أم عبد الرحمن محمد يوسف
يقول أحد الباحثين:
(سألت ذات مرة مجموعة من المراهقين، من هم نماذجكم الذين تحتذون بهم؟
ذكرت إحدى الفتيات أمها كنموذج تحتذي به، وتحدث فتى آخر عن أخيه، وهكذا وكان أحدهم صامتاً بصورة ملحوظة، سألته عمن يعجبه، فأجاب بهدوء قائلاً: ليس لدي مثل أعلى وكل ما كان يرغب في أن يفعله هو أن يكون حريصاً على ألا يشبه هؤلاء الذين كان يفترض أن يكونوا مثلاً علياً له، وللأسف فإن هذه هي الحال مع الكثير من المراهقين إنهم يخروجون من عائلات مفككة وقد لا يكون لديهم أي نموذج يحتذون به ويعتقدون نهجه في حياتهم).
والشيء المخيف هو أن العادات السيئة مثل الاعتماد على الغير، والحياة بلا هدف ولا نموذج يحتذي غالباً ما تورث من الآباء إلى الأبناء، وكنتيجة لذلك فإن العائلات التي تعاني هذا الخلل الوظيفي متواصل تكرار نفسها عبر الأجيال، وأحياناً تعود أصول هذه العادات إلى أجيال عديدة سابقة، قد تكون من نسل سلالة طويلة من عائلة مرفهة لا تمارس أي عمل، وربما لا يكون أحد من عائلتكِ قد ذهب إلى الجامعة من قبل.
الجيد في هذا الأمر هو أنه يمكنك إيقاف هذه الدائرة لأنك مبادرة، يمكنك أن توقفي هذه العادات السيئة عن الانتقال والتوارث، يمكنك أن تصبحي ((عامل تغيير) وتورث عادات حميدة لأجيال المستقبل، بدءاً بأطفالك.
{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ ..........}:
الحياة متجددة ومطالبها متنوعة وضغوطها كثيرة فمن الناس من ينهزم أمام تحديات الحياة، وينكفئ على الماضي هروباً من المواجهة تقليداً للآباء، واستناداً على الإرث هؤلاء عبر القرآن عن موقفهم أبلغ تعبير:
قال تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف:22-23].
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:
(أي ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك، سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة، والمراد بها الدين ههنا وفي قوله تبارك وتعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، وقولهم: (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم) أي وراءهم (مُّهْتَدُونَ) دعوى منهم بلا دليل.
وقد ذمهم الله لعدم استعمالهم عقولهم:
قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة:170- 171].
لنا فيهم قدوة:
فهذا مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه يصبح عامل تغيير في عائلته ويدخل في الإسلام ويتحمل الضغوط التي تقع عليه حتى يرجع ولكن لا تلاقي هذه الضغوط إلا الثبات والقوة.
وهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه يصبح عامل تغيير، عنصر مسلم قوي وسط أسرة عمها الكفر والطغيان.
وانظري أخيتي إلى هذه المرأة التي نحتسب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في ميزان حسناتها، وهي فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب أسلمت في حين أن العائلة لم تكن مسلمة وقصتها شهيرة مع أخوها عمر بن الخطاب عندما علم بإسلامها والنتيجة أن هذه الشخصية الفعالة المبادرة التي لم تستسلم للضغوط التي سارعت إلى الله عز وجل وتصبح عامل تغيير بل وتغيير في الواقع من حولها فهي سبب إسلام أخيها عمر بن الخطاب.
نماذج معاصرة:
تحكي أحد الفتيات قصة تحولها إلى عامل تغيير في أسرتها، كان التعليم شيئاً لا قيمة له في المنزل الذي نشأت فيه، وكانت تستطيع بوضوح رؤية عواقب ذلك تقول: (كانت أمي تعمل في مصنع خياطة مقابل أجر زهيد للغاية، وكان أبي يعمل مقابل أجر لا يزيد كثيراً عن الحد الأدنى من الأجور، كنت استمع إليهما يتنازعان ويتجادلان بشأن المال وكيف يمكنهما تدبير إيجار السكن، إن أعلى درجة وصل إليها والدي في الدراسة هي السنة السادسة.
وتتذكر تماماً عندما كانت طفلة صغيرة، عجز والدها عن مساعدتها في أداء واجباتها المدرسية لأنه لم يكن يستطيع القراءة وكان ذلك قاسياً عليها.
وانتقلت أسرتها عائدة من كاليفورينا بالولايات المتحدة إلى المكسيك وأدركت على الفور أنه ليس لديها هناك إلا خيارات تعليمية محدودة للغاية، لذا فقد سألت والديها أن تتمكن من العودة إلى الولايات المتحدة لتعيش مع عمتها، وعلى مدار السنوات العديدة التالية، قدمت تضحيات عظيمة لتبقى في المدرسة.
تقول: كان من العسير علي أن أشترك في غرفة واحدة وفراش واحد مع ابنة عمتي، وأن أعمل لأدفع لهم الإيجار، وأذهب إلى المدرسة في نفس الوقت، ولكن الأمر كان يستحق ذلك.
وبرغم أنني قد تزوجت ورزقت بطفل أثناء الدراسة بالمدرسة العليا: إلا أنني داومت على الذهاب إلى المدرسة والعمل من أجل إنهاء مراحل التعليم لقد أردت أن أثبت لأبي أنه كان مخطئاً -برغم كل شيء- عندما قال إنه لا أحد في عائلتنا يمكن أن يصبح محترفاً.
