محمد السيد عبد الرازق
لماذا أذاكر؟
ولماذا أبذل كل هذا الجهد في التحصيل؟
أتمنى ألا تعود الامتحانات مرة أخرى...
لا أطيق المذاكرة، ولا مشاهدة الكتب الدراسية..
إن ما سبق هي كلمات يطلقها الكثير من الشباب حينما تقربهم الأيام من موعد الامتحانات، فيجد الكثير منهم بداخله صدود نفسي عن المذاكرة والتحصيل من ناحية وخوفًا من الامتحانات من ناحية أخرى..
ولذلك أسباب كثيرة، ولعل أهمها هو ما نتناوله بالحديث من خلال هذه الكلمات، ألا وهو: وضوح الهدف.
حقًا، لماذا تذاكر؟
ولماذا تصرف كل هذا الوقت ذهابًا وإيابًا للمدرسة أو الجامعة؟
ولماذا تلزم نفسك بالساعات الطوال على طاولة المذاكرة قبيل الامتحانات؟؟
أسألة كثيرة تحتاج لإجابات..
وأنا أقول لك أخي الطالب: إذا كان لديك هدف واضح من دراستك تسعى له بقوة، فستجد ـ بلا شك ـ إجابات واضحة لمعظم هذه الأسئلة، والعكس صحيح.
لذلك فسنحاول أن نمنحك من خلال هذه الكلمات إجابة ـ لا على الأسئلة السابقة ـ بل على سؤال أعم منها جميعًا، ألا وهو: كيف يمكن وأنت طالب أن تفيد أمتك وتقدم لها شيئًا حقيقيًا ملموسًا، فإذا اتضحت الإجابة في ذهنك؛ فستغنيك عن كثير من الإجابات على كثير من الأسئلة.
اصنع لك هدفًا
فالشاب المسلم لابدأن يحدد رؤيته في الحياة بكل جوانبها، حتى يصبح شخصية ناجحة في حياتها ودراستها، نافعة لدينها وأمتها.
فلا شيء يُقوِّي إرادة الإنسان، ويُحوِّلها من إرادة ضعيفة هشة، إلى إرادة فولاذية لا تنال منها الصعاب، ولا تقف في طريق صاحبها العقبات، مثل وجود هدف له في الحياة، يملك عليه لبه، ويشغل عقله وتفكيره، ويتغلغل في كيانه كله، حتى يعود لا يحلم إلا به، ولا يفكر إلا فيه.
مشاهد من السيرة
وإذا نظرنا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، لوجدنا أن تلك الأفعال العظيمة التي قدمها الصحابة للإسلام، هي أبلغ دليل على تأثير الهدف إذا تغلغل في كيان الإنسان، فلقد تمكن صلى الله عليه وسلم من أن يغرس في نفوس الصحابة الكرام رضي الله عنهم حلمًا عظيمًا، ترسخ في نفوسهم، وامتزج بكيانهم، ففجر في نفوسهم تلك الطاقة الهائلة، والإرادة الحديدية، التي مكنتهم بعد توفيق الله تعالى من اجتياز حاجز المستحيل، والتغلب على كل العقبات.
(هذا الحلم هو الفوز بجنة عرضها السماوات والأرض أعدها الله لعباده المتقين، حتى كان الواحد منهم يعتبر يوم عيده وفوزه ذلك الذي يموت فيه شهيدًا في سبيل ربه، كما روى أنس صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين.
فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدَّمكم، فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا كنتم مني قريبًا، فتقدم فأمَّنوه، فبينما يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أومئوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه، فقال: (الله أكبر، فزت وربِّ الكعبة) [رواه البخاري].
وحُقَّ لحرام بن ملحان رضي الله تعالى عنه أن يُكبِّر تكبيرة الفوز والانتصار، وقد أريق دمه في سبيل الله تعالى، ولم لا؟! وقد نال هدفه الذي عاش يحلم به، وما زالت قدماه لم تفارقا هذه الأرض) [يا له من دين لو أن له رجالًا، فريد مناع].
والمتأمل في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ليعلم جيدًا أنه لم يترك الصحابة للهدف الأخروي دون أن يربطه بهدف عملي تتحقق به خلافتهم على هذه الأرض، لقد كان هذا الهدف هو إقامة دولة الإسلام، ونشر دين الله تعالى في ربوع العالمين.
