محمد السيد عبد الرازق
رحلة طويلة تلك التي خضناها سويًا عبر مجموعة من المقالات استهدفنا من خلالها كسر القيود من أيادي الشباب، ومع كل قيد انكسر كانت طاقات جديدة تتفجر وإمكانات جديدة تلوح في آفاق الشباب مبشرة بالوصول إلى قمة الجبل.
ذلك الجبل الشاهق الذي رفع على قمته راية النجاح والتميز التي طالما تشوقت نفوسنا ـ ونحن في رحلتنا الماتعة ـ إلى الإمساك بها ورفعها عاليًا ليعلم العالم كله أن هناك شابًا قد استطاع أن يطرح عنه كل قيد وينزع عنه كل سلبية ويجاهد ويجتهد ويتحمل مشقة الصعود حتى تم له الوصول إلى القمة؛ ليرى حينها العالم برؤية جديدة ونفسية جديدة ملؤها التفاؤل والإقدام والقوة والإصرار.
وقد تناولنا سويًا من قبل هذه القيود الستة وعملنا على كسرها قيدًا قيدًا وقد تبقى لنا أربعة قيود بكسرها تهل علينا بشريات الوصول إلى قمة الجبل، فشمروا يا شباب وارفعوا صوت الهمة ونبرات العزيمة، وأكملوا الأربعة المتبقية ليتم لكم كسر عشرة كاملة.
لقد كانت الستة السابقة...
الخوف من الفشل، ضعف الهمة وغياب الطموح، احتقار الذات، التضخيم، ضعف العزيمة، المبالغة الشديدة.
وهذه هي الأربعة اللاحقة...
الاعتقاد الخاطئ، تعطيل النصف الأيمن من المخ، الجهل، البيئة السلبية.
أولًا: الاعتقاد الخاطئ:
هناك بعض الناس يحتجون بنجاح الكثير من الأشخاص دون أن يبذلوا وقتًا أو جهدًا في تحديد أهدافهم وضبط رؤيتهم وتوجههم، ومن ثم فإن تحديد الأهداف وبذل المجهود في ذلك يُعد من قبيل تضييع الأقوات لدى هؤلاء، فينتقلون إلى العمل والتنفيذ دون أن يتقفوا ابتداء لتحديد الأهداف بصورة واضحة، ونحن نقول قد يكون ما ذهب إليه هؤلاء به شيء من الصحة، فربما ينجح البعض دون أن يبذل جهدًا أو وقتًا في تحديد أهدافه.
لكن ينبغي أن نبين أن نجاح مثل هؤلاء يكون نجاحًا محدودًا أو نجاحًا مؤقتًا، أما النجاحات الكبيرة والعظيمة، فهي تحتاج ـ لاشك ـ إلى وقت وجهد وإعمال للعقل، حتى تثمر نجاحًا كبيرًا، وحتى يتمكن الشخص من السير وفقًا لرؤية واضحة وخطة سليمة، ولذا قيل: (من يمض بسفينته في بحر الحياة دون أن يعرف أي ميناء يقصده، فلا ريح مواتية بالنسبة له) [قوة الأهداف اقتباسات إدارية للانتقال إلى مستويات أعلى في الحياة، كاثرين كارفيلس، ص (15)].
وكما قيل: (لا يحتاج الوصول إلى أي مكان إلى أي جهد يذكر، لا تفعل أي شيء وسوف تصل بعد دقيقة واحدة، على أي حال، إذا كنت تريد الوصول إلى مكان ذي معنى فعليك أولاً أن تعرف أين تريد الذهاب) [الإدارة للمبتدئين، زيج زيجلار، ص (156)].
