سحر يسري
تقول إحدى الأمهات:
(عندما أستمع إلى أبنائي يتحدثون في موضوع ما، وأحاول مشاركتهم فيه إما أن يغيروه أو يتوقفوا عن الحديث، وكأنني غريبة عنهم، حتى ابنتي الحبيبة أشعر أنها تفضل صديقاتها عني.. لماذا لا أكون أنا صديقتها المقربة وأنا أكثر شخص يحبها ويخاف عليها؟!)
عزيزتي الأم.. لا يشك أحد في قوة الحب بين الأم وابنتها، ولكن الحب وحده لا يكفي، فما هي خطواتك العملية كي تكسبين صداقة ابنتك الحبيبة؟
سؤال هام.. يجب أن توجهه كل أم إلى نفسها قبل أن تتساءل، لماذا لا تجعلني ابنتي صديقتها الأولى والمقربة؟
تفهمي حاجتها إلى الاستقلال..!
إن محبة الأم الشديدة لابنتها يجب ألا تتعارض مع حاجتها الشديدة للاستقلال خصوصًا في مرحلة المراهقة، فبينما يشتكي الكثير من الآباء والأمهات من أن الأبناء لا يسمحون لهم بالاقتراب من خصوصيتهم، نجد أن كثيرًا من الأمهات تحاول الواحدة منهن أن تضع ابنتها في غرفة مغلقة، موصدة الأبواب والنوافذ، في محاولة منها لحمايتها من كل شيء قد يمسها..!
وبالطبع هذا الأسلوب ليس هو الصحيح في تربية الفتاة في هذه المرحلة الهامة من عمرها، هل تعرفين السبب؟
إن فترة المراهقة هي الفترة التي يحدث فيها التغير البيولوجي والهرموني والجسماني الذي يصاحب الفتى أو الفتاة فيحدث نوعًا من التغيير أو التحول، ودور الأم في هذه المرحلة منوط بالتوجيه السوي وامتصاص الغضب بدون توجيه أذى نفسي للفتاة، مع الاستمرار في تشجيع طاقات الفتاة وإمكاناتها ومساعدتها على تحقيق ذاتها من خلال الإبداع والثقافة والدوافع الإنسانية الطيبة ومنحها الأمان النفسي.
ولاشك أن المعرفة السابقة لخصائص وسمات مرحلة المراهقة قبل أن يصل إليها الأبناء يسهل على الوالدين مهمة استيعاب الأبناء خصوصًا في مرحلة المراهقة التي من سمتها التغيرات القوية والمتلاحقة في شخصية الأبناء وبنائهم الجسدي والنفسي.
ففي مرحلة المراهقة تتبلور شخصية الفتاة وبالتالي تحتاج إلى الشعور بالاستقلال، وتحتاج إلى قدر من التفاعل الاجتماعي المنضبط بضوابط الدين والأخلاق حتى تستطيع ممارسة حياتها مستقبلًا بنجاح.
أهمية الصداقة للفتاة:
الصداقة في مرحلة المراهقة هي جزء من عواطف المراهق وهي عبارة عن توجيه مشاعر المحبة والحنان والوفاء والإخلاص صوب شخص واحد يعتبر بمثابة المرآة للذات حيث تبوح الفتاة لصديقتها بأسرارها، وتبثها همومها وأشجانها، وتتقاسم معها الأفراح والأحزان، وبالتالي نستطيع أن نؤكد على أن نجاح علاقة الصداقة بين الوالدين – خصوصًا – الأم وابنتها من شأنه أن يشبع حاجة الفتاة لصديقة تثق بها، كما يمنح الفتاة الشعور بأجواء السعادة والمودة والإشباع العاطفي داخل الأسرة.
إذًا لابد من الصداقة..!
إن الخروج أحيانًا من زيِّ النصح والتوجيه بالأمر إلى زيِّ الصداقة والتواصي وتبادل الخواطر، وبناء جسر من الصداقة لنقل الخبرات بلغة الصديقة والأخت لا بلغة الأم الحازمة هو السبيل الأمثل لتكوين علاقة صداقة حميمة بين الأم وابنتها.