ولقد نجح صلى الله عليه وسلم في أن يصور لهم ذلك الهدف حتى عاشوه في مخيلاتهم قبل أن يتحول إلى واقع مادي على الأرض؛ فكان أن تفجرت طاقاتهم ومواهبهم من أجل تحقيق هذا الهدف العظيم.
فهل انتهى النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك الحد، لا، بل نلاحظ أنه صلى الله عليه وسلم بعدما أوضح لهم الهدف الأخروي (رضا الله والجنة) وربطه بالهدف العملي (إقامة دولة الإسلام)؛ حرص النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على أن يضع لكل واحد من صحابته هدفًا خاصًّا به، ليكون جزءًا من الرؤية الكلية لأمة الإسلام، بحيث يتحقق حلم الأمة بتحقق مجموع أحلام أفراد الصحابة رضي الله عنهم وأرضها، ولذلك نجد توجيهاته صلى الله عليه وسلم ودفعه بكل صحابي في مجال معين.
فنجد خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما في المجال العسكري، ونلحظ معاذ بن جبل وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس رضي الله عنهم نوابغ وفلتات في المجال العلمي، ونبصر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما يستبقيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بجانبه وزراء حتى يعدهم للخلافة من بعده.
وهكذا أصبحت الدنيا والآخرة طريقًا واحدًا يوصل إلى مرضاة الله، صناعة الحياة بالنسبة للمسلم هي جزء من عبادته لله رب العالمين، وأصبحت حياته كلها لله، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:163].
وهكذا استطاع صلى الله عليه وسلم أن يفجر طاقات الصحابة الكرام رضوان الله عليه عن طريق غرس تلك الأهداف الواضحة في مخيلتهم جميعًا، حتى غدا دخول الجنة والفوز برضوان الله عز وجل، والعمل على رفعة المسلمين من خلال النبوغ في مجال من مجالات الحياة، حلمًا يعيش كل صحابي من أجل تحقيقه.
وهكذا ينبغي أن تكون أيها الطالب المسلم، لابد أن تصنع لنفسك هذه السلسلة من الأهداف العظيمة تمامًا كما صنعها النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام، فلقد أصبحت خريطتها واضحة أمام عينيك، فإذا استطعت أن تصنعها حينها فقط، وكانت دراستك جزءًا منها، فحينها فقط سيصبح لمذاكرتك معنى ولدراستك معنى، ولجلوسك الساعات الطوال على طاولة المذاكرة معنى... حينها فقط ستشعر أنك من خلال اجتهادك في دراستك ورغبتك في الحصول على الدرجات النهائية تصنع شيئًا كبير لأمة محمد وتقطع الأشواط في سبيل تحقيق سلسلة الأهداف المباركة كتلك التي صنعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام.
والآن عليك أن تفعل الآتي:
عليك بداية أن تختار لك أحد المجالات: هندسة، صيدلة، طب، تجارة، دعوة.. أيًا ما كان بما يتوافق مع ميولك وقدراتك.
ثم تحدد لنفسك فيه أهدافًا واضحة، تشكل منها حلمك الخاص الذي ستعيش من أجله، ومن خلاله تعمل على رفعة المسلمين.
ثم أن تحجز مقعدًا في الجنة التي سبقك إليها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لما أتقنوا صناعة أهدافهم بتوجيه من أعظم معلم عرفته البشرية صلى الله عليه وسلم.
ونمنحك الآن خطة عملية تستطيع من خلالها أن تحقق هدفك الذي تصبو إليه:
خطوات صناعة الهدف:
قبل أن تبدأ في صناعة هدفك لابد أن تعلم أن هناك ثلاثة أنواع من الأهداف:
((1) أهداف بعيدة المدى: وهي التي تتحقق في غضون عشرين سنة.
مثال: هدفي في الجانب المهني: أن أكون مالكًا ومديرًا لمصنع للسيارات.
(2) أهداف متوسطة المدى: وهي التي تتحقق في غضون خمس سنوات.
مثال: هدفي في الجانب المهني: الحصول على بكالوريوس الهندسة قسم ميكانيكا، وذلك كخطوة وسيطة في طريق افتتاح مصنع للسيارات.
(3) أهداف قصيرة المدى: وهي التي تتحقق في غضون سنة فأقل.
مثال: هدفي في الجانب المهني: اجتياز دورة إدارية في كيفية إدارة الأعمال.