سوف تحصل عن قريب على درجة جامعية في المحاسبة الماليات، وهي تريد أن تنقل قيمها التعليمية إلى أطفالها اليوم، وفي كل وقت متاح لا أكون فيه بالجامعة أجلس على الأريكة وأقرأ لطفلي إنني أعلمه كيف يتحدث اللغات وأحاول أن أدخر أموالاً من أجل تعليمه، وفي أحد الأيام سوف يحتاج إلى من يساعده في الانتهاء من واجباته المدرسية، وسأكون أنا موجودة لمساعدته في قراءتها.
تنمية عضلات المبادرة:
القصيدة التالية هي موجز رائع لما تعينه فكرة تحمل المسئولية عن الحياة وكيف يمكن لأي شخص أن ينتقل تدريجياً من إطار عقلي مستجيب إلى إطار عقلي مبادر:
سيرة ذاتية من خمس فصول قصيرة:
من قصيدة هناك حفرة في طريقي للمؤلفة بورشيا نيلسون
الفصل الأول:
كنت أسير في الشارع
واجهتني حفرة عميقة في الطريق
سقطت فيها
صحت... ولا حيلة لي
وليس هذا بخطأي
يتطلب الأمر دهراً للخروج
الفصل الثاني:
كنت أسير في نفس الشارع
هناك حفرة عميقة في الطريق
وسقطت ثانية
لست أصدق أنني في المكان نفسه مرة أخرى
ولكن، ليس هذا خطأي
ما يزال الأمر يتطلب وقتاً طويلاً للخروج
الفصل الثالث:
كنت أسير في نفس الشارع
وهناك حفرة عميقة في الطريق
إني أرى أنها هناك
ولكني سقطت أيضاً، إنها عادة
عيناي الآن مفتوحتان
وأعرف أين أنا
إنه خطأي وخرجت على الفور
الفصل الرابع:
كنت أسير في نفس الشارع
وهناك حفرة عميقة في طريقي
لم أسقط التففت حولها
الفصل الخامس
سرت في شارع آخر
وأخيرًا:
يحكى أن أحد الحكماء خرج مع ابنه في جوٍ نقي بعيدًاعن صخب المدينة وهمومها ليعرفه على التضاريس من حوله.
سلك الاثنان واديًا عميقًا تحيط به جبال شاهقة، وأثناء سيرهما تعثر الطفل في مشيته، وسقط على ركبته، فصرخ الطفل على إثرها بصوتٍ مرتفع تعبيراً عن ألمه: آآآآه، فإذا به يسمع من أقصى الوادي من يشاطرهالألم بصوتٍ مماثل:آآآآهنسـي الطفل الألم وسارع في دهشة سائلًا مصدر الصوت: (ومن أنت؟)، فإذا الجواب يرد عليه سؤاله: ومن أنت ؟
انزعج الطفل من هذاالتحدي بالسؤال فرد عليه مؤكدًا: بل أنا أسألك من أنت؟ ومرة أخرى لا يكون الردإلا بنفس الجفاء والحدة: بل أنا أسألك من أنت؟فقد الطفل صوابه بعد أن استثارتهالمجابهة في الخطاب، فصاح غاضبًا: (أنت جبان)، وبنفس القوة يجيء الرد (أنت جبان) [قصص ومعاني، علاء صادق، ص(11)].
(في يوم من الأيام، رفع محاضر كأسًا من الماء وسألالمستمعين: ما هو في اعتقادكم وزن هذا الكأس من الماء؟فتراوحت الإجابات بين50جم إلى 500 جم.
فأجاب المحاضر: لا يهم الوزن المطلق لهذا الكأس! فالوزن هنا يعتمد على المدة التي أظل ممسكًا فيها هذا الكأس، فلو رفعته لمدةدقيقة لن يحدث شيء، ولو حملته لمدة ساعة فسأشعر بألم في يدي، ولكن لو حملته لمدة يومفستستدعون سيارة إسعاف؛ فالكأس له نفس الوزن تمامًا، ولكن كلما طالت مدة حملي لهكلما زاد وزنه) [قصص ومعاني، علاء صادق، ص(13)، بتصرف يسير].
وهكذا ضغوطات الحياة، إن حملناها فوق رؤوسنا طوال الوقت، فستكون من أهم العوائق التي تقف في طريقنا نحو الفاعلية، خاصة في عصرنا الحديث ذي الوتيرة المتسارعة، ولذا ينصحنا الدكتور عبد الكريم بكار فيقول: (عصرنا الحديث هو عصر المطالب المتزايدة، وهذا يعني أن على كل واحدٍ منا أن يحسن كفاءته في مقاومة الضغوط التي تفرضها طبيعة العيش في هذا الزمان، وذلك يتطلب منا أن نتعود الاسترخاء والترفيه عن النفس في إطار من المشروعية والاعتدال) [بصائر في الشخصية، د.عبد الكريم بكار، ص(13)، بتصرف يسير].
المصادر:
· العادات السبع للمراهقين الأكثر فاعلية، شين كوفي
· تفسير ابن كثير
· بصائر في الشخصية، د.عبد الكريم بكار.
· قصص ومعاني، علاء صادق.
مسار التغيير
- التفاصيل