محمد السيد عبد الرازق
الكثير منا كشباب لديه أصحاب كثر، لكن هل دينا إخوة في الله؟
هذا يدعونا إلى التساؤل:
ما هي الأخوة في الله؟
وما هو قدر الأخوة في الله؟
وما هي صفات المتآخين في الله؟
حينما نتحدث عن الأخوة في الله والصحبة في الله، فنحن نتحدث عن لذة ومتعة حقيقية من لذات ومتع الدنيا، كما نتحدث عن سعادة وأمان في الآخرة، ولعل جزء يسير من متعة الدنيا التي يورثها الحب في الله وتورثها الأخوة قد عبر عنه فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: (لولا ثلاث، لولا أن أسير في سبيل الله عز وجل أو يغبر جبيني في السجود، أو أقاعد قوما ينتقون طيب الكلام كما يُنتقى طيب الثمر لأحببت أن أكون قد لحقت بالله عز وجل).
تخيل معي:
ولنتخيل سويًا هؤلاء الشباب الذي جمعهم حب الله عز وجل وطاعته في الحياة الدنيا، وطالما اجتمعوا على حفظ كتاب الله ونصرة الإسلام وزاولوا سويًا العديد والعديد من المشروعات الخيرية، وارتقوا بنياتهم فجعلوا من تفوقهم الدراسي ونجاحهم في أعمالهم سبيلًا من سبيل النهوض بالأمة وتقرير صورة المسلم الذي يفهم دينه بشموله وعمقه.
نتخيل هذه الرفقة التي أعانت بعضها البعض في الحياة على كل ما سبق وغيره الكثير، نتخيلها وقد أتت هي هي يوم يوم لا ينفع مال ولا بنون، وقد اجتمعت لا في بيت من بيتوت الله ولا روضة من روضات الصالحين، وإنما في ظل عرش الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) [رواه مسلم].
أما المشهد الثاني، فهو يتألق روعة وجمالًا، ويدفع في النفس مشاعر الشوق والحنين إلى تلك الجلسة الهنيئة التي تبعث في النفس مشاعر الفرح والبهجة، إنها جلسة المتحابين في الله فوق منابر النور يوم القيامة.
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله)، قالوا يا رسول الله فخبرنا من هم: قال: (هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس) وقرأ هذه الآية: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}) [صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب].
الله يحبهم
أما في الدنيا فإن محبة الله عز وجل تتنزل على من تحابوا فيه سبحانه، لا لمصلحة ولا لمنفعة، وإنما جمعهم الحب في الله والسير على طاعته، فكان جزاؤهم أن يتولاهم الله برعايته في الدنيا وينزل عليهم رحمته ويغمرهم بحبه.
فعن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى؛ فأرصد الله له على مدرجته ملكًا قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) [رواه مسلم].
حقيقة الأخوة
ولكن بعض الشباب ربما يسأل عن حقيقة الأخوة وطبيعتها، ولماذا تدوم صداقة هؤلاء الذين تحابوا في جلال الله عز وجل وجمعهم في أيام شبابهم حب الله عز وجل والحرص على طاعته والسعي في كل ما يرضي الله عز وجل من أمور الدنيا والدين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتضمن نقاط كثيرة، ولعل من أهم هذه النقاط، أن كل فيئة من البشر يتقارب بعضهم من بعض على حسب تقارب صفاتهم واهتماماتهم، فالأشخاص الذين يهتمون بالتجارة وجلب المال ومتابعة البورصة والحرص على كل فرصة تحمل ربحًا تجاريًا مرضيًا، هؤلاء الأشخاص ينجذب بعضهم إلى بعض بصورة تلقائيه، فيحب لقاء بعضهم بعضًا، والحديث معًا حول صفاتهم المشتركة، واهتماماتهم المتقاربة.
وهكذا فإننا لو نظرنا عن قدر مشترك بين البشر تتقاطع فيه صفاتهم واهتماماتهم، لوجدنا أنه بين مؤمنَين ، فلو أتيت بهما لوجدت الآتي:
الأول يعرف الله، والثاني يعرفه كذلك.
الأول يحب الله، والثاني يحبه أيضًا.
الأول مخلص والثاني كذلك.
الأول منضبط والثاني منضبط.
الأول صادق وأمين، والثاني يتمثل ذات الصفات.
ولعل هذا الذي أشار إليه القرآن في قول رب العالمين: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:36 ].
فكانت ثمرة هذا التآلف والاشتراك في خلل الإيمان، أن ملأ الله حياة المتحابين فيه بالود والحب، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96] .
