أم عبد الرحمن محمد يوسف
خواطر فتاة:
من أنا؟
في لحظة سألتُ نفسي من أنا؟
وهل أنا متفوقة في دراستي؟
ولماذا أدرس؟
هل أستحق أن أعيش في هذا العصر عصر التطور العلمي والتكنولوجي؟
وهل من المعقول أن أقف خلف الحائط ولا أسعى للنجاح والتميز وأنا من أمة متميزة؟
عزيزتي الفتاة المسلمة:
التميز سمة من سمات هذه الأمة بنص قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]، وقوله تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74] ليس فقط من المتقين بل إمام للمتقين ومن الفخر أن ننتمي لهذه الأمة التي نهض بها الرسول صلى الله عليه وسلم فجعلها قائدة الحضارات، هذه الأمة التي بدأت حياتها الحضارية بكلمة "اقرأ".
والسؤال هنا لماذا لا أتفوق في دراستي وأسود وأقود الأمم؟ إنه لا مجال للكسل والدعة والتساهل في هذه الحياة فمن ركن إليها فاته الركب وخسر الكثير وكيف تنال الأمة بمثلك حلم؟ وكيف تبلغ بمثلك القمم؟
إن الله لا يقبل أن أتأخر عن الركب، ولا يرضى أن أكون قعيدة الهمة ضعيفة العزم كل همي الجري واللهث وراء الموضة والنموذج الغربي الزائف.
والمرأة المسلمة مكلفة كالرجل وعليها طلب العلم الذي ينفعها في دينها ودنياها قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طـه:114]، وقال صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [حديث صحيح] ومن هنا نفهم أن طلب العلم يشمل الرجل والمرأة على حد سواء.
لقد أدركت المرأة المسلمة في ذلك المجتمع الرباني قيمة العلم منذ الأيام الأولى للإسلام فقالت نساء الأنصار للرسول صلى الله عليه وسلم: (اجعل لنا يومًا من نفسك نتعلم فيه فقد غلبنا عليك الرجال فقال لهن: موعدكم دار فلانة فأتاهن فيها فوعظهن وذكرهن وعلمهن) [حديث صحيح].
لقد ألقى الإسلام على المرأة مسؤولية كبيرة في تربية الأجيال وصناعة الأبطال ومن هنا كثرت الأقوال مجسدة أثر المرأة في نجاح الزوج والأولاد ومن هذه الأقوال: (وراء كل عظيم امرأة ، إن التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها) [حديث صحيح].
ولا تستطيع المرأة أن تقوم بهذا كله إلا إذا كانت متفتحة العقل مستنيرة الذهن قوية الشخصية، ومن هنا كانت بجاحة إلى مزيد من التربية والتعليم والتوجيه في تكوين شخصيتها المسلمة المتميزة.
السيدة عائشة .. المتميزة
إن أبواب العلم مفتحة أمام الفتاة المسلمة ما دام ذلك لا يخل بأنوثتها وطبيعتها بل يزيد عقلها تنورًا وشخصيتها تألقًا ونموًا .. فقد كانت السيدة عائشة أم المؤمنين المرجع الأول في الحديث والسنة والفقيهة الأولى في الإسلام في ريعان الشباب لم تخطُ إلى التاسعة عشرة حتى قال عنها عروة بن الزبير ابن أختها: (ما رأيتُ أحدًا أعلم بفقه ولا بطلب ولا بشعر من عائشة) [حديث صحيح]، وقد أدى وجودها بقرب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن تكون وعاءً من العلم فأين أنتِ من السيدة عائشة؟ اليست قدوتك وأسوتك؟
هل يستوي من رسول الله قائده دومًا وآخر هاديه أبو لهب؟
وأين من كانت الزهراء أسوتها ممن تقفت خطى حمالة الحطب؟
التميز يعني الطموح
ومن العجيب أننا نرى الكثير من الفتيات على قدر كبير من الذكاء والفطنة وطاقة عجيبة لا تتوفر عند أقرانها ولكنها تصرف هذه الطاقة في غير محلها يقول الشاعر:
لا خير في حسن الجسوم ونبلها إذا لم تزن حسن الجسوم عقول
وكما اتفقنا أنك من أمة متميزة، فإن ذلك يتطلب منك أن تكوني متميزة والتميز يعني الطموح وهو السعي إلى معارف جديدة وإلى ارتقاءات لا نهائية حتى يكون ما تريد ويزيد ، فإذا وهبك الله العقل والذكاء والقدرات فلا تضيعيها وترنمي معنى قول الشاعر:
فلم أر في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على الكمال
والتميز يتطلب الحرص والدقة والانضباط ولكن بدون مبالغة أو تشدد وإنما باعتدال وتوسط فديننا دين الوسط.
التميز .. والهمة العالية
إن علو الهمة وصدق العزيمة ونبل المقصد تشعر النفس بالسعادة ، وصاحب الهمة العالية يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايته وتحقيق بغيته لأنه يعلم أن المعالي دائمًا تحفها المكاره:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا
وما استعصى على قوم منال إذا الأقدام كان لهم ركابا
والهمة العالية كالطائر يطير بجناحيه، وكذلك المرء يحلق بهمته إلى أعلى الآفاق طليق من القيود التي تكبل الأجساد.
وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام
وانظري إلى قول عمر بن الخطاب لمعاوية: (لئن نمتُ النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية) [حديث صحيح]، ولا ننسى هنا ذكر الصحبة الصالحة التي تساعد الفتاة على التميز وعلو الهمة.
التميز لا يعني المثالية:
إن الواقعية في التفكير وإدراك الطبيعة البشرية والهدوء في الدراسة والمراجعة، كل ذلك يسهم على حد كبير في الاقتراب من الواقعية والبعد عن المثالية المجنحة في الخيال.