وصداقة الأم تختلف عن صداقة الرفيقات المماثلات للفتاة في السن؛ لأن صداقة الأم تصبح المصدر الذي تستمد منه الفتاة مشاعر الأمن، والثقة بالنفس؛ حيث تحتاج البنات إلى الكثير من الثقة والمرونة حتى يمكنهن أن يواجهن مخاطر الحياة في المستقبل عندما يكبرن، فلكي تصبح البنت سعيدة وناجحة فهي تحتاج إلى أن تصبح قادرة على التأثير في أمور الحياة التي تتطور من حولها، والطريقة المثلى لمساعدة ابنتك هي أن تنمو في وسط صحي سعيد، وأن تكون أمها (صديقتها) أنموذجًا رائعًا للمرأة الناجحة في كل أدوارها، إن ذلك يمنحها ثقة كبيرة في أنها سوف تسير في نفس الطريق وستحقق نفس النجاح على درب الأم القدوة. [بناتي حياتي، أسماء محفوظ، ص(19)].

طُعم الصداقة.. مواضيع تحبها ابنتك..!
إذا أردت – عزيزتي الأم – أن تؤسسي للصداقة مع ابنتك فاجعلي حديثك معها يبدأ من نقاط اهتماماتها وأولوياتها وميولها، فإذا فعلتِ ذلك فستجدين آذانها صاغية لكِ تتحدث معك بكل مشاعرها وأحاسيسها، يقول "ديل كارينجي" في كتابه: (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر بالناس؟):
"إنك إن أردت اصطياد الأسماك فإنك تضع لهم في الصنارة ما يحب السمك أن يأكله كالديدان مثلًا، وليس ما تحب أنت من لحوم أو فاكهة..!".
وعليك أيتها الأم الواعية أن تطرقي أبواب المواضيع التي تفضل ابنتك أن تتحدث فيها مثل سائر البنات في مثل سنها، مثل الجديد في عالم الكمبيوتر، والهواتف المحمولة، أنواع الصديقات وأنماطهن، والهوايات التي تحبها وكيف تثريها، بعض ذكريات الأم الطريفة والمثيرة، والتي تكون الفتاة شغوفة بسماعها.. وهكذا [عواصف المراهقة كيف نعبرها إلى شاطئ الأمان؟ عاطف أبو العيد، ص(43)].
ارفعي عنها عدستك المكبرة..!
يقول "جيمس هارفي روبنسون" أستاذ علم النفس والاجتماع الأمريكي: (إننا قد نغير أحيانًا ما بأنفسنا دون صعوبة ولكن عندما يقال لنا: إننا مخطئون نتمسك أكثر بآرائنا، ولا نتزحزح عنها أبدًا..!).
إن التدقيق في كل تصرف تقوم به الابنة وإبداء الفهم الشديد لتصرفاتها أمرٌ صعب للغاية، تقول إحدى خبيرات الصحة النفسية: ينبغي التغافل (التفويت) عن الكثير من تصرفات الأبناء المراهقين، بحيث لا نعلِّق على كل صغيرة وكبيرة من الأمور والأخطاء اليومية البسيطة، وعلى الوالدين تقدير متى يجب إبداء الفهم، ومتى يجب التغاضي، ومن الأفضل ألا نتوقع من الفتاة الكمال؛ فتتعقب أخطاءها لكي تصوبها، وليس من المفيد البحث والتدقيق في كل صغيرة وكبيرة بهدف الوصول إلى الكمال، ودور الأم يتحدد في مساعدة الفتاة في التغلب على ما تمر به من أزمات، والقاعدة الشرعية في ذلك: كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.
واعلمي عزيزتي الأم أن التنويع مسلك الناجحين، فمعالجة الأخطاء تكون تارة بالتلميح، وتارة بالقدوة، وتارة بالتصريح؛ كل ذلك يتم حسب الموقف.
اعتمدي أسلوب الحوار..
