أحمد على سليمان
المدير التنفيذي لرابطة الجامعات الاسلامية
التراث مليء بالقصص الهادفة فى هذا الموضوع، ورد أنه كان لأحد الملوك وزير حكيم، وكان الملك يقربه منه ويصطحبه معه فى كل مكان، وكان كلما أصاب الملك ما يكدره قال له الوزير «لعله خير» فيهدأ الملك بكلام وزيره، وفى إحدى المرات قُطع إصبع الملك فقال الوزير «لعله خير»، فغضب الملك غضبًا شديدًا وقال: ما الخير فى ذلك أيها الوزير؟! وأمر بحبس الوزير، فقال الوزير الحكيم «لعله خير»، ومكث الوزير فترة طويلة فى السجن.. ويشاء الله سبحانه أن يلقن الملك درسًا غاليًا، ففى يوم من الأيام خرج الملك للصيد وابتعد عن حراسه ليتعقب فريسته، فمر على قوم يعبدون صنمًا فقبضوا عليه وقرروا أن يقدموه قربانًا للصنم، ولكنهم تركوه بعد أن اكتشفوا أن قربانهم مقطوع الإصبع.. فانطلق الملك فرحًا مسرورًا بعد أن أنقذه الله من الذبح تحت قدم الصنم، وكان أول ما أمر به بعد أن وصل إلى قصره أن أصدر أوامره إلى حراسه أن يأتوا بوزيره من السجن، ثم اعتذر له عما فعله معه وقال له إنه أدرك الآن فقط الخير فى قطع إصبعه، وشكر الله تعالى.. ولكنه سأله عندما أمرتُ بسجنك قلت «لعله خير»، فما الخير فى ذلك؟ فأجابه الوزير أنه لو لم يسجنه.. لَصاحَبَهُ فى رحلة الصيد وكان سيُقدم قربانًا بدلًا من الملك... فكان فى صنع الله كل الخير..!! وهكذا تعلم الملك قيم الرضا والقناعة..
فضل القناعة: المسلم القانع يحبه الله ويحبه الناس، والقناعة تحقق للإنسان خيرًا عظيمًا فى الدنيا والآخرة، ومن فضائل القناعة:
القناعة سبب البركة: فهى كنز لا ينفد، وقد أخبرنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنها أفضل الغنى، فقال: (ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (من أصبح منكم آمنًا فى سربه، معافًى فى جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) [الترمذى وابن ماجة]. فالمسلم عندما يشعر بالقناعة والرضا بما قسمه الله له يكون غنيًا عن الناس، عزيزًا بينهم، لا يذل لأحد منهم. أما طمع المرء، ورغبته فى الزيادة يجعله ذليلًا إلى الناس، فاقدًا لعزته، وقال (صلى الله عليه وسلم): (ارْضَ بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس).
والإنسان الطماع لا يشبع أبدًا. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعففْ يعِفَّهُ الله، ومن يستغنِ يغْنِهِ الله).
القناعة طريق الجنة: حيث بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن المسلم القانع الذى لا يسأل الناس ثوابُه الجنة، فقال: (من يكفل لى أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفل له بالجنة؟)، فقال ثوبان: أنا. فكان لا يسأل أحدًا شيئًا.
القناعة عزة للنفس: القناعة تجعل صاحبها حرًّا، أما الطمع فيجعل صاحبه عبدًا للآخرين. وقال أحد الحكماء: من أراد أن يعيش حرًّا أيام حياته، فلا يسكن قلبَه الطمعُ. وقيل: عز من قنع، وذل من طمع.
القناعة سبيل للراحة النفسية: المسلم القانع يعيش فى راحة وأمن واطمئنان دائم، أما الطماع فإنه يعيش مهمومًا، ولا يستقر على حال. وفى الحديث القدسي: (يابن آدم تفرغْ لعبادتى أملأ صدرك غِنًى، وأَسُدَّ فقرك. وإن لم تفعل، ملأتُ صدرك شُغْلا، ولم أسُدَّ فقرك).
وبعد فإننا فى حاجة ماسة إلى إحياء هذه القيم التى كادت أن تغيب عن مجتمعاتنا الإسلامية من خلال المساجد والمنتديات الشبابية وغيرها، وكذلك بواسطة برامج التعليم ومناهجه، ومن خلال تضمينها فى القوالب الإعلامية المختلفة لا سيما القالب الدرامى الذى يتميز بتأثيره البالغ على المتلقي، ذلك أن غياب تلك القيم قد نتج عنه وتفرع منه الكثير من المشكلات الاجتماعية المعقدة كالعنوسة والطلاق وغيرها من الأمراض والعلل التى لا يمكن أن نتخلص منها إلا بالعودة إلى منهج الله - سبحانه- الحاكم والمنظم لحركة الناس على هذه الحياة..
حاجة الشباب المسلم إلى قيم الرضا والقناعة «2- 2»
- التفاصيل