محمد السيد عبد الرازق
لماذا خلقنا على ظهر الأرض؟ وما هي مهمة الإنسان الحقيقية التي وجد للقيام بها؟
إنها أسئلة خطيرة، حيرت الكثير من الشباب حول العالم، غير أن الشاب المسلم بما يملكه من رسالة متفردة تمنحه إياها شريعة الإسلام الغراء تنبني على إجابة هذه السئلة الخطيرة في وضوح تام.
إن الشاب المسلم حينما يتأمل في هذه الشريعة ليعلم أن هدي إلى الإجابات الشافية على الأسئلة التي حيرت العقول منذ بدء الخليقة إلى قيام الساعة.
(هذا السؤال الذي حير الفلاسفة والمفكرين الذين حرموا من نور الوحي، فضلوا وأضلوا.
حاول أفلاطون أن يجيب على هذا السؤال، فقاده فكره إلى إجابة هزلية تقول: بأن الله عز وجل قد خلق هذا الكون ثم نسيه، من أجل ذلك دبت الفوضى على الأرض ونشأ الصراع بين البشر. وتعالى الله جل وعلا عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
فسبحان الذي قال في كتابه: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64].
ثم يأتي كارل ماركس فيخرج علينا بنظرية أخرى تافهة تقول: بأن الله خلق الكون من أجل أن يلهو ويلعب ـ تعالى الله عمَّ يقول الظالمون علوًا كبيرًا ـ.
وتأتي هذه الآية من كتاب الله لترد على هؤلاء وأمثالهم، يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الدخان: 38].
ثم يأتي حائر ثالث كمثل إيليا أبي ماضي، يعبر عن حيرته وتيهه في قصيدة طويلة سماها الطلاسم، يقول فيها:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت
وسأبقى سـائرًا شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري؟) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان شايع الهاجري].
أما إذا تأملنا في عقيدتنا؛ لعلمنا أنها وحدها من تمتلك الإجابات الشافية لهذه الأسئلة المحيرة، هي وحدها من توضح الغاية بجلاء وترسم الطريق في وضوح، يقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
هذا هو الهدف من وجودك في هذه الحياة أيها الشاب، وهو هدف كل مؤمن بالله، أن يمضي حياته في عبادة الله عز وجل، فيحوز سعادة الدنيا والآخرة جزاء وفاقًا ولا يظلم ربك أحدًا.
ولا يفهم من ذلك أننا نطالب الشباب بالاعتكاف في المساجد آناء الليل وأطراف النهار والتفرغ للعبادة والصلاة، وترك الدنيا وكل ما يتعلق بها!!
كلا، لا نطالبهم بذلك البتة، وما كانت العبادة هذا ولا قريبًا منه، ولكنه مفهوم مغلوط ناقص لهذه الكلمة العظيمة (العبادة) مفهوم ناقص شوه الكلمة، وسلبها حيويتها وانسيابها في واقع الحياة لتدفع بطاقتها الروحية المتفجرة إلى العمل والبناء والتعمير.
فالعبادة في مفهومها الصحيح كما يعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هي: (كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة) [العبودية، شيخ الإسلام، ص (1)].
إن أي عمل قصدت به وجه الله عز وجل وكان طاعة مشروعة أو عملًا مباحًا، فإنه داخل في مفهوم العبادة، وليس أدل على من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين فيه أن الإنسان يأتي شهوته المباحة فيكون ذلك صدقة له، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة) فتعجب الصحابة من ذلك؛ قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) [رواه مسلم].
وتعمير هذه الأرض، هو من جملة العبادات التي فرضها الله على المؤمن، غير أن تحقيق العبودية لله جل وعلا في الأرض لا يتم إلا بحيازة مقومات الخلافة التي جعلها الله عز وجل سببًا لاستمرار الحياة وبقائها.
يقول الأستاذ محمد قطب: ({الإنسان في عرف الإسلام هو الخليفة في الأرض، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة : 30].
خلق ليعبد الله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات : 56].
والعبادة تشمل كل نشاط الإنسان في الأرض: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام : 162].
ومن بين العبادة المطلوبة هو عمارة الأرض {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [هود : 61].
ومن بينها السعي في الأرض وابتغاء فضل الله {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} [الملك: 15]) [واقعنا المعاصر، محمد قطب، ص(85، 86)].
وخلافة الله في أرضه إنما تكون بعمارتها وصناعة النهضة والحضارة فيها، ولكنها الحضارة الموصولة بالله تعالى، والتي ينشئها الإنسان في تعبيد الناس لرب العالمين، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا هذا المفهوم العظيم، ويعقد الصلة بين الدنيا والآخرة، فيقول صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها) [رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع].
إن هذا الحديث العظيم يدعونا إلى التأمل فيه مرة بعد مرة، لقد كان من المتوقف أن يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم والساعة تقوم أن نقبل على التوية أن نهرع إلى الاستغفار، لكنه سبحانه يأمرنا بشيء آخر، إنه يأمرنا بغرس فسيلة، أي فسيلة تلك؟ إنها فسيلة النخل التي لا تثمر إلا بعد سنوات طويلة!
