محمد السيد عبد الرازق
كان هناك عاملين في إحدى شركات البناء، أرسلتهما الشـركة التي يعملان لحسابها من أجل إصلاح سطح إحدى البنايات، وعندما وصل العاملان إلى المصعد وإذا بلافتة مكتوب عليها (المصعد معطل) تصدمهم، فتوقفوا هنيهة يفكرون فيما عليهم أن يفعلوه، لكنهم حسموا أمرهم سريعًا بالصعود على الدرج بالرغم من أن العمارة بها أربعين دور، سيصعون وهم يحملون المعدات لهذا الارتفاع الشاهق.
وبعد جهد مضنٍ وعرق غزير، وجلسات استراحة كبيرة وصلا أخيرًا إلى غايتهما، هنا التفت أحدهم إلى الآخر وقال: لدي خبران أود الإفصاح لك عنهما، أحدهما سار والآخر غير سار.

فقال صديقه: إذًا فلنبدأ بالسار.
فقال له صاحبه: أبشر لقد وصلنا إلى سطح البناية أخيرًا.
فقال له صاحبه بعدما تنهد بارتياح: رائع لقد نجحنا، ولكن ما هو الخبر السيء؟
فأجابه في غيظ: هذه ليست البناية المقصودة.

فبعد أن أدركت ما حباك الله من قدرات وإمكانيات وبعد أن عرفت أن الفشل مجرد حدث بل هو أول طريق النجاح الحقيقي، فلا يكفيك حتى تصل إلى النجاح أن تحمل معداتك وأدواتك: قلب مؤمن ونفس واثقة وإرادة فولاذية وعادات إيجابية، ثم تصعد بناية النجاح كما تظن، ثم إذا وصلت إلى أعلاها، تدرك أنها لم تكن بناية النجاح وأن ما أنفقت من مال وجهد ووقت ضاع سدى، ولكن ما يوصلك إلى ذروة النجاح هو الانطلاق المبرمج، الانطلاق ولكن إلى أين؟

أسئلة تحتاج الجواب:

ألم تسأل نفسك من قبل: ما هو الهم الأعظم الذي يشغلك ويملأ عليك حياتك؟ ما هي الغاية الأسمى التي تتمركز حياتك حولها؟ ما هي القيم التي لن تتخلى عنها أبدًا مهما ضاقت بك الدنيا؟ ما هو طموحك الذي يحقق لك تلك الغاية ويترجم تلك القيم إلى واقع عملي؟

هل مركز حياتك هو المال؟ وتحصيله هو غايتك العظمى؟

هل عائلتك هي هذا المركز؟ وراحتهم هي هدفك الأسمى؟

هل القيم التي تحكم حياتك هي قيم إيجابية كالعدل والشجاعة والرحمة ومحبة الخير للناس؟ أم نفسك وإرضاؤها هي القيمة الأعظم؟

ما هو طموحك المستقبلي لتحقيق تلك الغاية وترجمة تلك القيم؟

أسئلة متعددة إجابتها عندك وحدك، ولن تتمكن من الانطلاق في سماء الناجحين من دون إجابات واضحة، فأنت من بيدك الفرشاة والألوان وأنت من سترسم مستقبلك بنفسك، فاستعد لرسم تلك اللوحة البديعة من النجاح والتميز إن شاء الله.

لوحة النجاح:

هل رسمت لوحة فنية من قبل؟ أو على الأقل هل رأيت أحدًا من قبل يرسم لوحة فنية؟ لابد لإنهاء هذه اللوحة من مجموعة من المتطلبات: ورقة بيضاء، وأقلام ملونة، وغيرها من الأدوات الفنية، ولكن الأهم هو الفنان نفسه، بخياله وإبداعه ولمسته الفنية.

ولكن هل تكفي تلك المتطلبات من دون أن تكون معالم تلك اللوحة واضحة في ذهن ذلك الفنان بشكل جلي؟!

وبالمثل تكون حياتك ـ عزيزي القارئ ـ لوحة فنية تحتاج إلى أدوات ومهارات النجاح (فرشاة الإصرار، وأوراق الأمل والتفاؤل ... إلخ)، وتحتاج إيضًا إلى فنان (وهو أنت بخيالك وإبداعك)، والأهم قبل أن ترسم تكون معالم اللوحة واضحة في ذهنك، أو بمعنى آخر، أن تكون رؤيتك في الحياة واضحة جلية.

رباعية النجاح:

وقبل أن تشرع في رسم رؤية لحياتك، لابد أن تعلم أولًا الأركان الأربعة للنجاح والتي تهيئك لرسم رؤية ناجحة لحياتك:

‌أ.       مركز الحياة.

‌ب. الرسالة.

‌ج.   الرؤية.

‌د.     الأهداف.

أولًا ـ مركز الحياة:

هل تعرف كرستينا أوناسيس؟ كانت أغنى امرأة في العالم وهي في سن العشرين، ولكن هل تعرف أنها انتحرت لأنها لم تشعر بالسعادة بالرغم من المليارات التي كانت تملك.

هل سمعت عن المعتمد بن عباد؟ كان ملكًا على أشبيلية إبان حكم المسلمين للأندلس، ولكن تغير عليه الدهر ونفي في قرية نائية حتى أنه حين مات لم يعرفه أحد ونادوا عليه: (الصلاة على الغريب).