قال سيد قطب في الظلال: (وللتعبير بالود في هذا الجو نداوة رخية تمس القلوب، وروح رضى يلمس النفوس. وهو ود يشيع في الملأ الأعلى، ثم يفيض على الأرض والناس فيمتلىء به الكون كله ويفيض..) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (4/2321)]، وقال بعض العلماء: المقصود بالود هو الود بين المؤمنين بعضهم البعض.
ومن روائع الأحاديث في التعرف على حقيقة الأخوة والتقاء الأرواح على حب الله عز وجل، هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ؛ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وما تناكر منها اختلف ) [رواه البخاري].
يقول الإمام ابن حجر: (قال الخطابي يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد وأن الخير من الناس يحن إلى شكله والشرير نظير ذلك يميل إلى نظيره، فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر، فإذا اتفقت تعارفت وإذا اختلفت تناكرت ويحتمل أن يراد الإخبار عن بدء الخلق في حال الغيب على ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجسام وكانت تلتقي فتتشاءم؛ فلما حلت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق من العهد المتقدم) [فتح الباري، ابن حجر، (6/396)].
خطوات تثبيت الأخوة:
إن كثيرًا من الشباب ـ إن لم يكن كلهم ـ ممن منَّ الله عليهم بنعمة الأخوة والحب في الله، يسألون كيف نحافظ على هذه الأخوة وننميها، حتى تكون عونًا لنا في الدنياة وسعادة لنا في الآخرة؟
يجيب الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه عن هذا السؤال بقوله: (ما أعطي عبد بعد الإسلام خير من أخ صالح؛ فإذا رأى أحدكم ودًا من أخيه فليستمسك به).
كيف نتمسك بالصحبة الصالحة التي تعد عملة نادرة، يزداد رصيد الإنسان وكنزه في هذه الحياة على قدر تحصيله من هذه العملة.
هناك أسباب كثيرة نحافظ بها على الصحبة الصالحة، من أهمها:
المروءة
إن من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها كل من رزقه الله صحبة صالحة: المروءة، أن يكون صاحب مروءة حقيقية، مروءة لا يبتغي بها ثناء من أحد، وإنما يبتغي بها وجه الله سبحانه.
فالمروءة أن تعطي بلا مقابل، وأن تمنح دون انتظار لرد، أن تقف بجوار من تحبهم في الله، ويجدوا فيك معاني الرجولة والشهامة؛ لأن أصل الحب الصادق والأخوة الصادقة، هو العطاء.
وأكبر مشكلة يمكن أن تواجه الأخوة في الله، وتفرق الصحبة الصالحة، أن يجدك صاحبك متخليًا عنه في وقت شدة، أو غير مهتم به في وقت فرحة، أو يكتشف أنك تسعى لمصلحتك وفقط.
لذلك قالوا:
إن الصديق الحق من كان معك
ومــن يضـــر نفســـه لينفعـــــك
ومـــن اذا ريب الزمن صدعــــك
شتــــت فيك نفسـه ليجمعـــــك
الصبر:
الأمر الثاني، أن يصبر كل صديقان تحابا في الله على بعضهما البعض، فالإنسان كما يحمل من صفات جميلة، يحمل أمامها بعض العيوب، فلا تجعلنك عيوب من صاحبته في الله منفرة لك عنه، بل اصبر عليه وساعده ليتخلص من عيوبه.
فهو يحب أن يرى منك صبره عليه، كما يصبر هو عليك، ورحم الله من قال:
مَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَي سَجَايَاه كُلُّهَا كفي الْمَرْءَ نُبْلًا أَنَّ تُعَدَّ مَعَايِبُه
الصفاء:
الأمر الثالث والأخيرة، أن تحمل قلبًا صافيًا لا يحمل بغضاء ولا غلًا ولا حقدًا ولا حسدًا، حتى تلقى الله بهذا القلب المضيء، كما قال رب العالمين: { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89 ـ90].
ومن الصفاء ألا تعد على صاحبك كلماته وأخطائه وتذكره بها دائمًا وأبدًا، بل تعود نفسك الصفحة والعفو، وتلتمس له الأعذار، وتحمل كلماته على محمل الخير، وتقبل أسفه، وكما قال الشافعي: (ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته).
وليكن شعارنا في تعاملنا مع بعضنا البعض، حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقًا الموطؤن أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون للبرءاء العثرات) [حسنه الألباني].
صحبة صح
- التفاصيل