فالخطأ طبيعة بشرية لا تنتقص من قدر الإنسان (كل بن آدم خطاء) تلك حقيقة، فالكل يخطئ، والتجارب الإنسانية تعلمنا أن (من الخطأ يتعلم الرجال) فهذا أديسون أجرى حوالي 300 محاولة فاشلة قبل اختراع المصباح الكهربائي، والسؤال هنا كيف يكون الخطأ ابداعًا؟
ولكي تتحفظي بشعورك بالاتزان فيجب أن تعطي نفسك قدرًا من الراحة، وأن تدركي أن عدم الكمال هو الواقع ، فالتركيز على الأشياء الصحيحة يزيد من متعة الحياة، ويجعلك أقل حدة ويهون عليك الأمور ويساعدك على الشعور بالراحة النفسية ، أما التركيز على الأخطاء فإنه يجعلكِ تهتمين بأتفه الأمور ويجعلك تشعرين بعدم الكفاءة وربما العجز والتركيز السلبي يولد الطاقة السلبية، ويذكركِ بالمشاكل والمعوقات والعقبات ويجعلك تشعرين بالضيق، ويؤدي بك إلى انتقاد الآخرين وتكونين شديدة الحساسية لكل ما هو حولك ، واعلمي أن الذين لا يخطئون أبدًا هم الذين لا يتعلمون ، وأن الخوف من أي محاولة جديدة طريق حتمي للفشل.
فتاتي المتميزة .. كوني متميزة واتخذي هذا القرار أن أكون متفوقة في دراستي وهذا يحتاج منك إلى عزيمة وصبر.
يقول الشاعر:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تترددا
وقولي لنفسك سأعد نفسي دينيًا وعلميًا لأكون من وسائل نصر الأمة وإذا هبت رياحي سأغتنمها، وأحاول وأحاول وسأتفوق.
إذا هبت رياحك فاغتنمها فعقبى كل عاصفة سكون
ولا تغفل تداركها سريعًا فما تدري السكون متى يكون
التميز والتركيز:
ـ من أهم المهارات التي تساعد الفتاة على التميز مهارة التركيز:
(يروى أن العالم شهير إسحق نيوتن كان يحاول في صباح أحد الأيام حل واحدة من المشاكل العلمية المعقدة، فنسي إفطاره تمامًا، وكانت زوجته خائفة من قطع خلوته العلمية، ولكنها قلقة من جراء العمل وهو جائع، وكانت الزوجة تعرف من خلال التجربة أنه لا جدوى من دعوة نيوتن إلى الإفطار، وهو مستغرق في عمله على هذا النحو، كما أنها تعرف أنه سيترك الطعام ليبرد لو أخذته إلى مكتبه.
فجاءت الزوجة ببضع البيض الطازج، الذي كان نيوتن يحب إعداده بنفسه، ووضعت له البيض على موقد صغير في حجرة مكتبه، ناولته البيض ثم مدت يدها له بالساعة، وذكرته بألا يترك البيض أكثر من ثلاث دقائق، وغادرت الحجرة، وبعد ساعات عادت لإخذ الوعاء، فوجدت البيض وما زال في يد نيوتن، كما وجدت الساعة غارقة في وعاء المياه التي طال غليانها) [أنت عبقري ولكن كيف تنمي قدراتك، محمد فتحي، ص(87-88)]، فانظر كيف كان التركيز الشديد الذي تمتع به هذا العالم العبقري الفذ!
لماذا التركيز؟
يعد التركيز مهارة يمكن استخدامها لتحقيق عدد كبير جدًا من الأهداف، وهي ليست قاصرة على هدف واحد محدد، بل يمكن استخدامها في مجالات عدة، من أبرزها ما يلي:
1. إدراك الهدف بشكل أفضل:
التركيز على الهدف يمنحك القدرة على الاستمرار في تحقيقه، فكما يقول جاك كانفليد: (الهدف هو الملاحقة المستمرة لغاية مهمة حتى نتمكن من تحقيقها) [قوة التركيز ... كيف تحقق أهدافك بثقة مطلقة، جاك كانفليد ومارك هانسن ولس هيوت، ص(73)].
2. السيطرة على المشاعر بشكل أقوى:
يتعامل البشر مع مشاعرهم وعواطفهم بطريقتين: إما الانجراف معها دون تفكير، أو قمعها دون رحمة، وهنا يأتي دور التركيز؛ لأنه (مع التركيز نتعلم كيف نعترف بمشاعرنا ونستمع إليها، بدلًا من أن نتركها تجرفنا وتغرقنا) [قوة التركيز ... دليل علمي يساعدك على علاج مشاعرك بنفسك، د.آن ويزر كورنيل، ص(12)].
3. إزالة العقبات التي تعوقك عن النجاح:
هل رأيت من قبل المباراة النهائية في كأس العالم، حيث ينقل اللاعبون الكرة وآلاف من صيحات الجماهير تتعالى في آذانهم؟! هل فكرت مرة كيف يستطيع اللاعب تسديد ركلة الجزاء، بينما الآلاف تهتف ضد فريقه؟ هنا يأتي دور التركيز للتخلص من عقبة مشوشات التركيز، وكذلك في المذاكرة أو مراجعة الدروس.
المصادر:
• قوة التركيز ... دليل علمي يساعدك على علاج مشاعرك بنفسك، د.آن ويزر كورنيل.
• قوة التركيز ... كيف تحقق أهدافك بثقة مطلقة، جاك كانفليد ومارك هانسن ولس هيوت.
نحو التميز
- التفاصيل