محاسن أصرف
في مختلف المجتمعات العربية، ومع ثورة الاتصالات تجد الإنترنت يُمثل جوهر الحياة بالنسبة للإنسان، فيقضي الغالبية وقتًا ليس يسيرا يجول بين أيقوناته، مما يؤثر على العلاقات الاجتماعية، وكذلك على طبيعة الفكرة والثقافة التي تتكون لدى الفرد.
ويبدو تأثير الإنترنت أخطر على الفتيات خاصة في سن المراهقة، فهو إما أن يقودها إلى عالم افتراضي قد يجر عليها الكثير من المآسي، أو يبقيها في عزلة قد يصعب الخروج منها.
"لها أون لاين" في سياق التحقيق التالي تعرض لتجارب الفتيات الفلسطينيات في قضاء أوقاتهن على الإنترنت، وتعقب بآراء المختصين.
وقت محدد وفائدة عظيمة
بين الدراسة والعبادة ومساعدة والدتها في أعمال المنزل، ومرافقة الصديقات؛ تقضي "عطرة" 19 عامًا طالبة علاج طبيعي، جُل وقتها، وتسعد به إلى أبعد حد، حتى إن الكثيرات من رفيقاتها أغبطنها على حسن إدارتها لوقتها، وارتباطها بعائلتها، تقول: "ظهور الإنترنت لم يغير شيئا في حياتي إلى الأسوأ، بل على العكس منحني الكثير من الثقافة والمعرفة"، مؤكدة أنها لم ترتاده بعمق إلا في المرحلة الجامعية، وتضيف أن دراستها في مجال العلاج الطبيعي خاصة، وأنها في السنة الدراسية الأولى تتطلب التعرف بعمق على هذا العلم الذي نهايته رسالة إنسانية راقية - بحسب تعبيرها- وتلفت إلى أن أكثر المواقع التي ترتادها مواقع الطب الفيزيائي، التي تساعدها في الحصول على معلومات جديدة، يمكنها مناقشتها مع أساتذتها في كلية غزة للتدريب المهني.
الفتاة تؤكد أن ارتياد الإنترنت ليس جُرمًا ولا عيبًا، إذا ما أُحسن ووجه استخدامه على الشكل المفيد لا المضيع للوقت والجهد، وتُبين أنها تحدد وقتًا محددًا لتصفح المواقع، والجلوس إلى الإنترنت لتتمكن من إنجاز مهمتها، بعيدًا عن التلكؤ والانشغال بما لا يفيد ويجدي.

إدمان فيس بوك
وتشكو أم سائد -45عامًا - من انشغال ابنتها معظم الوقت بالإنترنت، وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، تقول السيدة بلسان العجز: "حاولت أن أصرفها عنه بشتى الطرق والوسائل التربوية الممكنة، عبر توفير البدائل الممكنة، كإيجاد البرامج النافعة ونصحها بتصفح مواقع مميزة في المادة التي تقدمها على كافة المستويات الأخلاقية والعلمية، أو من خلال الزجر أحيانًا والنهي والوعظ".
الابنة لم تقم وزنًا لكلام ونصح الأم، التي أكدت لنا أنها لا تسمع من ابنتها إلا وعودًا بترك الإنترنت، والانتباه لدراستها والتخطيط لمستقبلها، لكنها لا تُنفذ منها شيئًا وتزداد تعلقًا بما تفعل، وتضيف أم سائد أن ما يعصف بقلبها خوفًا ورعبًا أن ابنتها دخلت هذا العام الثانوية العامة تقول: "أخشى أن يسرقها الإنترنت من الدراسة وتفشل فتُصدم وتصدمنا".

بقدرٍ معلوم
وتنكر ريهام ـ طالبة السنة النهائية قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الأقصى ـ على زميلاتها اللاتي تقضين معظم أوقاتهن على الإنترنت بين تصفح مواقع، وتحميل أفلام ومسلسلات الدراما التركية، أو حتى الشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تقول: إن الوقت جوهر الحياة، وزاد العمل؛ لذلك يجب إدارته بطريقة سليمة، وبوسائل مفيدة تُحقق لنا الإنجازات على كافة المستويات في العلاقات الإنسانية، وكذلك في العلم والمعرفة"، وتُضيف الفتاة أنها على المستوى الشخصي لا تُقاطع الإنترنت، ففيه من الفوائد الكثير، ولكنها تحدد وقتًا بقدر معلوم تبحر خلاله في عوالم الإنترنت المختلفة، فتطلع على آخر الأخبار، وتُنجز أبحاثًا، وتشاهد بعض المحاضرات المصورة والتي تفيدها في دراستها، كما وتضع وقتًا للترفيه بسماع الأناشيد، والحديث مع الصديقات خاصة اللاتي باعدت بينها وبينهن المسافات والأقطار.