ألم تسمع من قبل آهات الآباء والأمهات في دور المسنين على أولاد تنكروا لهم بعد عمر مديد وجهد جهيد حتى يجمعوا المال لأولادهم ثم أودعهم أبناؤهم دار المسنين؟

ألم تسمع عن عائلات فيها الأب منشغل بصفقاته والأم منشغلة بأعمالها؛ فضاع الأولاد وتفككت الأسرة؟

ألم تسمع بإنسان جعل همه في الحياة أن ينتقم ممن آذوه أو ضيقوا عليه في رزقه أو عمله؛ فانقلب انتقامه وحقده وبالًا عليه؟

فهل المال ينفع وهو زائل؟! وهل الجاه يكفي وهو ذاهب؟! وهل العمل وإثبات الذات على حساب الأسرة وتربية الأبناء يحقق السعادة؟! وهل جمع المال وإنفاقه على الأولاد هو هدف الآباء والأمهات؟! وهل الحقد والانتقام قيمة تصلح أساسًا للحياة؟!

ولذا؛ كان لابد لكل واحد منا من تحديد مركز قوي لحياته، يتمحور حوله كل سلوكياته وتصرفاته وقراراته، إنه مركز المبادئ والقيم.

تلك القيم التي هي بمثابة (البرمجة والقوة والحافز وراء كل ما نقوم به في حياتنا اليومية أيًّا كان، فهي جميعها تضخ الطاقة والحافز والدافع وراء أفعالنا ... وعيش المرء حياة تتسق مع قيمه يعد عنصرًا شديد الأهمية في منظومة السعادة) [السعادة، هيثر سامرز وآن واتسون، ص(114)]، ولكن كيف السبيل إلى تحديد تلك القيم حتى تكون مركزًا لحياتنا ونبراسًا لنجاحنا؟

كيف تحدد قيمك في الحياة؟

1.   سل نفسك ما يلي:

أ‌.       ما هي الأشياء الأكثر أهمية بالنسبة لي في الحياة؟

ب‌. ما هي الأشياء التي يمكنني أن أضحي بكل شيء من أجلها؟

ت‌. ما هي الأشياء التي لن أتخلى عنها مهما تكن الظروف ومهما تتغير الأحوال؟

2.   اكتب أهم 7 أشياء والتي تمثل القيم الأهم في الحياة.

3.   قم بترتيب تلك القيم حسب الأهمية من الأهم فالمهم.

واجب عملي رقم 9:

حدد القيم التي ترتكز عليها حياتك:

اكتب أهم 7 قيم في الحياة بالنسبة لك (بالترتيب من الأهم فالمهم):

1.   ...........................................................

2.   ...........................................................

3.   ...........................................................

4.   ...........................................................

5.   ...........................................................

6.   ...........................................................

7.   .........................................................

ثانيًا ـ الرسالة:

ونعني به السبب الأهم لوجودنا في هذه الدنيا، ولعل الله عز وجل قد أنعم علينا إذا وضح لنا غاية وجودنا حين قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦]، وقد حددنا في الفصل السابق مفهوم العبادة الحق، وما تشتمل عليه من كل فعل أو قول يحبه الله عز وجل ويرضاه.

وإن كانت هذه هي رسالتنا، فلابد أن نراعي ذلك حين نرسم لوحة نجاحنا ونضع أهدافنا ونسعى في تحقيقها، ولذا؛ فلابد للرسالة السديدة أن تراعي جوانب ثلاثة وهي:

الجانب الأول: إرضاء الله تعالى:

فأي رسالة يضعها الإنسان لابد وأن تكون في مرضاة الله تعالى؛ لأنه ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير انقطع وانفصل، فليس هناك ثمة وجه للمقارنة بين من يجمع المال من أجل إنفاقه في سبيل الله، وبين من كان همه من جمعه حظ نفسه وشهوتها.

الجانب الثاني: لا تنس نفسك:

فكن مصباحًا ينير الخير ويتزود بالوقود بين الحين والآخر، ولا تكن شمعة تنير للآخرين وتحرق نفسها، فلا ينبغي أن ينسى المرء نفسه وهو يرسم رؤية لحياته.

الجانب الثالث: لا تنس الآخرين:

ولا نعني من الجانب السابق أن تهمل الآخرين، فلا يكن شعارك: أنا ومن بعدي الطوفان، ولكن اجعل رؤيتك مبنية على نفع الآخرين والأخذ بأيديهم.

فمثلًا: رسالتي في الحياة هي إرضاء الله تعالى من خلال السعي في النهوض الفكري والإداري والاقتصادي بنفسي وأهلي وأمتي.

ثالثًا ـ الرؤية:

ونعنى به تلك الأهداف الكبرى والآمال الطموحة للحياة، التي تملأ كيان المرء وتجعل لحياته معنى عظيم يعيش من أجله، فكما يقول روبرت براوننج: (ما يحققه الإنسان من طموحات يجب أن يفوق قدراته، فالنجوم إنما خلقت عالية لنحاول دومًا أن نبلغها) [أفضل ما قيل في قوة الأهداف، كاثرين كارفيلاس، ص(107)].

كمثل الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يحكي عن طموحه فيقول: (إن لي نفسًا تواقة لا تعطى شيء إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها وهي الجنة) [البداية والنهاية، ابن كثير، (9/208)]، ويشرح لنا هذا الخليفة الراشد عن طموحه أكثر فيقول: (إن لي نفسًا تواقة، تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، ثم تاقت نفسي إلى الجنة) [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (2/301)].

المصادر:
·وفيات الأعيان، ابن خلكان.
·البداية والنهاية، ابن كثير.
·أفضل ما قيل في قوة الأهداف، كاثرين كارفيلاس.
·[السعادة، هيثر سامرز وآن واتسون.
·أفضل ما قيل في قوة الأهداف، كاثرين كارفيلاس.

 

JoomShaper