والهزيمة بعد معركة أحد، ليوجههم إلى أهم خطوة على طريق تحويل الهزيمة إلى نصر، واليأس إلى أمل براق، إنه الإيمان بالله تعالى الذي يفجر في الإنسان الطاقات الكامنة، فيغدو قادرًا على قهر العجز، وهزيمة المستحيل.
إن أمر هذا الإيمان عجيب حقًّا، فما إن يستقر في قلب عبد مؤمن ويلامس من قلبه الشغاف، حتى يصنع منه طاقة هائلة تتفجر بالعطاء والحيوية، حتى ما تَعُود نفسه تطيق استكانة أو قعودًا. تمامًا كما يفعل المغناطيس بقطعة من الحديد حينما نمرره عليها، إنه يعيد ترتيب ذراتها، فتصبح شيئًا آخر غير قطعة الحديد المبعثرة الذرات، تصبح كيانًا جديدًا له طاقة مغناطيسية كهربائية لم تكن له من قبل، وكذلك يفعل الإيمان بالله في النفس البشرية، إنه يتخللها فيعيد ترتيب ذراتها لتصبح لها قوة هائلة قادرة على صنع المعجزات، وذلك هو سر تلك المعجزة التي تجسدت في الجيل الفريد الذي رباه خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم.

ومما ينبيك عن تلك الدركة من الضعف والهزيمة والفشل والتخلف التي كان يعيش فيها ذلك الجيل الفريد، قبل أن يكرمهم الله بهذا الدين، تلك النظرة الدونية التي كان ينظر بها الفرس والروم إلى العرب.

انظر إلى كسرى إمبراطور الفرس عندما وصله كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدعوه فيه إلى الإسلام، فما كان منه إلا أن مزقه وقال في غطرسة: (يكتب إليَّ هذا وهو عبدي؟)، ثم كتب كسـرى إلى باذان وهو عامله على اليمن، فقال: (ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين، فليأتياني به) [تاريخ الطبري، (2/296)]، فاختار باذان رجلين من عنده، وبعثهما بكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصـرف معهما إلى كسرى.

فانظر إلى تلك الاستهانة بأمة العرب، ولكن ماذا حدث عندما تحوَّلت أمة العرب إلى أمة الإسلام؟

يطلب كسرى التفاوض مع المسلمين، فيرسل إلىه القائد المظفر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه واحدًا من أولئك العمالقة الذين فجر الإيمان في نفوسهم تلك القدرات الهائلة، إنه ربعي بن عامر رضي الله عنه، ويأمر رستم أن يعد مكان الاستقبال في أبهى زينة، وأن يجهزه بكل مظاهر الأبهة والعظمة، وأن يفرش بأغلى البسط وأثمن النمارق، ولبس رستم زينته الكاملة، لعل ذلك يبهر وفد المسلمين أو يلقي في قلوبهم الرعب.

وهنا كانت المفاجأة؛ إذ بربعي بن عامر، ذلك العملاق القادم من رمال الصحراء، يدخل وحده متوكئًا على رمحه، ويزج به النمارق والبسط، فما يترك نمرقًا ولا بساطًا إلا أفسده، فلما دنا من رستم تعلق به الحرس، فجلس على الأرض، وركز رمحه بالبسط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال ربعي: (إنا لا نستحب القعود على زينتكم).

فقال له رستم: وما جاء بكم؟ قال ربعي: (الله ابتعثنا وجاء بنا؛ لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) [تاريخ الطبري، (3/34)].

وقد كان أن منح الله تعالى أكتاف الفرس لعمالقة المسلمين، إذ ماذا يفعل مائة وعشرون ألفًا من الأقزام الذين استعبدتهم أهواؤهم وشهواتهم أمام اثنين وثلاثين ألفًا من عمالقة فجر الإيمان فيهم كل تلك القدرات الهائلة، حتى قهروا الظروف، وحطموا حاجز المستحيل؟!