وبعد أن علمت ذلك، فابدأ معنا خطوات صناعة الهدف كما يلي:
أولًا ـ حدد منظومة الأهداف بمراحلها الثلاثة:
فكل إنسان صاحب رسالة في الحياة لكي يستطيع أن يحقق رسالته، فلابد أن يضع لنفسه هدفًا بعيد المدى، ثم يُقسِّمه إلى أهداف متوسطة المدى، ثم يُقسِّمها بدورها إلى أهداف قصيرة المدى؛ لكي يستطيع أن يبدأ السعي في تحقيقها، بحيث كلما تحقق منها هدف اقترب أكثر نحو هدفه البعيد، حتى يتم تحقيقه باستكمال تحقيق الأهداف المرحلية؛ لأن مشوار الألف ميل لابد أن يبدأ بخطوة واحدة.
وانظر إلى ما حدث من الإمام الفقيه موفق الدين أحمد بن قدامة رحمه الله:
كان له هدف واضح يسعى إليه في حياته؛ ألا وهو: (نشر العلم بأحكام الفقه الإسلامي بين الأمة)، لذلك نجده رحمه الله قد قسَّم هذا الهدف الاستراتيجي إلى أهداف مرحلية يُسلِّم بعضها إلى بعض؛ حتى وصل إلى هدفه، فكانت أهدافه المرحلية على النحو التالي:
(1) وضع كتاب "عمدة الفقه" للمبتدئين: وهو كتاب مختصر لطيف يذكر فيه قولًا واحدًا في المسألة، هو القول الراجح عنده في مذهب الإمام أحمد، مع ذكر الأدلة عليه من السنة الصحيحة غالبًا.
(2) وضع كتاب "المقنع" للمتوسطين: ويذكر فيه القولين في مذهب الإمام أحمد بدون ذكر الأدلة.
(3) وضع كتاب "الكافي" للمتقدمين: ويذكر فيه القولين في مذهب الإمام أحمد في كل مسألة مع ذكر الأدلة.
(4) وضع كتاب "المغني" للمنتهين: وهو كتاب ضخم من كتب الفقه المقارن، يذكر فيه مذاهب الأئمة والعلماء، ويرجح بينها غير متقيد بمذهب معين.
وهكذا ساهم هذا الإمام الفذ في نشر العلم بين شباب هذه الأمة؛ لما أحسن رحمه الله تحديد أهدافه، وأتقن تقسيمها إلى أهداف مرحلية، يمكنه من خلال تحقيقها أن يقيس مدى تقدمه نحو هدفه الإستراتيجي
ثانيًا ـ ضع الإطار الزمني لكل هدف مرحلي:
بمعنى أن نحدد لكل هدف من أهدافنا نقطة بدء ونقطة نهاية زمنيتين.
ثالثًا ـ ضع الخطة السنوية:
بمعنى أن تحدد الأهداف المرحلية التي يمكنك إنجازها خلال سنة واحدة، ثم تحدد الإجراءات والخطوات التنفيذية، التي يتعين عليك اتخاذها للاقتراب من تحقيق أهدافك المرحلية خلال تلك السنة.
رابعًا ـ المتابعة الشهرية والأسبوعية واليومية لسير الخطة السنوية:
فعليك أن تضع بعد ذلك خطة شهرية ثم أسبوعية ثم يومية، للسير في تنفيذ تلك الإجراءات المرحلية التي وضعتها في خطتك السنوية، بحيث تتابع يوميًّا مدى تقدمك نحو هدفك) [يا له من دين لو أن له رجالًا، فريد مناع].
"براين تريسي" أحد أكبر المختصين في التخطيط التسويقي والإنتاجي، وأحد أفراد ملاك شركة "نايتنيجيل أند كونت" يخبرنا أن مجرد كتابة القائمة الأسبوعية لتنفيذ بعض الأشياء يزيد من الإنجاز إلى حد 30%، تصور فقط قائمة تأخذ منك 15 دقيقة تزيد 30% من إنجازاتك) [كيف تخطط لحياتك، د. صلاح صالح الراشد، ص(161)].
وآخر ما أقوله لك أخي الطالب:
تذكر دائمًا كلمات أديب الإسلام مصطفى صادق الرافعي: (فإنك إن لم تزد شيئًا على الدنيا كنت أنت زائدًا عليها) [وحي القلم، مصطفى صادق الرافعي، (2/86)].
على طريق النجاح
- التفاصيل