ثانيًا: النصف الأيمن:
ونقصد به النصف الأيمن من المخ، فالأبحات العلمية الحديثة في علم الفسيولوجيا [علم وظائف الأعضاء] تدل على أن النصف الأيمن من المخ يختلف في وظائفه عن النصف الأيسر مع أنهما متشابهان تمامًا من الناحية التشريحية، والمقصود باختلاف الوظائف هنا هي الناحية النفسية، أما الوظائف الحيوية فهما فيها متماثلان، فكلاهما يحتوي على منطقة حركية ومنطقة للحواس ومنطقة بصرية ومنطقة سمعية، أما الوظائف النفسية فهي مختلفة تمامًا لكل منهما، فلقد أثبتت الدراسات والتجارب أن النصف الأيسر من الدماغ هو المسئول عن وعي الإنسان وخبرته باللغة، والمنطق والرياضيات والعلوم والكتابة.
أما النصف الأيمن من الدماغ فهو النصف اللاواعي، والذي يكمن فيه الخيال والتصور والإبداع، والمقدرة على التخيل الفراغي [آفاق بلا حدود، د. محمد التكريتي، ص (236 ـ 238)].
(ورغم أن كل إنسان يمتلك القدرة على استخدام هذين النصفين معًا، إلا أن معظم الناس يستخدمون أحدهما دون الآخر.
وفي الوقت الحاضر نتيجة لتعقد الحياة المادية، وانشغال الناس بالدوران في طاحونة المشاكل اليومية، فإن الأكثرية يطغى عليهم استخدام النصف الأيسر من المخ، فيجد الواحد منا نفسه مشغولاً بالتفاصيل الصغيرة وبشئون المعيشة اليومية دون محاولة النظر التخيلي إلى الصورة الإجمالية لحياته مما يقع تحت وظائف النصف الأيمن، فلا يحاول الإنسان أن يبدع ويبتكر أهدافًا وطموحات عالية تزيد من فاعليته وإنجازاته، وتنتشله من واقعه الذي لا يرضى عنه.
وبإمكانك أيها الشاب استخدام هذه الطاقة الهائلة المعطلة والتي تسمى بالقدرة على التخيل والإبداع والتي تكمن في نصف مخك الأيمن) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري، ص (52)، بتصرف].
ثالثًا: آفة الجهل:
إن الجهل آفة خطيرة، وما نقصده هنا هو جهل الإنسان بكيفية تحديد أهدافه والطريقة المثلى في ذلك، وخطورة هذا النوع من الجهل أن الإنسان في كثير من الأحيان يمتلك الرغبة في تحديد أهدافه ولكن هذه الرغبة تظل معلقة ربما لسنوات لفقد هذا الشخص بالطريقة والآلية التي يحدد من خلالها أهدافه.
والشخص الذي قد كسر كل هذه القيود السابقه، لاريب أنه الآن لا يريد أن يحدد مجموعة من الأهداف الثانوية، بل يتطلع إلى وضع سيناريو كامل لحياته ومستقبله، حتى يتمكن من المضي قدمًا يومًا بعد يوم في تحقيقه، ويستطيع أن ينتقل من نجاح إلى نجاح؛ حتى يصل إلى ما يصبو إليه.
وكسر هذا القيد يكمن في كلمة واحدة، هي الكلمة الجامعة لكل السبل التي ينبغي أن تسلك في سبيل كسر هذا القيد العنيد، هذه الكلمة هي (التعلم).
نعم، أخي الشاب، فمن اليوم ينبغي أن تبذل وقتًا ليس بالقليل في التعلم وجلب المعرفة، وأهم ما يجب تعلمه هو كيفية تحديد الأهداف.
وعندها تكون قد ملكت السر العظيم للنجاح والفاعلية، كما يقول ليون يوريس: (يجب أن يعرف الروائي ما الذي سوف يقوله في الفصل الأخير من روايته، وبطريقة أو بأخرى يُسيِّر الأحداث في هذا الاتجاه، وفي رأيي أن تصور ما ستئول إليه الأمور في النهاية هو أمر أساسي تمامًا، ولكن يبدو أن القدرة على ذلك سر عظيم [قوة الأهداف اقتباسات إدارية للانتقال إلى مستويات أعلى في الحياة، كاثرين كارفيلس، ص (73)].