للعلم والثقافة
يُقر الخبير التربوي والنفسي د. فوزي  أبو عودة أن التزام الفتاة العربية وبيئتها الإسلامية القويمة وتربيتها المحافظة تدفعها إلى قضاء وقتها على الإنترنت فيما هو نافع، ويرقى بمؤهلاتها وثقافتها ومعرفتها، وقال في حديث خاص مع "لها أون لاين": الفتاة المسلمة تعرف حدودها الشرعية في التعامل مع وسائل التكنولوجيا الحديثة، فتتعامل معها وفق ما أمر الله بالتزام منافعها ورد عواقبها ومضارها"، وبيّن دخولها إلى الإنترنت مرهون بحاجتها العلمية والتثقيفية، خاصة وأن الغالبية العظمى من فتيات المجتمع طالبات دراسة، إما في المراحل الأساسية أو الجامعية أو الدراسات العليا، الأمر الذي يولد لديها حاجة علمية لدخول الإنترنت من أجل الحصول على دراسات وأبحاث، أو من أجل الثقافة العامة التي تصقل شخصيتها، وتعزز دورها الريادي في المجتمع.

فئةٌ قليلة
ولم ينفِّ د.أبو عودة وجود فئة قليلة من الفتيات في المجتمع الفلسطيني تغرد خارج السرب، وتدخل إلى الإنترنت لأهداف التسلية والمرح، والتواصل مع الآخر عبر المواقع الاجتماعية، إلا أنه يؤكد أن التوعية السليمة والمراقبة من قبل الأهل وتحديد الوقت للمكوث أمام الإنترنت من شأنه أن يقلل الآثار السلبية، داعيًا الأسرة لأن يكون لها دور فاعل في توعية الفتيات، خاصة وأن يعمدن إلى  أسلوب المصارحة والمكاشفة وليس الحظر والتعنيف.  مؤكدًا أنه لا يمكن حجب الفتاة عن الإنترنت من أجل الحصول على رغباتها العلمية، وتطوير قدراتها وصقل مهاراتها، لافتًا أنه مطلب ديني ووطني بشرط تدعيم مبادئ الحرص لديها على عدم الانزلاق في المواقع التي تؤدي إلى تدمير قيمها وأخلاقها.
وبيّن د. أبو عودة العديد من المخاطر النفسية والاجتماعية لانزلاق الفتيات نحو مواقع الإنترنت الخبيثة حد الإدمان عليها، قائلًا: "إنها تبدأ بالانعزال على المحيط الأسري والاجتماعي، وتنتهي بتدمير القيم والأخلاق التي فُطرت عليها الفتاة".
ناصحًا الفتيات إلى ضرورة الموازنة بين نهمها في استكشاف العالم الآخر، وبين القيم والمعايير التي تدين بها وتحدد وجهتها الأخلاقية والإسلامية، ودعا إلى ضرورة أن تكون خطوط الإنترنت مكشوفة للأهل، وأن تُقنن الفتاة فترة وجودها على ما يصطلح عليه مواقع التواصل الاجتماعي، ولا ترتادها إلا لتحقيق أغراض مفيدة، سواء على صعيد العمل أو العلاقات الاجتماعية.

توفير البدائل
وينصح د. أبو عودة الأهالي خاصة الآباء لفتيات تقضي أوقاتهن على الإنترنت فيما لا ينفع ولا يزيد علم أو ثقافة أن يجتهدوا في توفير البدائل التي تجذب فتياتهم، وتحقق لهن الفائدة الطيبة، وقال: "إن صرفهم عن تلك الوسائل بالزجر والأمر والنهي لا يجدي نفعًا". وشدد على ضرورة أن تتضافر جهود الأسرة مع المؤسسات الخاصة برعاية الطفولة والشباب والمؤسسات الرسمية والأهلية؛ لمخاطبة هذه الشرائح وإن قلت في المجتمع الفلسطيني، ومحاولة فهم احتياجاتهم وتلبيتها بما يتلاءم مع الظروف والعادات والتقاليد الاجتماعية.
إلى ذلك دعا د. أبو عودة الآباء وأصحاب التأثير في بناء شخصية الفتاة – المعلمين، والأمهات- بأن يسهموا في تكوين شخصيات الفتيات منذ بداية الوعي والتعلم، وأن يغرسوا في نفوسهم القيم الدينية والأخلاق الحميدة، والسلوكيات المحببة لله والمرضية للمجتمع، وذلك من خلال البرامج الترفيهية والخطط التنموية للمهارات والقدرات.

JoomShaper