أتدري لماذا أيها الشاب؟ لقد أراد المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يعلمنا أن (طريق الآخرة هو هو طريق الدنيا، بلا اختلاف ولا افتراق، إنهما ليسا طريقين منفصلين أحدهما للدنيا والآخر للآخرة، وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك، ويربط ما بين هذه وتلك، ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة وطريق للدنيا اسمه العمل، إنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة، وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة، ولا العبادة عن العمل، كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام، وكلاهما يسير جنبًا إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه) [قبسات من الرسول، د. محمد قطب، ص (19)].
فالإسلام لا ريد منا أن نعتزل الحياة، ولا يريد كذلك أن ننسى الله ونحن في أعمالنا وتجارتنا ودراستنا، إنه لا يريد شيئًا من ذلك لأنه ليس كذلك، فالعبادة والعمل طريق واحد في نظر الإسلام أوله في الدنيا وآخره في الآخرة.
فالإسلام أن نأكل ونشرب، أن نتزوج وننجب، أن نتعلم ونعمل، على أن يكون ذلك كله باسم الله وفي سبيل الله عز وجل، لا تشغلنا الدنيا عن الآخرة ولا العكس لأنهما طريق واحد لا يفترقان.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن...
(هل علمت الآن أيها المؤمن عظمة إسلامك؟ هل فهمت دينك بتمامه وشموله؟ ولماذا كانت شريعته هي الشريعة الوحيدة التي تصلح لطبيعة الإنسان؟ هل فهمت أنك مطالب بعمارة الأرض وصناعة الحياة تمامًا كما أنك مطالب بالصيام والصلاة؟ هل تيقنت أن الله تعبدك بالنجاح وتفوقك في عملك كما تعبدك بزكاتك وحجك؟
إذا كنت قد علمت كل ذلك واتفقت معنا فيه فإننا نستطيع الآن أن نضع رسالة عامة لابد وأن يحملها كل مؤمن في الحياة وهي إرضاء الله تعالى من خلال:
1-   الالتزام بمنهج الإسلام في نفسه وماله وأهله.
2-   صناعة الحياة من خلال التفوق في تخصصه المهني سواء أكان طبيبًا أم مهندسًا أم عالمًا أم غير ذلك) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].
وحتى تتمكن من صياغة رسالة فعالة تحيا بها في هذه الحياة، فنحن نرشدك إلى أركانها الرئيسية، التي يجب أن تتضمنها رسالتك:
الركن الأول: إرضاء الله تعالى:
فهذه هي الغاية الكبرى، والمهمة العظمى التي خلق الله عز وجل الخلق من أجلها، فإذا لم يربط الإنسان رسالته في الحياة بإرضاء ربه عز وجل فإنه بذلك يكون قد ضيع حياته هباء منثورا، ومهما حقق الإنسان من أهداف وإنجازات في الدنيا، فطالما أنها غير مرتبطة بإرضاء الله عز وجل، فهي إنجازات قصيرة الأجل، محدودة بعمره القصير، وأما إن ارتبطت نجاحات الإنسان وإنجازاته بابتغاء رضوان الله تعالى فإنها تكون عظيمة الأثر، لا تزول بزوال الإنسان بل يمتد نفعها إلى الآخرة الباقية وشتان شتان بين من جعل همه جمع المال في الدنيا من أجل رفعة شأن الإسلام والمسلمين وهو في الوقت ذاته يتمتع بماله ذلك بما أحله الله له، كما قال صلى الله عليه وسلم: "نعم المال الصالح للرجل الصالح، فهو يتقي فيه ربه ويصل به وحمه."
فلابد أن تبدأ رسالتك أيها المؤمن بهذه العبارة الرائعة، إرضاء الله تعالى من خلال: .................
الركن الثاني: نفسك
فلا تنس نفسك في الرسالة، حتى لا يستهلكك العمل ليلا ونهارا، وتنسى حقوق هذه النفس عليك، كما قال صلى الله عليه وسلم: إن لنفسك عليك حقا."
الركن الثالث: أهلك
وذلك حتى لا يضيع حقهم عليك في غمرة انشغالات الحياة، كما قال صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " وقال أيضا:"وإن لأهلك عليك حقا"
الركن الرابع: الآخرون
فديننا العظيم لا يعرف المسلم الذي يعيش لنفسه ولأهله فقط "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" والنجاح الذي يحققه الإنسان بمفرده، وبمعزل عن الآخرين هو نجاح ناقص مبتور، ولذلك تجد رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وهي أعظم رسالة على الإطلاق قد ضمنها الله عز وجل الآخرين، قال تعالى "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"
وهكذا أذا تضمنت رسالتك إرضاء ربك، والاهتمام بنفسك وأهلك والآخرين، فهذه هي الرسالة الفعالة حقا الجديرة بتغيير مجرى حياة الإنسان، ووضع أقدامه على أول أعتاب طريق السعادة والنجاح في الدنيا والآخرة.
مثال: إذا كانت رسالتك في مجال التعليم فتستطيع أن تضعها في الصيغة التالية: إرضاء الله تعالى من خلال تعليم نفسي وأهلي والآخرين والارتقاء بعقولهم [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].
المصادر:
·   صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري.
·   قبسات من الرسول، د. محمد قطب.
·   العبودية، شيخ الإسلام.
·   واقعنا المعاصر، محمد قطب.

JoomShaper