رابعًا: البيئة السلبية:
من أخطر القيود التي تهدد مستقبل الشخص، تلك البيئة الصغيرة التي ينشأ فيها، فكون هذه البيئة السلبية، يعني أن الشخص معرض للإصابة بأخطار كبيرة تهدد شخصيته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) [رواه البخاري].
فللبيئة أثر بالغ على شخصية الإنسان ولا شك، ولئن كانت البيئة السائدة في مجتمعاتنا الإسلامية اليوم بيئة بها الكثير من السلبية، إلا أن بها إيجابيات كثيرة، فينبغي علينا أن نحدد مواطن السلبية لنبدأ في علاجها سريعًا.
(فالواحد منا يشب غالبًا على الارتجال والفوضوية والنظرة الآنية للأمور؛ يتعلم هذا في البيت والمدرسة أو العمل، يتعلم أن يقوم بالعمل ولا يدري ما هو فيه، ولا يجد من يعينه على زرع هدف له في الحياة في نفسه منذ الصغر، ومن ثم يشب على ذلك يدرس في مدرسته أو كليته مواد كثيرة لا يدري هدفًا لها ولا يرى تطبيقًا لها في حياته العملية.
حتى إن المهندس على سبيل المثال يتخرج في كليته، ويبدأ في الواقع العملي ليفاجأ بأن ما درسه عبر خمس سنوات كاملة لا يمت للواقع بصلة، وهذه الظاهرة ولا شك ثمرة حنظل مرة لانحراف مجتمعاتنا عن الفهم والتطبيق الصحيحين لشريعة الإسلام.
والتأمل في كتاب الله تعالى وحده كفيل بأن يقنعك أن ربط كل شيء بالهدف منه؛ مَعْلم أساس من معالم شريعة الإسلام التي جاءت لتكون منهج حياة.
{وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}[النحل: 16]، تأمل كيف يربط الله النجم بفائدته لنا؟ وغير هذا من الآيات الكثيرة.
ومع اعترافنا بعميق تأثير البيئة على شخصية الإنسان وأنها عامل أساس في تكوين عاداته وسلوكياته؛ إلا أنها لا ينبغي أن تقف سدًّا منيعًا أمام تغيير الإنسان لنفسه وتنفيذ ما يراه صحيحًا، والعادات قابلة للتغيير بشيء من الجهد والمران ولا يعقل أن يترك الإنسان العاقل نفسه ليعيش بقية حياته أسيرًا لعادات سلبية أورثته إياها بيئته ولا يحاول أن يكسر هذه القيود) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع، ص (67)].
يا شباب، ها نحن قد هدمنا سويًا قيود العجز والسلبية، من: الخوف من الفشل، ضعف الهمة وغياب الطموح، احتقار الذات، التضخيم، ضعف العزيمة، المبالغة الشديدة، الاعتقاد الخاطئ، تعطيل النصف الأيمن من المخ، الجهل، البيئة السلبية.
فما بقي لنا إلا أن نقيم بناء الإيجابية والفاعلية وننطلق نحو التميز والإبداع بعدما تحررنا من أسر القيود العشرة.
فهيا يا شباب فقد آن الأوان لتبنوا صروح النجاح على أنقاض قيودكم... فأعلوا الهمة وشمروا وتحركوا وحلقوا .. فالحركة بركة والبركة بالشباب.
(فعند وضوح الرؤية يتحدد الهدف وبتحديد الهدف يتحدد المسار) [صناعة القائد، د. طارق السويدان وفيصل باشراحيل، ص (72)].
المصادر:
· قوة الأهداف اقتباسات إدارية للانتقال إلى مستويات أعلى في الحياة، كاثرين كارفيلس.
· الإدارة للمبتدئين، زيج زيجلار.
· آفاق بلا حدود، د. محمد التكريتي.
· صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري.
· صناعة القائد، د. طارق السويدان وفيصل باشراحيل.
بشريات الوصول وفَك القيود
- التفاصيل