هل أدركت الآن سر تلك المعجزة التي تمثلت في هذا الجيل المبارك، هل أدركت كيف تحول أولئك العرب الرعاة، الذين تقوم بينهم الحروب على المرعى والماء، إلى أفذاذ عمالقة، أقاموا أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ في 35 سنة فقط، بل امتدت مساحتها بعد ذلك من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، إنه ذلك الإيمان الذي فجَّر في نفوسهم كل تلك القدرات الهائلة، وانتشلهم من ظروف اليأس والعجز والفشل، إلى حياة الرفعة والإنجاز والمجد، وهو الخطوة الأولى التي ينبغي أن تخطوها ـ أيها الحبيب ـ على طريق النهوض.

الإيمان، لماذا؟
وهنا تنتصب أمامك ـ يا طالب النهوض ـ أسباب عدة تدعوك إلى أن تخطو خطوة الفرار إلى الله تعالى، بادئًا بها طريقك نحو المعالي.

الغاية العظمى:
أتدري يا طالب النهوض، لماذا خلقك الله؟ هذا السؤال الذي قد تجيب أنت عنه في بساطة متناهية هو ذاته الذي حيَّر الفلاسفة والمفكرين ممن حُرِموا من نور الوحي فضلوا ضلالًا بعيدًا!
فانظر إلى الفيلسوف الشهير أفلاطون عندما حاول إجابة هذا السؤال، فهداه تفكيره إلى تلك الإجابة الهزلية: أن الله خلق الكون ثم نسيه بمن فيه من البشر، وتعالى الله عما يقول ذلك الضال علوًّا كبيرًا.

ثم يأتي من بعده كارل ماركس بإجابة تافهة تقول: إن الله خلق الكون من أجل أن يلهو بالبشر ويلعب، وتأتي الآية الكريمة لترد على أمثال هذا التافه.

ويصور إيليا أبو ماضي حيرة كثير من البشـر الذين ضلوا وهم يبحثون عن إجابة لذلك السؤال الخطير، فيقول في قصيدته الطلاسم:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت

وسأبقى سائرًا شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري
أما أنت ـ عزيزي الشاب ـ فعندك الإجابة الوحيدة الصحيحة عن ذلك السؤال، أَخبرك بها الخالق تعالى في محكم التنزيل، حين قال: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦].
فلهذا خلقك الله تعالى لتلك الغاية العظمى وهي عبادته، خلقك لتحقيق مرضاته في الدنيا، فيكون جزاؤك أن تنجح وتسعد في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: ٩٧]، حياة طيبة في الدنيا ملؤها السعادة والنجاح، ثم الجزاء الأعظم والنجاح الأكبر والنعيم المقيم في الدار الآخرة، في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

ولكن يا طالب النهوض، ما معنى هذه العبادة التي خلقنا الله تعالى من أجلها؟!

لقد فهم كثير من المسلمين معنى العبادة فهمًا قاصرًا خاطئًا، ظنَّوا معه أننا مطالبون بالعكوف في المساجد، وترك الدنيا من أجل التفرغ للعبادة التي قَصَروا معناها على مجرد الشعائر التعبدية؛ من صوم وصلاة وزكاة وحج وغير ذلك، ومن ثَم انقسم المسلمون تبعًا لذلك الفهم الخاطئ إلى فريقين يجمع بينهما الوقوع في وهم التعارض بين الدنيا والآخرة.

أما الفريق الأول فقد اعتزل الدنيا بمتاعها الزائل، وتركها لأعداء الإسلام يتفوقون فيها، ويحتكرون مقومات القوة، وآليات الحضارة والتقدم، وذلك بحجة التفرغ للعبادة وحمل هم الآخرة.

وأما الفريق الثاني ـ وهم أغلب الناس ـ فقد قَصَّروا تقصيرًا بينًا في عبادة الله تعالى والاستقامة على شرعه، بحجة الانشغال بالدنيا وأمور المعاش، وضرورات النجاح والتفوق.