إن التسلط في معاملة الفتاة، وأخذها بالأمر والنهي والأوامر الصارمة لن يجدي كثيرًا، كما أن ناقشة كل أمر معها أيضًا ليس حلاًّ، لكن الحل هو عدم فرض بعض الأمور عليها، والتي قد لا تجد الفتاة لها مبررًا معقولًا، لابد إذن من اعتماد أسلوب الحوار وإقناعها بالصواب وبأن والديها لا يريدان إلا مصلحتها دائمًا.
احترمي مشاعرها..!
في كثير من الأحيان لا ينتبه الكبار لمدى الأذى الذي يصيب المراهق من ذكر نقائصه أو عيوبه، أو معاملته كطفل، وتذكيره بما كان يفعل وهو طفل؛ مثل التبول الليلي في الفراش، أو التكلم عنه أمام الآخرين بما يزعجه، ونتذكر هنا قول الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات:11]، فمثلًا على الأم أن تفرِّق بين الابنة والتلميذة، فإذا كان لدى ابنتها انخفاض في المستوى الدراسي؛ فعلينا أن نتذكر مزاياها الأخرى، ولا نجعل أحاديثنا مقصورة فقط على المسائل المدرسية والدرجات، (وهذا هو التفريق بين الذات والصفات، وهو أن نفرق بين الابنة الحبيبة وبين صفاتها وسلوكها) [أخطاء شائعة في تربية البنات، عادل فتحي عبد الله، ص(30)].
شاوريها.. ودرِّبيها..!
من أيسر الطرق التي تكسبين بها ودَّ ابنتك أن تتشاوري معها فيما يعرض لكِ من أمور الحياة اليومية، ومن ثمَّ ستبدأ هي الأخرى بأخذ مشورة الأم فيما يعرض لها من أمور، وهكذا تثري المشورة المودة بينكما، حيث يكون هناك تبادل للرأي، فقدِّمي لها الخبرات التي تعدها أمًّا للمستقبل، وإذا حدث خلاف فلتتناقشي معها بود وتقنعيها بأسلوب منطقي، وكذلك أشركيها معكِ في الأعمال المنزلية، وشاركيها في هواياتها.
والأم المتفهمة تتيح لابنتها فرصة التدريب على الأعمال المنزلية؛ مثل دخول المطبخ والعمل فيه، وطريقة الإنفاق وحسن التصرف في الادخار والإنفاق، وتثني عليها وتتقبل خطأها بنفس راضية، وتشجعها إن أحسنت وتنصحها إن أخطأت، فإن حسن التوجيه واللباقة هنا لها تأثير السحر، وبالتالي تتقبل الابنة توجيهات الكبار بنفس راضية.
احترمي خصوصياتها..!
لابد أن تحترم خصوصيات الفتاة طالما أنها لا يشوبها شائبة، مع الاحتفاظ بمبدأ المراقبة غير المباشرة، واحترام خصوصيات الفتاة يتطلب بناء مسافة معينة بين الوالدين وبين ابنتهما، مع الاحتفاظ بالصداقة والمحبة، والاحترام.
وأخيرًا عزيزتي الأم...
إن فترة المراهقة فترة حرجة يشعر فيها المراهق بالحزن والكآبة والرغبة في التمرد والتغيير، فإذا كانت الأم متفهمة وقريبة من ابنتها ونجحت في كسب صداقتها؛ مرت هذه المرحلة بسلام، وإن كانت بعيدة عن ابنتها وقاسية ستتحول العلاقة بينهما إلى حرب وصراع وقد تفقد كل منهما الأخرى، والفتاة السعيدة هي من نجحت أمها بتوفيق الله تعالى في الاقتراب منها والفوز بصداقتها.
المصادر:
-         أخطاء شائعة في تربية البنات، عادل فتحي عبد الله.
-         الحوار مع الأبناء أسس ومهارات، أسماء محفوظ.
-         بناتي حياتي، أسماء محفوظ.
-         عواصف المراهقة كيف نعبرها إلى شاطيء الأمان؟، عاطف أبو العيد.

JoomShaper