والحق دائمًا وسط بين طرفين، فمن أين جاء ذلك التعارض المتوهم بين الدنيا والآخرة؟ إن مفهوم العبادة الصحيح هو كما يُعَرِّفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فيقول: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة) [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (10/149)].

إذًا فكل فعل في الحياة للإنسان ـ سواءًأكان شعيرة تعبدية أو عملًا مشروعًا ـ إذا ابتغي به مرضاة الله تعالى فإنه عبادة يثاب عليها من الله عز وجل، بل إن عمارة الأرض وصناعة النهضة، والتقدم الحضاري هو فرض كفاية على أمة الإسلام، بل هي من أعظم أنواع القوة التي أمر الله تعالى عباده المؤمنين بتحصيلها حتى تظل أمة الإسلام أمة قوية مرهوبة الجانب من قبل أعداء الإسلام.

وانظر أيضًا إلى هذا الحديث العظيم الذي يعقد النبي صلى الله عليه وسلم فيه الصلة بين الدنيا والآخرة، فيقول: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) [رواه البخاري]، لقد كان من المتوقع والقيامة أوشكت أن تقوم أن يأمرنا صلى الله عليه وسلم بالتوبة والاستغفار، ونسيان الدنيا والإقبال على الآخرة، ولكنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بتعمير الأرض، بغرس الفسيلة، وأي فسيلة تلك التي يأمرنا بغرسها صلى الله عليه وسلم؟ إنها فسيلة النخل التي لا تثمر إلا بعد سنين طويلة، فلماذا كان ذلك التوجيه النبوي؟

والجواب بسيط، وما ذاك إلا ليعلمنا صلى الله عليه وسلم هذا الدرس العظيم، أن (طريق الآخرة هو هو طريق الدنيا، بلا اختلاف ولا افتراق، إنهما ليسا طريقين منفصلين أحدهما للدنيا والآخر للآخرة، وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك، ويربط ما بين هذه وتلك، ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة وطريق للدنيا اسمه العمل، إنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة، وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة، ولا العبادة عن العمل، كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام، وكلاهما يسير جنبًا إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه) [قبسات من الرسول، محمد قطب، ص(19)].

(وأما هذا الفصل المتعسف بين الدنيا والآخرة أو بين العمل والعبادة، فليس من الإسلام في شيء؛ فديننا لا يطلب منا أبدًا أن نعتزل الدنيا، ولا أن ننسى الله تعالى ونحن نمارس أعمالنا وأنشطتنا الحياتية؛ من دراسة وتجارة وصناعة وغيرها، بدعوى أننا الآن نعمل للدنيا، وعندما نفرغ منها سنعود للاشتغال بالعبادة.

كلا، إن ذلك ليس من الإسلام، الإسلام أن يأكل المسلمون باسم الله، ويتزوجوا باسم الله، ويتعلموا باسم الله وفي سبيل الله، ويعملوا وينتجوا ويتقووا ويستعدوا باسم الله، لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا لأنهما طريق واحد لا يفترقان) [صناعة الهدف، صويان الهاجري وهشام مصطفى وآخرون، ص(136)].

إن الإسلام لا يقوم فقط على جهود الدعاة من خلال المنابر والكتب والدروس والمحاضرات، بل يحتاج أيضًا إلى ماكينة المهندس وسماعة الطبيب، كما يحتاج إلى الداعية والخطيب، يحتاج إلى منظار العالم، وكلمة الشاعر المسلم صاحب الوجدان، كما يحتاج إلى حملة القرآن، يحتاج إلى آلة الصانع، وبضائع التاجر، كما يحتاج إلى من يعتلي المنابر، يحتاج إلى المصانع والآلات كما يحتاج إلى بيوت رب الأرض والسموات، شريطة أن يعمل كل أولئك ابتغاء مرضاة الله وتحقيقًا لعبوديته.

المصادر:
·صناعة الهدف، صويان الهاجري وهشام مصطفى وآخرون.
·قبسات من الرسول، محمد قطب.
·مجموع الفتاوى، ابن تيمية.

JoomShaper